ترجمة وتعليق اللواء أحمد عيسى لوطن: "هذه ليست الدولة التي وقّعنا معها اتفاقية سلام"

09/09/2026

وطن للأنباء:  نشر معهد مسجاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، الأكثر قرباً وتوافقاً مع رئيس الوزراء نتنياهو، يوم الأحد الموافق 6 أيلول/سبتمبر، تقريراً للباحثة في المعهد والدبلوماسية السابقة، روث واسرمان لاندا، حمل عنوان: "هذه ليست الدولة التي وقّعنا معها اتفاقية سلام".

بدأت الكاتبة تقريرها بالتأكيد أن اتفاق السلام مع مصر مهم جداً لإسرائيل. وأضافت أن غياب الحرب لعشرات السنين، حتى من دون تطبيع كامل، ليس إنجازاً هامشياً في هذه المنطقة. وأوضحت: لكن بعد أحداث 7 أكتوبر، تبرز أهمية السؤال: هل مصر اليوم هي مصر نفسها التي وقّعت معها إسرائيل اتفاق السلام؟

وهل ما زالت المصالح المصرية في الحفاظ على الاستقرار، إلى جانب الحرب الصارمة على جماعة الإخوان المسلمين في الداخل، كافية بالنسبة إلى القاهرة للحفاظ على الاتفاق الاستراتيجي مع إسرائيل؟

وترى الكاتبة أن زيارات الرئيس الصيني ورئيس الوزراء القطري إلى القاهرة تكشف رغبة النظام المصري في تنويع مصادر دخله، وإبداء قدر أكبر من المرونة تجاه القوى الخارجية الراغبة في الحصول على موطئ قدم في مصر.

كانت قطر لسنوات طويلة خطاً أحمر بالنسبة إلى مصر، لأنها وفرت ملاذاً لتيارات الإخوان المسلمين، كما أن قناة الجزيرة انتقدت النظام المصري مراراً. لكن قطر تحظى حالياً بعلاقة أفضل مع القيادة المصرية، بما في ذلك بحث توسيع الاستثمارات القطرية في مصر، وخصوصاً في البنية التحتية.
وعلى ضوء ذلك، تستنتج واسرمان لاندا أن الثمن المحتمل لذلك هو ازدياد النفوذ الإسلامي المحافظ داخل مصر.
 

المخاوف من انفجار داخلي
تقول الكاتبة إن الوضع الاقتصادي الصعب، وارتفاع نسبة الأمية، ونقص فرص العمل للشباب، وغياب محركات نمو قوية، كلها تضغط بشدة على النظام المصري.
والخوف الأكبر لدى النظام، حسب رأيها، هو اندلاع احتجاجات داخلية، ولا سيما بين الشباب، الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان.
كما أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران والحصار البحري أحدثا، بحسب المقال، صدمة مالية عميقة للاقتصاد المصري، انعكست في انخفاض قيمة العملة وارتفاع أسعار الوقود.
وفي الوقت نفسه، تواجه مصر توترات مع إثيوبيا حول مياه النيل، ومع ليبيا بسبب الوضع الأمني هناك والتدخل التركي، إضافة إلى القلق المصري الدائم من امتداد القضية الفلسطينية إلى الأراضي المصرية.
 

تركيا وقطر والصين
ترى واسرمان لاندا أن «التغلغل الهادئ» لتركيا وقطر والصين في مصر مستمر منذ سنوات.
وتقول إن هذه القوى تحاول أن تحل تدريجياً محل السعودية والإمارات، اللتين دعمتا مصر اقتصادياً لفترة طويلة، لكنهما بدأتا، حسب تعبيرها، «تتعبان» من هذا الدور.
أما على المستوى العسكري، فتسعى مصر إلى تنويع مصادر تسليحها وشراكاتها، انطلاقاً من الاعتقاد بأن الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها لم يعد كافياً أو مستقراً.
وتشير الكاتبة كذلك إلى التقارب المصري ـ التركي، بما في ذلك إجراء تدريبات عسكرية مشتركة بين البلدين، وترى في زيارة الرئيس الصيني إشارة إلى واشنطن بأن لدى القاهرة بدائل استراتيجية واقتصادية.
وتخلص إلى أن مصر تتبع سياسة «أو كليهما» (גם וגם)؛ أي إنها لا تريد الانحياز الكامل إلى محور واحد، وإنما تريد الاحتفاظ بعلاقات متعددة مع الولايات المتحدة والصين وتركيا وقطر والسعودية والإمارات وغيرها.
 

