
وطن للأنباء: في البلدة القديمة في الخليل، لا تبدو الحجارة مجرد جدرانٍ صامتة؛ فلكل بيتٍ حكاية، ولكل بابٍ قديم ذاكرة، ولكل قوسٍ وزخرفة تفاصيل تختزن جانباً من تاريخ المكان وأهله.
ومن بين الأزقة الضيقة، تتواصل أعمال الترميم لإعادة الحياة إلى بيوتٍ أنهكتها سنوات الإهمال والعوامل الطبيعية، ضمن جهود لجنة إعمار الخليل، التي تعمل على تأهيل المنازل القديمة وإعادتها إلى أصحابها لتصبح صالحة للسكن من جديد، بما يسهم في الحفاظ على البلدة القديمة وإحيائها.
.png)
ويقول المدير الفني للجنة إعمار الخليل، المهندس زياد جابر، لوطن للأنباء، إن اللجنة بدأت بتنفيذ عدد من المشاريع التي تستهدف البيوت التي تحتاج إلى الترميم وإعادة التأهيل، بهدف توفير منازل صالحة للسكن وتشجيع السكان على العودة إليها، بما يعزز حضور الأهالي في البلدة القديمة ويحافظ على طابعها التاريخي.
ويشير جابر إلى أن تداعيات الحرب منذ 7 أكتوبر ألقت بظلالها على عمل اللجنة، في ظل صعوبات تواجهها في نقل مواد الترميم والتنقل بين المناطق المغلقة، مؤكداً أن اللجنة تسعى، رغم هذه التحديات، إلى إيجاد وسائل وطرق جديدة تتيح لها مواصلة عملها والقيام بدورها في حماية النسيج العمراني والتراثي للبلدة القديمة.
.png)
سنوات الإهمال لم تمرّ من دون أن تترك آثارها على هذه البيوت؛ فجدران تضررت، وأسقف تهالكت، وأبواب ونوافذ فقدت جزءاً من رونقها، فيما باتت بعض المنازل غير صالحة للسكن. لكن تدهور حالتها لم يكن نهاية الحكاية، بل بداية لجهدٍ جديد يعيد إليها الحياة.
وتوضح مهندسة لجنة إعمار الخليل والمشرفة على مشاريع الترميم، ميساء محرم، لوطن للأنباء، أن اللجنة تشرف حالياً على ترميم سبعة منازل، تتفاوت احتياجاتها بين الترميم الكامل والجزئي وأعمال الصيانة.
وتضيف محرم أن أعمال الترميم تقوم على الحفاظ على العناصر المعمارية القديمة والموروثة، وفق معايير ترميم معتمدة، بحيث تتم معالجة العناصر المتضررة بأساليب حديثة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على روح المكان وطرازه المعماري الأصلي.
.png)
وفي أحد المنازل، يقف أحد عمال الترميم أمام جدار حجري عتيق، يتعامل مع تفاصيله بحذر، في محاولة لإزالة آثار الزمن من دون محو ملامحه. هنا، لا تقوم فلسفة الترميم على استبدال القديم بالجديد، بل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة تأهيله بطريقة تحفظ للبيت هويته وذاكرته.
ويقول فني الترميم يسري الأطرش لوطن للأنباء، إن بعض المنازل تحتاج إلى ترميم شامل، بعد أن بقيت مهجورة لسنوات طويلة وتعرضت للتلف والخراب.
ويشير الأطرش إلى أن أعمال الترميم تشمل أيضاً العناصر الداخلية والزخارف التراثية، ومنها الفخار الذي وجد بعضه متهالكاً أو مكسوراً، موضحاً أن العمال يعملون على استحداث قطع جديدة تحاكي الأشكال القديمة، بما يضمن الحفاظ على الهوية المعمارية والتراثية للبيوت.
.png)
فالترميم في البلدة القديمة في الخليل لا يعني إصلاح جدارٍ متصدع أو سقفٍ متضرر فحسب، بل هو محاولة لاستعادة بيتٍ كان يوماً جزءاً من حياة عائلة، وإعادة فتح أبوابه أمام الحياة من جديد.
وهنا، تتحول أعمال الترميم إلى أكثر من مشروعٍ عمراني؛ إنها جهد للحفاظ على ذاكرة المكان، وصون ملامحه، وإبقاء البلدة القديمة حيّةً بسكانها وبيوتها وحكاياتها.
.png)