رزق عطاونة يكتب لوطن: اليسار مطلوب الآن

02/09/2026

 مع بدء الحراك السياسي استعداداً للاستحقاق الانتخابي القادم وبدء القوى السياسية في جس نبض الشارع وبحث التحالفات وتشكيل القوائم الانتخابية يعود السؤال الذي طالما جرى تأجيله، أين سيكون اليسار الفلسطيني في هذه الانتخابات؟ وهل سيدخلها مجزأً كما في تجارب سابقة أم يمتلك الجرأة السياسية لتشكيل قائمة واحدة تعبر عن جمهوره وتعيد له موقعه في النظام السياسي؟

السؤال ليس انتخابياً فقط، لأن الانتخابات في الحالة الفلسطينية يفترض أن تكون مدخلاً لإعادة بناء الحياة السياسية وتجديد المؤسسات وإعادة الاعتبار للشراكة الديمقراطية. ومن هنا فإن وحدة اليسار لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها صفقة انتخابية بين أربعة أحزاب، بل باعتبارها استجابة لحاجة سياسية واجتماعية تتجاوز هذه الأحزاب نفسها.
لقد أنتج الانقسام الفلسطيني وطول أمد تعطيل المؤسسات الدستورية والتشريعية واقعاً سياسياً جعل علاقة الجيل الجديد بالنظام السياسي تكاد تكون مقطوعة فالمجلس التشريعي معطل منذ 19 عام والحكومات تعاقبت دون ممارسة الرقابة والثقة البرلمانية بصورة طبيعية، فيما غاب التداول الديمقراطي المنتظم وانعكس ذلك على الأحزاب السياسية نفسها، التي تراجعت قدرتها على التجديد وإفساح المجال أمام أجيال جديدة.

واليسار ليس خارج هذه الأزمة بل إن التحدي أمامه أكثر إلحاحاً لأنه يرفع تاريخياً شعارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتجديد فكيف يمكن أن يطالب المجتمع بالتغيير إذا عجزت بنيته الداخلية عن إنتاج قيادات جديدة؟
هناك جيل فلسطيني كامل نشأ في ظل الانقسام جيل لم يشارك فعلياً في الانتخابات التشريعية الأخيرة ولم يختبر التداول الديمقراطي للسلطة، لكنه كان حاضراً في المبادرات المجتمعية والتطوعية وفي مواجهة الأزمات الاقتصادية والميدانية. ومع ذلك بقي حضوره السياسي في كثير من الأحيان محدوداً أو موسمياً فيما استمرت ظاهرة تدوير الشخصيات نفسها وإعادة إنتاج النخب ذاتها.
وهنا يصبح دخول اليسار بقائمة واحدة فرصة مزدوجة: توحيد أصواته وتجديد نخبه في الوقت نفسه. فلا معنى لقائمة يسارية موحدة إذا كانت ستعيد إنتاج الوجوه نفسها وتضع الشباب في ذيل القوائم لمجرد استكمال الصورة.
الوحدة المطلوبة يجب أن تقوم على شروط واضحة: برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي مشترك وآليات ديمقراطية لاختيار المرشحين ومشاركة متوازنة بين القوى وفتح حقيقي للقائمة أمام الشباب والنساء والمستقلين والشخصيات المجتمعية، وضمان استمرار التعاون بعد الانتخابات.

كما أن على اليسار أن يقدم ما يميزه عن قطبي الانقسام فهو يمتلك فرصة ليكون قوة سياسية ثالثة قادرة على التأثير في النظام السياسي لا مجرد كتلة برلمانية إضافية وعليه أن يربط التحرر الوطني بالعدالة الاجتماعية، وأن يستعيد دوره في المقاومة الشعبية في مواجهة الاستيطان والتهجير وأن يقود الجهد الفلسطيني لملاحقة مرتكبي جرائم الابادة الجماعية  في غزة والتطهير العرقي الضفة.
وفي المجال الاقتصادي يحتاج اليسار إلى تقديم بديل حقيقي يقوم على اقتصاد الصمود دعم الزراعة والإنتاج المحلي والتعاونيات والمشروعات الصغيرة وتقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي وتحويل الصمود من شعار سياسي إلى سياسة اقتصادية واجتماعية تحمي الناس وتوفر لهم القدرة على البقاء.
إن استمرار انسداد الأفق السياسي أمام الشباب قد يدفع نحو الانكفاء على هويات ضيقة، عشائرية ومناطقية وهو ما يهدد وحدة المجتمع الفلسطيني ويخدم سياسة الاحتلال في تفكيك الجغرافيا والمجتمع.
لذلك فإن بدء الحراك الانتخابي يجب أن يكون موعداً لقرار يساري واضح: قائمة واحدة، برنامج واحد، وتجديد حقيقي.
وإذا فشل اليسار في ذلك فلا يجوز أن يحمل الناخب مسؤولية تراجع تمثيله ستتحمل القيادات السياسية مسؤولية تشتيت أصوات جمهورها وإبقاء المساحة السياسية والبرلمانية رهينة للاستقطاب القائم.
فالانتخابات القادمة ليست فقط اختباراً لقدرة اليسار على الفوز بالمقاعد؛ إنها اختبار لقدرته على إعادة بناء نفسه، واستعادة علاقته بالمجتمع وفتح الطريق أمام جيل جديد والتحول من قوة معارضة محدودة التأثير الى قوة سياسية واجتماعية مؤثرة فيه.