مصر وحماس
في هذا الشأن، تقول واسرمان لاندا إن مصر تعرف حماس أكثر من أي طرف آخر، ولذلك أقامت معها، قبل 7 أكتوبر بحسب تقديرها، «تحالفاً غير رسمي».
وبموجب هذا الترتيب، كان المطلوب من حماس عدم التعاون مع جماعات إسلامية مسلحة داخل مصر، مقابل عدم منع مصر لحماس من التسلح والاستعداد لمواجهة إسرائيل.
وترى الكاتبة أن هذا أمر يصعب استيعابه بعد أكثر من أربعة عقود من السلام المصري ـ الإسرائيلي.
وتذهب أبعد من ذلك، فتقول إن النظام المصري ينظر إلى إسرائيل، وخصوصاً قيادتها الحالية، باعتبارها عدواً، وإن هذا التصور ينعكس في المناهج التعليمية والإعلام والثقافة المصرية.
 

ماذا تفعل إسرائيل؟
تقترح الكاتبة أربعة محاور:
1- إقامة قناة اتصال سياسية شخصية ومفتوحة مع الرئيس السيسي ودائرته الضيقة، لإدارة الأزمات والفرص في الوقت الحقيقي.
2- الاستعداد لكل احتمال عسكري بسبب التعاظم العسكري المصري على الجانب الآخر من الحدود.
3- استخدام أوراق الطاقة، ولا سيما الغاز، بشكل استراتيجي، نظراً إلى حاجة مصر إليه.
4- الضغط على مصر، بمساعدة الولايات المتحدة، من أجل وقف التحريض ضد إسرائيل واليهود.
 

التعليق والتحليل
أعتقد أن أهمية المقال أكبر من مجرد تقييم للعلاقات المصرية ـ الإسرائيلية. فهو يعكس تحولاً مهماً في التفكير الإسرائيلي بشأن مصر.
1- المقال لا يقول إن السلام مع مصر انتهى
رغم أن العنوان استفزازي: «هذه ليست الدولة نفسها»، فإن الكاتبة لا تدعو إلى إلغاء معاهدة السلام، بل العكس تماماً؛ فهي تقول عملياً:
المعاهدة باقية، لكن البيئة الاستراتيجية التي جعلت إسرائيل توقّعها في عام 1979 لم تعد هي البيئة نفسها.
فمصر ما زالت ترى في الحرب مع إسرائيل خياراً، لكن إسرائيل لم تعد تستطيع افتراض أن المصالح المصرية والإسرائيلية متطابقة كما كانت في العقود السابقة.
2- أخطر ما في المقال هو غزة، وليس مصر نفسها
وفي رأيي، هذه هي النقطة التي تستحق التركيز عليها.
فمصر بالنسبة إلى إسرائيل أصبحت مهمة ليس فقط بسبب سيناء أو معاهدة السلام، وإنما لأنها أحد مفاتيح مستقبل غزة.
فالكاتبة تشير صراحة إلى تدريب مصر آلاف عناصر الشرطة الفلسطينية لاستخدامهم في «اليوم التالي» في غزة.
وهذا يعني أن القاهرة لا تريد أن تكون مجرد حارس للحدود، بل تريد أن يكون لها دور في ترتيب النظام الفلسطيني بعد الحرب.
وتضيف الكاتبة أن مصر تريد أن تمنع ثلاثة أمور:
• احتكار وبقاء حكم حماس في غزة.
• استمرار سيطرة إسرائيل على غزة.
• انتشار الفوضى في غزة وانتقال الأزمة إلى سيناء.
ولذلك تدفع مصر باتجاه صيغة فلسطينية جديدة، تكون فيها السلطة الفلسطينية أو جهاز فلسطيني معاد تشكيله جزءاً أساسياً من ترتيبات «اليوم التالي».
3- الكاتبة ترى مصر من خلال عدسة إسرائيلية أمنية شديدة التشاؤم
المقال يفترض أن التقارب المصري مع تركيا وقطر والصين يعني بالضرورة تراجعاً مصرياً باتجاه معسكر أكثر عداءً لإسرائيل.
 

لكن يمكن قراءة الأمر بطريقة أخرى:
مصر لا تتحول بالضرورة من حليف للغرب إلى خصم لإسرائيل، بل تحاول زيادة هامش المناورة الاستراتيجية.
أي:
• الولايات المتحدة تبقى مهمة.
• الخليج يبقى مهماً.
• الصين مهمة اقتصادياً.
• تركيا مهمة إقليمياً.
• قطر مهمة في ملف غزة.
• إيران لا يمكن تجاهلها.
• وإسرائيل تبقى حقيقة جغرافية وأمنية لا تستطيع القاهرة تجاوزها، لا سيما وأن مصر تحدد سياساتها وعلاقاتها من منطلق الواقعية السياسية.
هذه ليست بالضرورة سياسة «انقلاب على إسرائيل»، بل سياسة تعدد محاور.
وهذا، في رأيي، هو المعنى الحقيقي لعبارة المقال عن سياسة مصر «גם וגם» ـ «وأيضاً وأيضاً».
4- هناك مبالغة إسرائيلية واضحة في تفسير التسلح المصري
الكاتبة ترى التعاظم العسكري المصري باعتباره سبباً للاستعداد «لكل احتمال عسكري».
لكن من منظور مصري، جزء كبير من هذا التعاظم يمكن تفسيره بتعدد التهديدات:
ليبيا + السودان + البحر الأحمر + شرق المتوسط + إثيوبيا + الإرهاب + حماية قناة السويس.
لذلك، فإن قراءة كل قطعة سلاح مصرية باعتبارها موجهة ضد إسرائيل ستكون خطأً استراتيجياً، ويُعتبر هذا التفكير عيباً متأصلاً في نظرية الأمن القومي الإسرائيلي؛ أي إنها تطبق منهجية الأحادية في تحديد المخاطر والتهديدات.
5- المفارقة الكبرى: إسرائيل نفسها ساهمت في تغيير مصر

