
وطن للأنباء: نشر معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي (INSS)، يوم الأحد الموافق 6 سبتمبر/أيلول 2026، ورقة رؤية للباحثة في المعهد تامي كانر، حملت عنوان: «خارطة الطريق الخاصة بغزة: الشروط الأساسية من وجهة نظر إسرائيل».
وترى كانر أن خارطة الطريق الجديدة الخاصة بغزة، التي أُعدت في إطار مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تهدف إلى تحويل «خطة النقاط العشرين» وقرار مجلس الأمن رقم 2803 من إطار سياسي عام إلى خطة تنفيذ تفصيلية.
لكنها ترى أن الخارطة الجديدة تُدخل تعديلات على بعض الافتراضات الأمنية التي قامت عليها الوثائق الأصلية، والتي تتمثل في:
إنهاء حكم حماس.
إقامة سلطة فلسطينية بديلة.
نزع سلاح غزة.
انسحاب إسرائيلي تدريجي.
إعادة إعمار القطاع.
خلق أفق سياسي.
غير أن المشكلة، من وجهة النظر الإسرائيلية، تتمثل في انتقال مركز الثقل من تحقيق وضع أمني نهائي يقوم على تفكيك القوة العسكرية لحماس ونزع السلاح، إلى إدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار في غزة.
وترى الباحثة أن هذا ليس مجرد تغيير تقني، وإنما تحول جوهري في طبيعة الخطة وآليات تنفيذها.
أولًا: من «نزع السلاح» إلى «إخراج السلاح من الخدمة»
تعتبر كانر أن هذه النقطة هي الأهم في خارطة الطريق الجديدة.
فالخطة الأصلية كانت تتحدث عن تفكيك القدرات العسكرية لحماس، وتدمير البنية التحتية العسكرية والإرهابية، ومنع إعادة بنائها، وإنهاء وجود الأسلحة بصورة دائمة، إلى جانب «نزع التطرف» من البيئة الغزية.
أما خارطة الطريق الجديدة فتتحدث بصورة أكبر عن تفكيك وتخزين الأسلحة الثقيلة، وتفكيك الأنفاق ومصانع السلاح ومخازنه، ونزع سلاح الميليشيات.
وفي المقابل، لا تشترط الخارطة نزع الأسلحة الشخصية بصورة صريحة، وإنما تتحدث عن تنظيمها وترخيصها وإخضاعها للقانون الفلسطيني.
وترى كانر أن هناك فرقًا جوهريًا بين إخراج السلاح من سيطرة حماس، وتدمير القدرة على استخدامه مستقبلًا، وتخزينه تحت الرقابة، والقضاء عليه نهائيًا.
وهنا تحديدًا تكمن المخاوف الإسرائيلية.
ثانيًا: تراجع مفهوم «نزع التطرف»
كانت الخطة الأصلية تتحدث، إلى جانب نزع السلاح، عن مفهوم «نزع التطرف» (Deradicalization)، أي تغيير البيئة الاجتماعية والتعليمية والسياسية التي يمكن أن تسمح بإعادة إنتاج حماس أو تنظيمات مشابهة.
أما خارطة الطريق الجديدة، بحسب كانر، فلا تتضمن هدفًا موازيًا واضحًا لنزع التطرف، وإنما تطرح بدلًا منه مفهوم «اتفاق السلام الاجتماعي» بين الفصائل الفلسطينية، بهدف منع الاقتتال الداخلي بين حماس وفتح والعشائر والتنظيمات المسلحة.
وترى الباحثة أن هذا التوجه قد يساعد على تحقيق قدر من الاستقرار المؤقت في غزة، لكنه لا يعالج البيئة الفكرية والاجتماعية التي يمكن أن تسمح لحماس أو غيرها من التنظيمات بإعادة بناء قوتها مستقبلًا.
ثالثًا: التحول الأخطر.. من القوة الدولية إلى السلطة الفلسطينية الانتقالية
في تقديري، تمثل هذه الفقرة أهم النقاط الاستراتيجية في المقال.
