نحن نُدرّس.. لكننا لا نُفكّر: الاشتباك الفلسفي في نتائج 'بيزا 2025' لفلسطين

10/09/2026

 كتب نسيم قبها: في خضمّ صراع وجودي ممتد، لا يقتصر الحفاظ على الهوية الوطنية على التمسك بالجغرافيا، بل يمتد ليشمل بناء العقول القادرة على المقاومة والإبداع. وتُعدّ نتائج اختبارات "بيزا 2025" الدولية، التي أظهرت تأخر فلسطين في القراءة والرياضيات والعلوم، ليست مجرد أرقام إحصائية جافة، بل هي مرآة نرى فيها انعكاساً لأسئلة فلسفية وتربوية عميقة. إن ما يقدمه هذا التقرير من أرقام (22% في القراءة، 17% في الرياضيات، و24% في العلوم) يضعنا أمام سؤال جوهري: هل أزمة التعليم في فلسطين هي أزمة في "طرق التدريس" البيداغوجية، أم أنها بالأساس أزمة في "طرق التفكير" الإبستمولوجية؟ وكيف نقرأ جدوى مشاركتنا في هذه الاختبارات في ظل ظروف استثنائية، وما هو البعد السياسي والفلسفي لهذه النتائج؟

إن التأخر في نتائج "بيزا" لا يمكن اختزاله في نقص في كفاءة المعلمين أو قصور في المناهج. بل إن المشكلة تكمن في الفلسفة التي تحكم العقل التربوي؛ فطرائق التدريس الحديثة، مهما بلغت درجة تطورها، تظل عقيمة إذا لم تُبنَ على أسس من "طرائق التفكير" النقدي والتأملي والإبداعي. إن التعليم في فلسطين، شأنه شأن الكثير من الدول النامية، غالباً ما يدور في فلك "التلقين" و"الحفظ" من أجل النجاح في امتحانات مدرسية تقيس الاسترجاع وليس الفهم. بينما يتطلب التفوق في اختبارات "بيزا" مهارات التفكير العليا، مثل التحليل، والاستنتاج، والتقييم، وحل المشكلات المعقدة. وهنا يتجلى البعد الفلسفي: الفيلسوف التربوي البرازيلي "باولو فريري" أكد أن التعليم لا يجب أن يكون عملية "إيداع" للمعلومات في عقول الطلاب، بل يجب أن يكون عملية "تحرير" للوعي. إن تدني النتائج في الرياضيات والعلوم هو دليل على أن عقول طلابنا لا تتدرب على المنطق الرياضي والتفكير العلمي، بل على استظهار القوانين دون فهم سياقاتها. إن فلسفة التفكير تسبق وتؤسس لفلسفة التدريس، وإذا أردنا إصلاحاً حقيقياً، علينا أولاً أن نُصلح "طريقة تفكيرنا في التفكير" ذاته، لننتقل من ثقافة "الاستهلاك المعرفي" إلى ثقافة "الإنتاج المعرفي".

أما فيما يتعلق بجدوى المشاركة في دراسة "بيزا"، فإن السؤال يكتسب أبعاداً فلسفية وواقعية. في الظروف الطبيعية، قد تبدو المنافسة مع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) غير عادلة، لكن في الحالة الفلسطينية، تكتسب المشاركة طابعاً مختلفاً تماماً. إن الجدوى لا تكمن في المقارنة العبثية مع دول تمتلك بنية تحتية تعليمية متكاملة، بل في استخدام هذه النتائج كأداة "تشخيصية" و"توثيقية" للفاقد التعليمي. الأرقام الواردة في التقرير صادمة: 46% من الطلبة تغيبوا عن يوم دراسي كامل، و45% يدرسون في مدارس تعاني من نقص في المواد التعليمية، و54% في مدارس تعاني من نقص في البنية التحتية المادية. هذه الأرقام، التي رافقتها إشارة إلى تراجع متوسط التحصيل في العلوم والرياضيات والقراءة، ليست مجرد إحصاءات، بل هي "شهادة وفاة" لبنية تعليمية تئن تحت وطأة الاحتلال ونقص التمويل. إن المشاركة هنا تمنحنا وثيقة دولية موثقة نستطيع من خلالها مخاطبة العالم، لا لنطلب الشفقة، بل لنطالب بالحقوق الأساسية في التعليم، ونُظهر حجم التحديات التي نواجهها. ومن زاوية أخرى، تتيح لنا هذه المشاركة فرصة لمراجعة مناهجنا وطرق تقييمنا، ليس استسلاماً للمعايير الغربية، بل لتطويرها بما يتناسب مع سياقنا الثقافي والوطني، مع الحرص على عدم الانفصال عن متطلبات العصر.

وهنا يبرز السؤال الثالث والأكثر إشكالية: هل هناك صبغة سياسية لنتائج "بيزا"؟ الإجابة تكمن في أن التعليم نفسه فعل سياسي بامتياز. في السياق الفلسطيني، لا يمكن الفصل بين التعليم والسياسة، لأن الاحتلال يستهدف البنية التحتية للتعليم كجزء من استراتيجيته لتدمير مقومات الدولة. إن النسب المرتفعة للغياب ونقص المواد التعليمية ليست مجرد فشل إداري، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات الحصار والاقتحامات والتهجير. وعندما نرى أن 80% من الطلبة أفادوا بأن المعلم يهتم بتعليمهم، و81% أفادوا بأن المعلم يفهم طلبتهم، فإننا نلمس بارقة أمل فلسفية عميقة: على الرغم من كل هذا الخراب المادي، لا يزال هناك ارتباط إنساني وتربوي بين المعلم والطالب، وهو الرصيد الأخلاقي الوحيد القادر على إحداث الفرق. إن البعد السياسي لنتائج "بيزا" يتجلى أيضاً في كونها أداة لقياس مدى تأثير "الاستثناء" الفلسطيني على جودة التعليم. إنها توثق كيف أن العيش تحت الاحتلال يخلق "فقراً معرفياً" ليس بسبب غباء الطلاب، بل بسبب تدمير البيئة الحاضنة للتعليم.

ختاماً، إن نتائج "بيزا 2025" تمثل جرحاً نازفاً في جسد التعليم الفلسطيني، لكنها في الوقت ذاته دعوة للثورة على الذات قبل الثورة على الواقع. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف "التعليم" ذاته. علينا أن ننتقل من السؤال التقليدي "ماذا نُدرّس؟" إلى السؤال الفلسفي الأعمق "كيف نُفكّر؟". إن بناء الإنسان الفلسطيني القادر على الصمود يتطلب فلسفة تربوية تقوم على التفكير النقدي، وربط المعرفة بالواقع، والانتقال من التلقين إلى الحوار. يجب أن نستثمر الـ 80% من الطلاب الذين يشعرون باهتمام معلميهم لبناء نموذج تربوي تحرري، يحول المدرسة من مجرد مبنى يفتقر للبنية التحتية إلى مختبر للوعي والحرية. إن معركتنا التعليمية هي معركة فكرية قبل أن تكون معركة إدارية، وعلينا أن نؤمن بأن العقل الفلسطيني، إذا ما حُرر من قيود التلقين، قادر على تجاوز كل الصعاب، وأن النجاح في "بيزا" ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبناء فلسطين المستقبل.