
يزن فراشات، شاب من الخليل لم تعد شمس الصباح تعني له شيئاً سوى بدء سباق مرير مع الوقت. عند الخامسة والنصف صباحاً، يغادر يزن عتبة بيته في الخليل، حاملاً على عاتقه هم عائلته وعمله. يعمل يزن طبيباً مخبرياً في أحد مختبرات رام الله، وهو ما يفرض عليه قطع مسافة طويلة ذهاباً وإياباً بشكل شبه يومي، وكأن جغرافية الوطن أصبحت عبئاً إضافياً يثقل كاهله.
وفي هذا السياق، قال يزن فراشات لـ "وطن للأنباء": "بشكل عام، تشكل المواصلات عائقاً كبيراً أمامنا نحن الشباب؛ إذ حُرِمنا من التنقل بسلاسة وبشكل يومي، وبات المرء منا يفكر في التنقل كل أسبوعين أو كل شهر. ومن الناحية المعيشية، أصبحت أجور النقل عبئاً إضافياً يرهق الشباب".
لكنّ الكابوس بالنسبة له يتمثل في الارتفاع المتسارع لأسعار المواصلات وأجور النقل بين المحافظات؛ بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات. فبينما كانت كلفة التنقل بين الخليل ورام الله مقدورة قبل فترة قصيرة، أصبحت اليوم تلتهم جزءاً كبيراً من راتبه.
وهو ما يتقاطع مع ما أكده أمين سر نقابة النقل في محافظة رام الله، سامي ياسين، لـ "وطن للأنباء" بقوله: "إن ارتفاع أسعار المواصلات لم يؤثر على الركاب أو السائقين فحسب، بل ألقى بظلاله على الطرفين معاً. فالركاب الذين كانوا يتنقلون عبر أسبوعهم أربع مرات أصبحوا يكتفون بالخروج مرتين، كما أضحى السائق يفضل البقاء في بيته أو تقليص عدد رحلاته؛ إذ إن السائق الذي كان يحقق دخلاً يومياً يُقدر بـ ٧٠ شيكلاً، يتراجع دخله اليوم إلى ٣٠ شيكلاً فقط. لقد تضاعفت الأعباء والمصاريف على السائق، وفي المقابل لا يملك الراكب الدخل الكافي لدفعه للسائق".
ومع كل ارتفاع يطال أسعار المحروقات، ترتفع أجرة المواصلات تلقائياً، ليجد يزن نفسه أمام معادلة قاسية: هل يعمل ليؤمن مصروف بيته وأهله، أم ليدفع جزءاً كبيراً من راتبه للمواصلات؟
وفي هذا الصدد، أشار المواطن عيسى منصور لـ "وطن للأنباء": "عندما تستقل سيارة الأجرة تدفع ٥ شواكل، وإذا خرجت مع أطفالك تشعر وكأنك يستقل سيارة خاصة. لقد ارتفعت أسعار المواصلات من ٣ إلى ٤ ثم إلى ٥ شواكل، في وقت تُعد فيه الرواتب ضئيلة ولا تلبي أدنى احتياجات المواطن".
تتضاعف هذه المعاناة عندما تفرض الالتزامات الاجتماعية والشخصية واقعاً لا مفر منه، حيث أضاف يزن فراشات لـ "وطن للأنباء": "بما أنني مقبل على الزواج، يتوجب علي التنقل أسبوعياً، وهو ما يفرض علي السفر باستمرار. ولو طرأ أي ظرف طارئ يسلتزم سفري يومياً أو أسبوعياً، سأضطر للذهاب والإياب بشكل يومي.. إن التنقل اليومي بين الخليل ورام الله والعودة في اليوم التالي يُذهب بأجري اليومي كاملاً، ويضيع ثمرة جهدي في أجور التنقل".
وحين يقف يزن في مجمع سيارات رام الله عائداً إلى الخليل، متهالكاً من ساعات العمل الطويلة، يدرك أنّ رحلة ذهابه وعودته باتَت تمثّل استنزافاً مادياً ونفسياً يهدد استقراره واستقرار آلاف المواطنين.