وهذه نقطة لا تقولها الكاتبة بما يكفي.
فبعد 7 أكتوبر والحرب في غزة، وتواتر تصريحات الحكومة الإسرائيلية بشأن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، تعززت الرؤية بأن القضية الفلسطينية تقع في قلب الأمن القومي المصري.
فغزة ليست قضية خارجية بعيدة بالنسبة إلى مصر، فهي على الحدود مباشرة.
والسيناريو الذي تخشاه القاهرة أكثر من أي شيء آخر بعد السابع من أكتوبر تعكسه المعادلة التالية:
حرب غزة تؤدي إلى انهيار غزة، وهذا يؤدي إلى نزوح جماعي إلى سيناء، وهذا بدوره يخلق أزمة أمنية وسياسية مصرية.
ولهذا أصبحت مصر أكثر تشدداً تجاه إسرائيل في ملف غزة، خوفاً على أمنها القومي.
وهذا يفسر أيضاً لماذا تستطيع القاهرة، في الوقت نفسه، أن تكون:
ضد تنظيم الإخوان المسلمين، وضد اختفاء حماس من المشهد السياسي، وضد إسرائيل في سياساتها في غزة، ومع السلطة الفلسطينية، ومع بقاء معاهدة السلام.
هذه ليست تناقضات من المنظور المصري؛ إنها سياسة أمن قومي مصرية.
6- أعتقد أن أهم فقرة في المقال هي الأخيرة
الاقتراح الإسرائيلي باستخدام الغاز المصري كورقة ضغط مهم جداً.
لأنه يكشف أن العلاقة بين مصر وإسرائيل انتقلت من:
سلام مقابل أمن
إلى شبكة مصالح أكثر تعقيداً:
غاز + أمن سيناء + غزة + الولايات المتحدة + البحر الأحمر + تركيا + قطر + السعودية + الإمارات + الصين.
أي أن العلاقة أصبحت اعتماداً متبادلاً وليس مجرد «سلام بارد».
وهذا يجعل قطع العلاقات أو إلغاء السلام أقل احتمالاً، لكنه يجعل إدارة الخلافات أصعب.

الخلاصة
أرى أن عنوان المقال أقوى من مضمونه.
فالأدق ليس القول:
«مصر ليست الدولة نفسها التي وقّعت السلام مع إسرائيل».
بل:
مصر دولة إقليمية رئيسية وتبدو اليوم دولة أكثر استقلالاً في قرارها الإقليمي، وأكثر تعددية في علاقاتها الخارجية، وأكثر حساسية تجاه غزة، وأقل استعداداً لقبول احتكار إسرائيل والولايات المتحدة لإدارة البيئة الإقليمية.
والأهم أن إسرائيل ليست الدولة التي وقّعت معها مصر اتفاقية السلام كذلك؛ وكذلك الأردن، وربما الدول التي وقّعت معها الاتفاقيات الإبراهيمية.
وتعتبر هذه الأسئلة مهمة جداً بالنسبة إلى اليوم التالي في غزة.
فإذا كانت القراءة المصرية صحيحة كما أرجّح، فإن القاهرة لن تقبل على الأرجح صيغة يكون فيها مستقبل غزة مجرد ترتيب أمني إسرائيلي.
والموضوعية تتطلب القول إن إسرائيل لن تقبل صيغة تمنح مصر وتركيا وقطر والسعودية والإمارات والسلطة الفلسطينية نفوذاً واسعاً في غزة من دون ضمانات أمنية قوية.
وهنا تحديداً قد يصبح الصراع على «اليوم التالي في غزة» صراعاً مصرياً ـ إسرائيلياً على شكل النظام الإقليمي الجديد، وليس فقط على مستقبل القطاع.
وهذا، في رأيي، يجعل المقال مهماً جداً، لا سيما إذا ربطناه بدور مصر وقطر وتركيا والسعودية والإمارات ومحمد دحلان والسلطة الفلسطينية في إعادة تشكيل غزة والشرق الأوسط بعد الحرب.