
في بلدٍ أنهكته الديون، وأرهقت رواتبُه أصحابَها، وأصبح كثير من الناس يفتحون دفاتر الحساب قبل أن يفتحوا أبواب بيوتهم، جاءت مبادرة «تنازل لله» التي أطلقها علاء الريماوي لتقول شيئًا بسيطًا، لكنه كبير في معناه: ليس كل حقٍّ يجب أن يُؤخذ، وليس كل دينٍ يجب أن يبقى سيفًا فوق رقبة صاحبه.
الفكرة ليست أن نتوقف عن المطالبة بالحقوق، ولا أن نُحمّل الناس فوق طاقتهم، وإنما أن نتذكر أن وراء كل رقم إنسانًا، ووراء كل دين بيتًا، ووراء كل عجز حكاية قد لا يعرفها صاحب الدَّين.
قد يكون المبلغ الذي ينتظره أحدهم مجرد رقم في حسابه، لكنه بالنسبة لمدينٍ متعثر قد يكون آخر ما تبقى من راتبه، أو ثمن دواء، أو قسط جامعة، أو طعام أطفاله.
وهنا تصبح المسامحة فعلًا يتجاوز المال.
أن تقول لإنسانٍ أثقلته الأيام: «سامحتك»، يعني أنك منحتَه فرصة ليتنفس.
وأن تقول له: «تنازلت عن ديني عندك لله»، فأنت لا تمحو رقمًا من دفتر الحساب فقط، بل تمسح شيئًا من الخوف عن قلب إنسان.
ما يلفت في مبادرة الريماوي أنها لا تتحدث عن ملايين تُجمع، بل عن ملايين يمكن أن تُمحى من دفاتر الديون بالرحمة. وهذا ربما هو المعنى الأجمل في الفكرة: أن يكون المال الذي عجزت الدولة عن توفيره، قادرًا على أن يتحول بين الناس إلى عفو، وأن تتحول القدرة على الأخذ إلى قدرة على المسامحة.
في مجتمعٍ أنهكته الأزمات، نحتاج أحيانًا إلى مبادرات تعيد تعريف القوة.
القوي ليس فقط من يستطيع أن يأخذ حقه كاملًا، بل من يستطيع أن يعفو وهو قادر على الأخذ.
والغني ليس فقط من يملك المال، بل من يملك قلبًا يتسع لمسامحة إنسانٍ أثقلته الحياة.
لذلك، فإن «تنازل لله» ليست مجرد حملة عابرة؛ هي سؤال أخلاقي يضعه كل صاحب دين أمام نفسه:
هل أريد مالي فقط، أم أريد أن أترك أثرًا؟
ربما لن يستطيع الجميع إسقاط ديون كبيرة، وهذا ليس المطلوب. قد يكون الدين قليلًا، وقد تكون المسامحة جزئية، وقد يكون التأجيل نفسه رحمة.
المهم أن نكسر فكرة أن العلاقة بين الدائن والمدين لا يحكمها إلا دفتر الحساب.
ففلسطين التي عرفت التكافل في أشد أوقاتها قسوة، تستطيع أن تستعيد شيئًا من روحها القديمة؛ روح الجار الذي يقف إلى جانب جاره، والقادر الذي لا ينسى العاجز، وصاحب الحق الذي يعرف أن للرحمة أيضًا حقًا في هذا العالم.
علاء الريماوي أطلق المبادرة، لكن استمرارها لا يتوقف عليه.
المبادرات الحقيقية تبدأ بشخص، ثم تصبح مسؤولية مجتمع.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث أن يفتح أحدهم دفتر ديونه الليلة، ينظر إلى اسم إنسان يعرف عجزه، ثم يمحو الرقم ويكتب مكانه:
«تنازلت عنه لله.»
هناك أشياء لا تُقاس بما خسرناه من مال، بل بما كسبناه من إنسان.
فإذا كان المال يحرر الجيب، فإن المسامحة قد تحرر روحًا كاملة.