
وطن للأنباء: حين ترحل القامات التي كرّست عمرها للإنسان، يصبح الغياب أكبر من فقدان شخص؛ يصبح فقدان ذاكرةٍ حية لنضالٍ طويل. في الخامس من أيلول/سبتمبر 2026، رحل المناضل المحامي والحقوقي البارز، الأستاذ المحامي الرفيق إبراهيم ماجد البرغوثي، بعد مسيرةٍ أفنى خلالها حياته دفاعًا عن الإنسان والحرية والكرامة والعدالة.
وفي السادس من أيلول/سبتمبر 2026، شُيّع جثمانه في مدينة البيرة، بحضور رفاقه وأحبته وزملائه وأبناء الحركة الحقوقية والوطنية، الذين ودّعوا رجلًا أفنى سنوات عمره في خدمة الإنسان وقضايا شعبه. كان المشهد وداعًا مؤلمًا لقامةٍ حقوقية ونضالية، إبراهيم البرغوثي، أثرٌ لا يغيب.
كرّس البرغوثي حياته للدفاع عن حقوق الإنسان، واستقلال القضاء وجعل من مهنة المحاماة رسالةً تتجاوز حدود المهنة إلى النضال من أجل المظلومين والمعتقلين وأصحاب الحقوق. وقف مدافعًا عن المعتقلين في سجون الاحتلال، وفي مواجهة مصادرة الأرض والاستيطان، مؤمنًا بأن الدفاع عن الإنسان هو دفاعٌ عن فلسطين وقضيتها وكرامتها.
لم تكن حقوق الإنسان بالنسبة إليه شعارًا يُرفع، بل قضيةً عاشها ومارسها في تفاصيل عمله ومواقفه اليومية. انحاز إلى الحرية والكرامة والمساواة، ورفض الظلم أينما وقع، وظل صوتًا صلبًا في مواجهة الانتهاكات.
وفي مسيرته القانونية والحقوقية، كرّس جانبًا كبيرًا من جهده للدفاع عن سيادة القانون واستقلال القضاء واستقلال مهنة المحاماة، إدراكًا منه أن حماية الحقوق لا تستقيم دون قضاء مستقل وعدالة نزيهة. ومن خلال عمله كمدير عام المركز الفلسطيني لاستقلال القضاء والمحاماة "مساواة" واصل نضاله من أجل منظومة عدالة تحمي الإنسان وتصون حرياته وكرامته.
برحيله، تفقد فلسطين مناضلًا حمل همّ الإنسان وحقوقه بصدق وثبات، وتفقد الحركة الحقوقية صوتًا آمن بأن العدالة فعل ونضال ومسؤولية. غير أن رحيله لن يطوي سيرته؛ فالأثر الذي تركه سيبقى حاضرًا في ذاكرة رفاقه ومحبيه، وفي كل قضية عادلة دافع عنها، وكل إنسان وقف إلى جانبه.
وقال ماجد البرغوثي، نجل الراحل إبراهيم البرغوثي، لوطن للأنباء، إن والده عُرف بحلمه وحياته الهادئة، وحبه لأبنائه وعائلته، مشيرًا إلى أنه كان طوال حياته "جبلًا وأستاذًا وقدوة" لهم في المنزل، قبل أن يكون قدوة في مهنة المحاماة ومسيرته المهنية.
وأضاف أن العائلة عاشت مع الراحل أيامًا جميلة حتى لحظاته الأخيرة، موضحًا أن معنوياته بقيت مرتفعة حتى في لحظات الوداع، وهو ما يعكس، وفق وصفه، قوة شخصيته وصلابته التي عرفها عنه المقربون طوال حياته.
من جانبه، قال د. مصطفى البرغوثي، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية، لوطن للأنباء، إن إبراهيم البرغوثي كان ابن عمه، وإن معرفته به تعود إلى مرحلة الطفولة، حيث جمعتهما المدرسة والدراسة والنضال الوطني منذ سنواتهما الأولى.
وأوضح أن الراحل كان "مناضلًا وطنيًا منذ نعومة أظفاره"، وشارك في مختلف الأعمال الوطنية والكفاحية، قبل أن ينتقل إلى العمل في مجال المحاماة، ليصبح خلال حياته المهنية من أبرز المدافعين عن الحق.
بدوره، قال د. طالب عوض، رئيس مجلس إدارة المركز الفلسطيني لاستقلال القضاء والمحاماة "مساواة"، لوطن للأنباء، إن إبراهيم البرغوثي كان المؤسس الأساسي لمؤسسة "مساواة"، التي وصفها بالمؤسسة الرائدة في مجال الدفاع عن حقوق المحامين واستقلال القضاء.
