
رام الله – وطن للأنباء: في مخيم الجلزون، حيث اعتاد الأهالي مواجهة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، اجتمع عدد من النساء والشباب حول هدف واحد، يتمثل في مساعدة العائلات الأكثر حاجة والتخفيف من أعبائها عبر مبادرات تمس تفاصيل حياتها اليومية، قبل أن تتطور هذه المبادرات إلى مشاريع تعاونية تسعى إلى توفير فرص عمل ومصادر مستدامة للمساعدة.
وقالت مريم فراج، إحدى مؤسسات تجمع شباب ونساء الجلزون، لـ"وطن للأنباء"، إن فكرة التجمع بدأت كمشروع إنساني بحت، وكانت البداية مع افتتاح سوق استهلاكي في بداية العام الدراسي، من خلال إقامة معرض للقرطاسية، حيث جرى استثمار ريع المعرض في افتتاح أول تعاونية استهلاكية، وهي "تعاونية السمانة"، قبل افتتاح متجر للخضروات.
وأضافت فراج أن هذه التعاونيات وفرت فرص عمل لعدد من الشبان العاطلين عن العمل، إلى جانب تقديم طرود غذائية للأسر المتعففة، مشيرة إلى أن ريع التعاونيات ساهم كذلك في إنشاء صيدلية خيرية لخدمة المرضى المحتاجين وذوي الدخل المحدود.
ولتطوير الفكرة وتحويلها إلى مشروع مستدام، اتجه القائمون على التجمع إلى إنشاء تعاونيات في مجالات تجارية وزراعية وصناعية، يعمل فيها متطوعون إلى جانب أشخاص من العاطلين عن العمل، بحيث لا تقتصر التعاونية على تقديم خدمة أو بيع منتج، وإنما يتحول جزء من ريعها إلى مصدر لمساعدة الأسر المحتاجة.
ويقول نضال مغامس، موظف ومتطوع في "تعاونية مواسم"، لـ"وطن للأنباء"، إنه يرتبط بالعمل التطوعي ويعمل في التعاونية التي وفرت له فرصة عمل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأضاف مغامس أن "تعاونية مواسم" تقدم المنتجات الزراعية بأسعار أقل من المتاجر الأخرى، بهدف تخفيف الأعباء عن المحتاجين، مشيرا إلى أن التعاونية تقوم بتعبئة طلبات انتساب للزبائن، وتقدم للمنتسبين سلات غذائية شهرية مجانية، وفقا لاحتياج الأسرة.
من جانبه، قال أديب حميدات، موظف في "تعاونية سمانة"، لـ"وطن للأنباء"، إنه يعمل في التعاونية منذ تأسيسها، بأجر بسيط، فيما يشكل جزء من عمله جهدا تطوعيا، بهدف توفير الأرباح التي تستخدم في مساعدة الطلبة الجامعيين المحتاجين وتقديم الأدوية للعديد من المحتاجين داخل المخيم.
أما ثائر صافي، وهو حرفي في "تعاونية المنجرة"، فقال لـ"وطن للأنباء" إن أسعار منتجات المنجرة رمزية، موضحا أن القائمين عليها يطمحون من خلال ريعها إلى توفير احتياجات بعض الأسر المحتاجة وطلبة الجامعات.
ولا يقتصر أثر هذه التعاونيات على توفير فرص عمل أو إنتاج السلع، إذ تعود الأرباح المتحققة منها إلى المجتمع، من خلال استثمارها في الصيدلية الخيرية وتوفير السلات الغذائية وتقديم المساعدات للطلبة الجامعيين.
وفي الجانب الزراعي، قال محمد نخلة، عامل ومستفيد من الجمعية التعاونية الزراعية، لـ"وطن للأنباء"، إن الجمعية الزراعية التابعة لتجمع شباب ونساء الجلزون وفرت له ولعائلته فرصة عمل في مجال الزراعة وتربية الحيوانات، بما يشمل الأغنام والدجاج.
وأضاف نخلة أن المنتجات التي يتم إنتاجها في المزرعة يجري توريدها إلى التعاونيات داخل المخيم، حيث يباع جزء منها بأسعار أقل من أسعار السوق، فيما يخصص الجزء الآخر لتوفير سلات غذائية للأسر المحتاجة.
وتتجاوز هذه المبادرات مسألة توفير فرص العمل والمساعدات الغذائية إلى مساعدة المرضى غير القادرين على شراء أدويتهم، وهو ما يوضحه إبراهيم أبو عيشة، الذي عبر لـ"وطن للأنباء" عن شكره لتجمع شباب ونساء الجلزون لتقديم الأدوية اللازمة له ولعائلته، بعد عدم توفرها من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.
وقال أبو عيشة، وهو في السبعين من عمره، إنه غير قادر على العمل وتوفير الأدوية الخاصة به وبزوجته التي تعاني من هشاشة العظام ودسك في الظهر، إضافة إلى ابنته البالغة من العمر 43 عاما والتي تعاني من مرض السكري، وابنته الأخرى التي تعاني من تضخم في القولون.
وأضاف أن الأدوية التي يقدمها التجمع غالية جدا، وأنه طرق أبوابا عديدة بحثا عن المساعدة في توفيرها، لكنه لم يجد سوى التجمع الذي يقدم له أيضا سلة غذائية شهرية.
وبهذا النموذج، يحاول تجمع نساء وشباب الجلزون بناء تجربة مختلفة في العمل المجتمعي، تقوم على الانتقال من تقديم المساعدة المباشرة إلى إيجاد مصادر مستمرة لها، من خلال استثمار طاقات أبناء المخيم وإمكاناته في مشاريع زراعية وتجارية وصناعية، وتوظيف عوائد هذه المشاريع في دعم الأسر المحتاجة والمرضى والطلبة، بالتوازي مع توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل. ويعكس هذا النموذج تجربة تعاونية تسعى إلى جعل العمل التطوعي والإنتاجي جزءا من منظومة مجتمعية مستدامة داخل المخيم.