زمن الطالب قضية وطنية .. ثلاثة أيام للمعلم لا ينبغي أن تعني ثلاثة أيام للطالب

11/09/2026

 ثروت زيد الكيلاني: حين تمر المنظومة التعليمية بظروف استثنائية، قد يصبح تقليص أيام الدوام المدرسي إجراء تفرضه الضرورة. غير أن الخطر يبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى عادة، فيفقد الطفل جزءا من زمنه المدرسي، وتتقلص معه فرص التعلم والتفاعل والنمو. وفي الحالة الفلسطينية، حيث يواجه التعليم ضغوطا متراكمة، يصبح السؤال ضروريا: كيف نحافظ على حضور الطالب في المدرسة خمسة أيام، من دون أن نحمل المعلم أعباء إضافية أو نمس حقوقه وكرامته المهنية؟

أولا: لماذا أصبح يوم الطالب قضية وطنية؟
لم يعد يوم الطالب مجرد وحدة زمنية في جدول المدرسة، فهو مساحة للتعلم والتفاعل وبناء الشخصية والانتماء. وفي الظروف الفلسطينية الراهنة، يؤدي اضطراب انتظام التعليم وتقليص أيام الدوام إلى خسارة جزء من هذا الزمن، بما ينعكس على التعلم وعلى فرص القراءة والحوار والممارسة واللعب والفن والرياضة والتفاعل التي يحتاجها الطفل لنموه المعرفي والاجتماعي والإنساني.
وتأتي نتائج PISA 2025 لتضيف مؤشرا دوليا إلى صورة تعليمية كانت ملامحها ظاهرة في واقعنا التربوي ونتائج تقييماتنا الوطنية. فقد بلغ متوسط الطلبة الفلسطينيين 359 نقطة في العلوم، و354 في الرياضيات، و350 في القراءة، و393 في حل المشكلات الحاسوبي، ولم يبلغ مستوى الكفاءة الثاني أو أعلى منه سوى 17% في الرياضيات، و22% في القراءة، و24% في العلوم. كما أفاد 46% من الطلبة بأنهم تغيبوا عن يوم دراسي واحد على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للتقييم، و38% بأنهم تغيبوا عن حصة واحدة على الأقل. وتنسجم هذه المؤشرات، في اتجاهها العام، مع ما تعكسه نتائج الاختبارات الوطنية من مستويات تعلم لا تزال دون الطموح، بما يجعل القضية أوسع من PISA أو أي اختبار منفرد. فالتقييمات تكشف جانبا من واقع التعلم، بينما يكشف انتظام الحضور وجودة البيئة التعليمية وشروطها جوانب أخرى لا تقل أهمية.

من هنا يصبح زمن المدرسة موردا تربويا ووطنيا ينبغي حمايته، لأنه يوفر للطفل مجالا للتعلم والتفاعل وبناء قدراته وثقته وعلاقته بمحيطه، وكلما انكمش هذا الزمن أو اضطرب اتسعت فجوات التعلم وتراجعت فرص النمو التي تتيحها الحياة المدرسية. وفي الوقت نفسه، تبقى حماية زمن الطالب مرتبطة بحماية مكانة المعلم وحقوقه المهنية وكرامته؛ فالجودة التعليمية تقوم على إعادة تنظيم الزمن بما يصون حق الطفل في التعلم وحق المعلم في العمل الكريم والعادل.
ومن هنا يطرح الواقع سؤالا يتجاوز كيفية إدارة الأزمة إلى كيفية إعادة التفكير في الزمن المدرسي نفسه: إذا كان المعلم يعمل ثلاثة أيام في الأسبوع وفق الترتيبات الاستثنائية، فهل ينبغي أن يصبح ذلك ثلاثة أيام للطالب أيضا؟ أم نستطيع أن نحافظ على خمسة أيام من حياة الطفل المدرسية، مع صون حقوق المعلم وإعادة تنظيم الزمن بما يجعل كل يوم في المدرسة ذا قيمة تربوية؟
ثانيا: ماذا يعني أن نعيد تصميم الزمن المدرسي؟
السؤال هنا يتصل بالعلاقة بين زمن المعلم وزمن الطالب. فإذا كان المعلم يعمل ثلاثة أيام في الأسبوع وفق الترتيبات الاستثنائية المعتمدة، يمكن للطلبة أن يحضروا المدرسة خمسة أيام، مع توزيع حضور المعلمين على أيام الأسبوع وفقا للمواد والصفوف وحاجات المدرسة، من دون زيادة أيام عملهم أو تحميلهم أعباء إضافية.
وتبقى الحصة الأكاديمية مرتبطة بالمعلم المختص؛ فالرياضيات يدرسها معلم الرياضيات، والعلوم معلم العلوم، وسائر المواد كذلك. أما الزمن الذي لا تتوفر فيه الحصة الأكاديمية بسبب ترتيب حضور المعلمين، فيمكن إعادة تصميمه باعتباره فترة تربوية ممتدة لها هدف واضح وخطة مسبقة ومسؤولية مدرسية محددة.

