بعد 20 عاماً بلا انتخابات تشريعية.. هل تستطيع القوائم المستقلة كسر هيمنة القوى التقليدية؟

02/09/2026

وطن للأنباء: مع اقتراب انتخابات المجلس التشريعي، تبرز القوائم المستقلة والحراكات السياسية الجديدة كأحد العناوين اللافتة في المشهد الانتخابي الفلسطيني، وسط تساؤلات حول قدرتها على تقديم بديل سياسي حقيقي، وكسر حالة الهيمنة التي كرستها القوى والفصائل التقليدية على مدى عقود.

وفي حلقة جديدة من منصة "مواطنات"، التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، ناقش مدير مركز ثبات للبحوث جهاد حرب، وأستاذة السياسات والعلاقات الدولية والناشطة السياسية د. سناء زكارنة، فرص القوائم المستقلة وتحدياتها، ودورها المحتمل في تجديد الحياة السياسية الفلسطينية، وإتاحة المجال أمام الشباب والنساء والمهنيين للوصول إلى مواقع صنع القرار.


20 عاماً من الانتظار.. والجمهور يريد التغيير
وقال جهاد حرب إن الاهتمام المتزايد بالقوائم المستقلة يأتي بعد نحو عشرين عاماً على آخر انتخابات تشريعية، معتبراً أن الجمهور الفلسطيني "يرغب بالتغيير" ويتطلع إلى أشكال سياسية جديدة يمكن أن تكون عنواناً لهذا التغيير.

وأشار حرب إلى أن تجربة المواطنين مع القوى السياسية التقليدية خلال السنوات الماضية أوصلت المشهد إلى "طريق مسدود"، الأمر الذي دفع قطاعات من الجمهور إلى البحث عن أحزاب أو مجموعات أو قوائم جديدة تعبر عن تطلعاتهم.

وأضاف أن انخفاض الثقة بالأطر والفصائل السياسية القائمة يجعل من القوائم المستقلة خياراً مطروحاً أمام الناخب الباحث عن بدائل.


القوائم المستقلة.. بين فرصة التغيير وخطر الاندثار
لكن حرب حذّر في الوقت ذاته من أن القوائم المستقلة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف الإمكانات التنظيمية والإعلامية والمالية مقارنة بالقوى الكبرى.
وأوضح أن التجربة السابقة أظهرت وجود عدد كبير من القوائم المستقلة، لكنها لم تتمكن في كثير من الحالات من الاستمرار بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، لتتحول المشاركة إلى "تحالفات لحظية" مرتبطة بموسم الانتخابات.

ورأى أن التحدي الأساسي أمام هذه القوائم يتمثل في قدرتها على التحول من مبادرات انتخابية مؤقتة إلى مشاريع سياسية مستمرة، سواء فازت في الانتخابات أم لم تفز.

وبحسب حرب، فإن نجاح القوائم المستقلة يتطلب تقديم وجوه جديدة ومتنوعة، إلى جانب برامج تستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمواطنين.


حرب: توحيد القوائم قد يكون مفتاح الوصول إلى البرلمان
وفي حديثه عن فرص المنافسة، أشار حرب إلى أن تعدد القوائم المستقلة وتشتت أصوات الناخبين قد يضعف فرصها في الوصول إلى المجلس التشريعي.
وقال إن توحيد هذه القوائم أو تقليص عددها يمكن أن يمنحها فرصة أكبر للمنافسة، مشيراً إلى أهمية تشكيل قوائم أكثر قوة من حيث الانتشار الجغرافي والحضور الوطني.
واعتبر أن نسبة الحسم البالغة 1% تتيح، من حيث المبدأ، فرصة أمام قوى جديدة لدخول المنافسة، إلا أن الاستفادة من هذه الفرصة تحتاج إلى عمل تنظيمي وشعبي واسع.
وأكد أن وصول عدد من النواب المستقلين إلى المجلس، حتى وإن لم يشكلوا أغلبية، يمكن أن يمنحهم دوراً مؤثراً في عملية التشريع والمساءلة البرلمانية.

