
اسماعيل الريماوي: لم تعد حرب غزة مجرد حرب في سجل الصراعات، بل تحولت إلى لحظة كاشفة سقطت فيها كثير من الأقنعة، وانكشفت المسافة الهائلة بين ما يقوله العالم عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، وبين ما يفعله عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، فهذه الحرب لم تكشف حجم المأساة الإنسانية في قطاع غزة فحسب، بل كشفت أيضاً عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية التي يعيشها النظام الدولي، وحجم العجز العربي، والانقسام الفلسطيني الذي جعل غزة تواجه مصيرها وحيدة.
في الغرب، سقطت شعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان أمام ازدواجية المعايير، دول تتحدث بلا توقف عن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بأزمات أخرى، لكنها تتعامل مع الدم الفلسطيني وكأنه استثناء من قواعد الإنسانية ، وفي الوقت الذي تتعالى فيه التصريحات الداعية إلى ضبط النفس، يستمر الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، وتُستخدم أدوات النفوذ الدبلوماسي لحمايتها من الضغوط الدولية ، وهنا لم يعد السؤال متعلقاً بالصمت أو العجز فقط، بل أصبح مشروعاً طرح سؤال المسؤولية: إلى أي حد يمكن اعتبار من يوفر السلاح والغطاء السياسي شريكاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استمرار المأساة؟
أما النظام العربي الرسمي، فقد بدا عاجزاً عن تحويل بيانات الإدانة إلى قوة سياسية حقيقية، لعقود طويلة بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في الخطابات والقمم والبيانات باعتبارها قضية العرب المركزية، لكن عندما جاءت اللحظة التي كان يفترض أن تتحول فيها هذه الشعارات إلى موقف عملي، ظهرت حدود الدور العربي الرسمي، غزة تُدمّر، والكارثة الإنسانية تتفاقم، بينما بقيت قدرة النظام العربي على الضغط السياسي محدودة، في وقت تستمر فيه بعض الدول في تطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية مع إسرائيل، وكأن ما يحدث في غزة يمكن فصله عن طبيعة هذه العلاقات.
لكن المسؤولية لا تتوقف عند حدود الخارج ، فالمشهد الفلسطيني الداخلي يحمل هو الآخر جانباً مؤلماً من الأزمة ، استمرار الانقسام، وتكريس الفصل بين غزة والضفة، واستمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال، كلها عوامل عمّقت حالة الانفصال بين مكونات القضية الفلسطينية. وبينما كانت غزة تدفع أثماناً هائلة من الدم والدمار، بقيت القيادة السياسية الفلسطينية أسيرة حسابات السلطة والمناصب وموازين النفوذ، وأسيرة أيضاً لمسار تفاوضي استنزف الفلسطينيين لعقود من دون أن يوقف الاستيطان أو يقرّب قيام الدولة الفلسطينية.
لقد أثبتت الوقائع أن الاحتلال لم يتعامل مع المفاوضات باعتبارها طريقاً لإنهاء الاحتلال، بل استطاع استخدامها في كثير من الأحيان كغطاء لإدارة الصراع بينما كان الاستيطان يتوسع على الأرض، وبينما كانت القيادة الفلسطينية تراهن على إمكانية إحياء مسار التسوية، كانت الجغرافيا الفلسطينية تتغير، والأرض تُصادر، والمستوطنات تتمدد، والقدس تُحاصر، وغزة تُترك لمصيرها.
المأساة الحقيقية أن غزة لم تكن وحدها في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية فحسب، بل وجدت نفسها في مواجهة منظومة سياسية دولية عاجزة أو متواطئة، ونظام عربي لم يمتلك أدوات التأثير الكافية، وانقسام فلسطيني استنزف القضية وأضعف قدرتها على مواجهة الاحتلال.
لهذا فإن غزة لم تعد تختبر فقط قدرة العالم على وقف الحرب، بل تختبر صدقية النظام الدولي بأكمله، وتختبر معنى العروبة عندما تتحول فلسطين إلى مأساة يومية، وتختبر كذلك قدرة الفلسطينيين أنفسهم على مراجعة مسارهم السياسي الذي أوصلهم إلى هذا الانقسام وهذا العجز.
غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا محاصرة؛ إنها مرآة وضعت العالم أمام صورته الحقيقية، وفي هذه المرآة تبدو الشعارات أصغر من الدم، والبيانات أضعف من الركام، والمصالح أقوى من المبادئ، وبينما يتجادل العالم حول الكلمات والتوصيفات، يبقى الفلسطيني هو من يدفع الثمن.
وربما يكون أقسى ما كشفته هذه الحرب أن فلسطين، التي طالما قيل إنها قضية العرب والمسلمين والإنسانية جمعاء، وجدت نفسها في أكثر لحظاتها دموية تبحث عن من يقف إلى جانبها... فلم تجد إلا القليل.
لكن غزة، رغم كل هذا الخراب، تركت للعالم سؤالاً لن يكون من السهل دفنه تحت الركام: إذا كان القانون الدولي لا يُطبق على الجميع، وإذا كانت حقوق الإنسان تُمنح وفق هوية الضحية، وإذا كانت فلسطين دائماً هي الاستثناء... فأي عدالة يتحدث عنها هذا العالم؟