ففي الخطة الأصلية كانت قوة الاستقرار الدولية (ISF) تمثل العنصر المركزي في الترتيبات الأمنية، وتتمثل مهمتها في:
تدمير البنية العسكرية لحماس.
منع إعادة بنائها.
نزع سلاح التنظيمات.
ضبط حدود غزة.
منع التهريب.
حماية المدنيين والمساعدات.
تدريب الشرطة الفلسطينية.
تولي المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
المساهمة في تحديد مراحل الانسحاب الإسرائيلي.
وبذلك كانت القوة الدولية تمثل عمليًا الذراع الأمنية التنفيذية للخطة.
أما خارطة الطريق الجديدة فتنقل المسؤولية الأساسية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)، أي إلى جهاز فلسطيني انتقالي، بينما تصبح القوة الدولية أقرب إلى قوة للمساندة والتدريب والفصل والمراقبة.
وهذا يمثل تغييرًا جوهريًا في بنية الخطة، إذ ينتقل الأمن تدريجيًا من القوة الدولية إلى سلطة فلسطينية انتقالية.
رابعًا: ظهور لجنة التحقق الدولية IVC
تضيف خارطة الطريق الجديدة جهازًا آخر هو لجنة التحقق الدولية (International Verification Committee - IVC).
ولا تقتصر وظيفتها على المراقبة، وإنما تشمل، بحسب القراءة الإسرائيلية للخطة:
التحقق من تفكيك الأسلحة الثقيلة.
التحقق من تفكيك الأنفاق ومصانع الأسلحة.
التحقق من تفكيك الميليشيات.
مراجعة الخروقات.
المصادقة على الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
وربما تمديد المواعيد الزمنية.
لكن المقال يطرح مجموعة من الأسئلة الصعبة: من يقرر أن نزع السلاح قد اكتمل؟ وما معيار الإثبات؟ وماذا يحدث إذا اختلفت إسرائيل مع اللجنة؟ وما وزن المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية؟ وهل تمتلك اللجنة قدرة حقيقية على فرض العقوبات؟
وتلفت كانر إلى أن قطر وتركيا تبدوان مرشحتين طبيعيتين للمشاركة في اللجنة، باعتبارهما من الأطراف المنخرطة في العملية.
ومن المنظور الإسرائيلي، يزيد ذلك من أهمية قواعد التصويت، واستقلالية اللجنة، وتركيبتها السياسية.
خامسًا: المشكلة الإسرائيلية الأكبر.. الانسحاب
تعتمد خارطة الطريق على انسحاب إسرائيلي تدريجي.
لكن إسرائيل تريد، وفق قراءة كانر، أن يكون الانسحاب نتيجة للأمن وليس وسيلة لصناعة الأمن.
أي أن الترتيب الذي تريده إسرائيل هو:
نزع السلاح بصورة قابلة للتحقق → التحقق من الإنجاز الأمني → الانسحاب الإسرائيلي.
وليس:
الانسحاب → انتظار السلطة الجديدة لنزع السلاح.
وترى كانر أن خارطة الطريق لا تعيد تثبيت جميع الضمانات التي كانت موجودة في الوثائق الأصلية، ولذلك تريد إسرائيل أن يصبح واضحًا أن كل مرحلة من مراحل الانسحاب مرتبطة بإنجاز أمني قابل للقياس والتحقق.
سادسًا: نتنياهو في مواجهة تفسير ملادينوف
يكشف المقال أيضًا عن وجود تفسيرين متنافسين لخارطة الطريق.
فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض إسرائيل للخطة بصيغتها الحالية، مؤكدًا أن إسرائيل لن تنسحب قبل نزع سلاح حماس بصورة كاملة.
في المقابل، قال نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لشؤون غزة في مجلس السلام، إن إسرائيل ليست مطالبة بالانسحاب قبل تنفيذ خطوات نزع السلاح والتحقق منها.