زكارنة: أزمة السياسة الفلسطينية أعمق من القوائم المستقلة
من جهتها، ربطت د. سناء زكارنة واقع القوائم المستقلة بالأزمة السياسية الأوسع التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني.
وقالت إن عدم احترام نتائج انتخابات عام 2006 وما تبع ذلك من أزمات وانقسام أدى إلى استمرار أزمة الشرعية السياسية والحاجة إلى تجديدها عبر انتخابات ديمقراطية.
وترى زكارنة أن الانتخابات، في حال إجرائها، يجب ألا تكون مجرد عملية لاختيار ممثلين، وإنما فرصة لإعادة بناء الشرعية السياسية ومنح الشارع الفلسطيني القدرة على محاسبة قياداته.


المرأة والشباب.. حضور في الشعارات أم شراكة في القرار؟
وفيما يتعلق بمشاركة النساء والشباب، انتقدت زكارنة الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية، مشيرة إلى أن الحديث عن تمكين المرأة والشباب لا ينعكس بالضرورة على مواقع القيادة داخل التنظيمات والقوائم.
وأكدت أن القوائم المستقلة ليست منفصلة عن المجتمع الذي نشأت منه، وبالتالي فإنها قد تعكس بدورها واقعاً اجتماعياً وسياسياً لا تزال فيه مشاركة النساء في مواقع القيادة محدودة.
وشددت على أهمية أن تقوم القوائم على مبدأ التكامل والتنوع، بحيث تضم النساء والرجال والشباب وأصحاب الخبرات المختلفة، بدلاً من بناء قوائم تقوم على فئة واحدة فقط.


هل تكفي وجوه جديدة؟
واتفق الضيفان على أن تغيير الوجوه وحده لا يكفي لإقناع الناخب الفلسطيني.
فالقائمة التي تريد المنافسة، وفق النقاش، تحتاج إلى برنامج واضح يتعامل مع القضايا التي تمس حياة المواطنين، من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والخدمات العامة، إلى الفساد والحكم الرشيد، إلى جانب امتلاك رؤية واضحة تجاه القضية الوطنية والتحديات السياسية.
وأكد حرب أن القوائم الجديدة تحتاج إلى تقديم شخصيات لديها خبرة في العمل العام، وقادرة على تمثيل المواطنين، وليس فقط شخصيات جديدة لم يسبق اختبارها.


من قائمة انتخابية إلى كتلة سياسية
ورأى حرب أن الانتخابات يمكن أن تشكل بداية لعملية سياسية جديدة إذا تمكنت القوائم المستقلة من الوصول إلى البرلمان بأعداد مؤثرة، إذ يمكن للنواب المنتخبين لاحقاً تشكيل تحالفات أو كتل سياسية وربما تأسيس أطر حزبية أكثر استدامة.
واعتبر أن وجود برنامج سياسي مشترك يمكن أن يكون أساساً لتحويل التحالفات الانتخابية المؤقتة إلى قوة سياسية قادرة على الاستمرار بعد الانتخابات.


صندوق الاقتراع.. فرصة للمحاسبة؟
وفي ختام الحلقة، اعتبرت زكارنة أن الانتخابات، في حال إجرائها، تمثل فرصة أمام الشارع الفلسطيني لإفراز شخصيات سياسية جديدة قادرة على الدفاع عن حقوق المواطنين ومواجهة الأزمات.
وقالت إن صندوق الاقتراع يمكن أن يتحول إلى أداة للمحاسبة السياسية، وأن الشرعية في نهاية المطاف يجددها الشعب من خلال مشاركته واختياره.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي: هل تستطيع القوائم المستقلة تجاوز حدود الظاهرة الانتخابية المؤقتة والتحول إلى قوة سياسية مستدامة، أم أنها ستبقى مجرد تجمعات تتشكل مع اقتراب الانتخابات ثم تتلاشى بانتهائها؟
الإجابة لن تحددها القوائم وحدها، بل أيضاً قدرة الناخب الفلسطيني على منح ثقته لخيارات جديدة، وقدرة هذه الخيارات على تحويل شعار التغيير إلى مشروع سياسي قابل للحياة.