قد تكون هذه الفترة مساحة للقراءة والحوار، أو للتفكير وحل المشكلات، أو للفن والموسيقى والدراما، أو للرياضة والحركة، أو للتعلم الاجتماعي والانفعالي، أو للثقافة الرقمية والإعلامية، أو للتراث والبيئة والعمل اليدوي، أو لمشروعات صغيرة يخطط لها الطلبة وينفذونها.
وهنا يتغير السؤال من «كيف نملأ الوقت؟» إلى «ماذا نريد أن يتعلم الطفل ويجرب ويكتشف خلاله؟» فالقيمة التربوية للزمن تقاس بما يضيفه إلى حياة الطفل، لا بعدد الساعات التي يقضيها في المدرسة.
بهذا المعنى، تصبح إعادة تصميم الزمن المدرسي محاولة لحماية حياة الطفل التعليمية، وإبقاء المدرسة حاضرة في يومه، حتى عندما تفرض الظروف الاستثنائية ترتيبات مختلفة لعمل المعلمين.

ثالثا: كيف يمكن أن نحمي خمسة أيام للطلبة؟
يقوم التصور المقترح على معادلة واضحة: خمسة أيام للطلبة، وحقوق كاملة للمعلمين. ولا يعني ذلك إضافة أيام عمل للمعلمين، ولا تحويل الفترات الممتدة إلى حصص أكاديمية يقدمها غير المختصين. المعلم لا يستبدل، والحصة الأكاديمية لا تستبدل؛ وإنما يعاد توظيف الزمن الذي ينشأ خارج الحصة الأكاديمية في خبرات تربوية مكملة.
وهنا يمكن أن تصبح خبرات المجتمع موردا حقيقيا للتعلم. ففي كل بلدة وقرية ومخيم ومدينة فلسطينية أطباء ومهندسون ومزارعون وحرفيون وفنانون وكتاب وصحفيون ورياضيون ومتقاعدون وأكاديميون يحملون خبرات يمكن أن تدخل المدرسة بصورة منظمة. ويمكن للجامعات ومؤسسات المجتمع المدني أن تسهم بخبرات علمية وثقافية وفنية ومجتمعية، فيما تتحول خبرات المتقاعدين إلى مورد تربوي مستمر عبر مبادرة من نوع (خبرات من أجل التعليم).
كما يمكن للذاكرة المحلية أن تصبح مجالا للتعلم؛ فيستمع الطلبة إلى كبار السن، ويبحثون في الحرف والمهن والألعاب والحكايات وتاريخ المكان، ثم يسجلون ويقارنون ويتحققون. هكذا تتحول البيئة المحيطة بالمدرسة إلى مجال للتعلم، ويصبح الطفل مشاركا في إنتاج المعرفة المرتبطة بمكانه ومجتمعه.
لكن انفتاح المدرسة على المجتمع يحتاج إلى قواعد واضحة. فالمشاركة ينبغي أن تقوم على الخبرة والملاءمة والقدرة على التعامل مع الأطفال، وأن تتم في إطار حماية الطفل وإشراف المدرسة، مع وضوح حدود الدور ومسؤولياته. الخبير يضيف خبرة؛ والمعلم يظل صاحب الاختصاص الأكاديمي.
ويمكن أن يبدأ هذا التصور كتجربة محدودة في عدد من المدارس ولفترة زمنية محددة، تقاس خلالها مؤشرات أساسية مثل انتظام حضور الطلبة، واستمرار تنفيذ الحصص الأكاديمية، ونوعية الوقت المدرسي، ومشاركة الطلبة، وشعورهم بالأمان والانتماء، إلى جانب أثر التجربة في المعلمين والأسر وجودة المشاركة المجتمعية. وتكون النتائج أساسا لتطوير النموذج أو تعديله أو توسيعه.
في النهاية، القضية تتجاوز عدد أيام الدوام إلى سؤال جوهري حول كيف نحمي زمن التعلم وحقوق المعلمين معا في ظرف استثنائي. وإعادة تصميم الزمن المدرسي يمكن أن تفتح طريقا يحافظ على حضور الطلبة، ويصون الحصة الأكاديمية مع المعلم المختص، ويحول الفترات الأخرى إلى خبرات تربوية ذات معنى، ضمن مسؤولية المدرسة وشراكة المجتمع ومعايير واضحة.
نحمي زمن الطفل ليبقى التعلم حيا، ونصون كرامة المعلم ليبقى التعليم إنسانيا.