وتستخلص كانر من ذلك نقطة مهمة: إذا كان هذا هو التفسير الأميركي والدولي للخطة، فيجب تحويله إلى التزامات مكتوبة، وليس الاكتفاء بتصريحات سياسية.
سابعًا: ماذا تريد إسرائيل تحديدًا؟
تقترح الباحثة عمليًا إعادة كتابة آليات تنفيذ خارطة الطريق بحيث تتضمن مجموعة من الشروط والضمانات.
1. تعريف ملزم لنزع السلاح
وضع تعريف واضح وقابل للقياس والتحقق لمفهوم نزع السلاح.
2. تدمير البنية العسكرية
ويشمل ذلك:
الأنفاق.
مصانع الأسلحة.
المخازن.
البنية العسكرية.
منظومات القيادة والسيطرة.
شبكات التجنيد والتمويل.
3. ربط الانسحاب بالإنجاز الأمني
ربط كل مرحلة من مراحل الانسحاب الإسرائيلي بإنجاز أمني متحقق منه.
4. تحديد المسؤوليات
تحديد المسؤولية بصورة واضحة بين NCAG وISF وIVC، بحيث لا تحدث فجوة أمنية أثناء الانتقال.
5. إنشاء آلية تلقائية للتعامل مع الخروقات
فعلى سبيل المثال:
إذا رفضت حماس تسليم السلاح، تتوقف المرحلة التالية.
إذا اكتُشفت أنفاق أو مخازن مخفية، تتوقف العملية.
إذا فشلت NCAG في فرض سلطتها، تتوقف العملية.
إذا أُعيد بناء القدرات العسكرية، يمكن إعادة فتح مرحلة سابقة.
6. ضمانات أميركية ودولية
الحصول على ضمانات أميركية ودولية تعترف بحق إسرائيل في استئناف العمل العسكري إذا انهارت الآلية الأمنية.
التعليق
أعتقد أن أهمية المقال تتجاوز ما يقوله حرفيًا. فالمقال، في جوهره، لا يمثل رفضًا إسرائيليًا لخارطة الطريق بقدر ما يمثل محاولة إسرائيلية لإعادة تعريفها.
وهذه نقطة بالغة الأهمية.
فالخلاصة التي تصل إليها كانر يمكن تلخيصها تقريبًا في الآتي:
لا ينبغي لإسرائيل أن ترفض خارطة الطريق؛ بل ينبغي أن تدخل مرحلة تنفيذها وتفرض شروطها الأمنية داخل آليات التنفيذ.
أي أن المسار ينتقل من:
رفض الخطة
إلى:
السيطرة على شروط تنفيذ الخطة.
المفارقة الاستراتيجية الأساسية
هناك مفارقة استراتيجية واضحة جدًا.
فالخطة الدولية تريد نقل غزة من:
حرب إسرائيلية → إدارة فلسطينية → إعادة إعمار → تسوية سياسية.
أما التصور الأمني الإسرائيلي الذي تعرضه كانر فيريد أن يسير المسار على النحو التالي:
نزع سلاح → تحقق دولي → سلطة فلسطينية منضبطة → انسحاب إسرائيلي تدريجي.
أي أن إسرائيل تريد أن تجعل الأمن هو الذي يحدد السياسة، بينما يبدو أن القوى الدولية تريد استخدام العملية السياسية والمؤسسات الفلسطينية لإنتاج الأمن.
وهذا هو جوهر الصراع على «اليوم التالي» في غزة.
أين حماس في هذه المعادلة؟
الأهم أن المقال يعترف ضمنيًا بمشكلة كبيرة: الخطة تريد نقل السلطة من حماس، لكنها لا تحدد بصورة نهائية ماذا سيحدث لحماس باعتبارها حركة سياسية واجتماعية.
وهذه ثغرة شديدة الأهمية.
فإذا جرى:
نزع السلاح + إخراج حماس من الحكومة
لكن بقيت:
حماس كتنظيم اجتماعي وسياسي وشبكة جماهيرية،
فقد يكون من الممكن أن تعود الحركة بعد سنوات عبر الانتخابات، أو من خلال إعادة بناء نفوذها داخل المؤسسات الفلسطينية.