وأشار إلى أن البرغوثي كان مدافعًا شرسًا عن استقلال القضاء والسلطة القضائية، مؤكدًا أن حضوره في المحافل المحلية والإقليمية والدولية جعله "صوتًا فلسطينيًا جهورًا" يؤكد أهمية استقلال القضاء، إلى جانب دفاعه المستمر عن حقوق المحامين.
من جهته، قال المحامي فادي عباس، نقيب المحامين، لوطن للأنباء، إن العدالة الفلسطينية فقدت برحيل إبراهيم البرغوثي رجلًا جعل من الدفاع عن الحق والعدل رسالة طوال حياته المهنية.
وأضاف أن كل من عرف البرغوثي وعمل معه، سواء اتفق معه أو اختلف، يدرك أنه كان مكرسًا جهده من أجل إرساء قواعد العدالة وسيادة القانون، معتبرًا أن رحيله يمثل خسارة للوطن والعدالة الفلسطينية.
وأكد عباس أن نقابة المحامين ستبقى على عهد القيم التي دافع عنها البرغوثي، باعتباره أحد العناصر المؤسسة لهذا البيت المهني.
وقال بسام الصالحي، الأمين العام لحزب الشعب، لوطن للأنباء، إن البرغوثي ساهم في تأسيس نقابة المحامين أو أحد الأجسام المرتبطة بها، وكان على الدوام مناصرًا للقضايا القضائية والحقوقية.
وأضاف أن الراحل واصل خلال السنوات الأخيرة، وحتى الأسابيع الأخيرة من حياته، جهوده في عدد من النقاشات المتعلقة بمسودة دستور فلسطيني كانت مطروحة للنقاش.
من جانبه، قال منجد أبو جيش، مدير عام الإغاثة الزراعية، لوطن للأنباء، إنه عمل مع البرغوثي لفترة طويلة في الهيئة العامة لشبكة المنظمات الأهلية، واصفًا إياه بالمثابر والواضح في التعبير عن آرائه.
وأشار إلى أن مؤسسة "مساواة" والراحل إبراهيم البرغوثي أسهما في العديد من النشاطات المرتبطة بحقوق الإنسان في فلسطين، مؤكدًا أن تأثير المؤسسة كان كبيرًا في عدد من القضايا التي تمس القانون الفلسطيني وتطويره.
وقال د. رفعت الصباح، مدير مركز إبداع المعلم، لوطن للأنباء، إن البرغوثي كان رجلًا صلبًا، واضح المواقف، وحادًا في مواقفه تجاه القضايا الحقوقية الداخلية، مشيرًا إلى التزامه الكبير بقضايا الناس والمجتمع.
وأضاف أن الراحل كان مثابرًا دون كلل أو ملل، وملتزمًا بمختلف القضايا المجتمعية، معتبرًا إياه أحد أعمدة المجتمع المدني، وأن وفاته تمثل خسارة للمجتمع الفلسطيني، وللمجتمع المدني بشكل خاص.
بدوره، وصف د. عمار دويك، مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، لوطن للأنباء، رحيل البرغوثي بالخسارة الكبيرة على المستويين الشخصي والمهني، مستذكرًا الراحل المعروف بين المقربين منه باسم "أبو ماجد".
وقال دويك إن البرغوثي كان "صوتًا عاليًا للحق"، موضحًا أن الاختلاف معه في بعض المسائل لم يمنع الاتفاق على شخصه ومواقفه، إذ ظل صوته واضحًا ومواقفه ثابتة في دعم المظلومين والدفاع عن العدالة ومواجهة الخطأ، بغض النظر عمن يقف خلفه.
من جهته، قال ماجد العاروري، المدير التنفيذي للهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون "استقلال"، لوطن للأنباء، إن رحيل زميله وصديقه إبراهيم البرغوثي يمثل خسارة كبيرة للمجتمع الفلسطيني والحركة الحقوقية ولكل المدافعين عن حقوق الإنسان وسيادة القانون.
وأضاف أن البرغوثي كان دائمًا مدافعًا شرسًا عن استقلال القضاء والحريات، ولم يكن يعنيه حجم التعاطف مع رأيه بقدر حرصه على التعبير عنه بصدق وفاعلية، مؤكدًا أن حضوره المهني والحقوقي سيبقى حاضرًا في مسيرة المدافعين عن العدالة وسيادة القانون.