ولهذا تكتسب أهمية خاصة مقالة أخرى نشرها معهد INSS في 31 أغسطس/آب بشأن الانتخابات الفلسطينية واحتمال تطبيع مشاركة حماس سياسيًا.
وهنا أرى رابطًا مهمًا بين المقالين: يبدو أن INSS بدأ يتعامل مع غزة ليس فقط باعتبارها مسألة عسكرية وأمنية، وإنما باعتبارها جزءًا من عملية إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني كله.
السلطة الفلسطينية.. عودة أم إعادة تشكيل؟
وهنا تظهر نقطة أعمق تتعلق بالسلطة الفلسطينية.
فالخارطة، كما يقرأها INSS، لا تبدو وكأنها تمنح السلطة الفلسطينية الحالية ببساطة مفاتيح قطاع غزة، بل تتجه، على ما يبدو، نحو صيغة تقوم على:
سلطة فلسطينية انتقالية جديدة أو مُعاد تشكيلها + شرعية عربية ودولية + إشراف دولي + إعادة إعمار + إصلاح أمني.
وهذا يختلف عن مجرد عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة بالشكل الذي كانت عليه قبل عام 2007.
وبالتالي، نحن أمام احتمال إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني من جديد تقريبًا، وليس مجرد إعادة ترتيب السيطرة الإدارية على القطاع.
الخلاصة السياسية الأوسع
إذا قرأنا المقال باعتباره وثيقة تعكس جانبًا من التفكير الأمني الإسرائيلي، فإن معركة غزة المقبلة قد لا تكون أساسًا حول سؤال:
هل تنتهي الحرب؟
بل حول سؤال أكبر:
من يملك مفاتيح «اليوم التالي»؟
وهناك أربعة مستويات رئيسية للصراع:
1. من يحكم غزة؟
هل هي NCAG، أم السلطة الفلسطينية، أم صيغة فلسطينية أوسع؟
2. من يحتكر السلاح؟
هل هي NCAG، أم القوة الدولية، أم إسرائيل؟
3. من يقرر أن حماس نزعت سلاحها؟
هل إسرائيل، أم لجنة التحقق الدولية IVC؟
4. من يقرر أن إسرائيل تستطيع الانسحاب؟
هل القرار بيد إسرائيل، أم بيد الآلية الدولية؟
وهنا تكمن أهمية المقال.
فالخلاف الإسرائيلي الحقيقي مع خارطة الطريق، وفق هذه القراءة، ليس على مبدأ إنهاء حكم حماس؛ فالمقال يقول صراحة إن هذا الهدف ما زال قائمًا.
إنما الخلاف الأعمق هو:
من يعرّف نهاية حماس؟ ومن يتحقق منها؟ ومن يملك حق إعلان نجاح العملية أو فشلها؟
وهذا، في تقديري، سيكون أحد أهم صراعات المرحلة المقبلة.
ملاحظة أخيرة
أرى أن هذا المقال يستحق أن يُقرأ إلى جانب مقال INSS المنشور في 31 أغسطس/آب حول الانتخابات الفلسطينية، والذي نُشر في التاريخ نفسه على صفحات القدس.
فالأول يناقش إعادة تشكيل النظام الأمني في غزة، بينما يناقش الثاني إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني.
وجمع المقالين معًا يعطي صورة أوضح بكثير عن التصور الإسرائيلي المحتمل لغزة ما بعد الحرب: ليس مجرد إنهاء حكم حماس، وإنما إعادة هندسة منظومة الحكم والأمن والشرعية السياسية في القطاع، بحيث يصبح السؤال المركزي ليس فقط من يحكم غزة؟، بل أيضًا من يملك السلاح، ومن يراقب نزع السلاح، ومن يحدد شروط الانسحاب، ومن يملك القرار في اليوم التالي؟