من نور شمس إلى النزوح.. قسوة حياة وأمل بالعودة للمخيم

31/08/2026

 

وطن للأنباء: من بين آلاف الأمهات اللواتي أُجبرن على مغادرة مخيم نور شمس، خرجت فاطمة وأسيل من الموت إلى المجهول، محملتين بما استطاعتا حمله من ذكريات واحتياجات أطفالهما، تاركتين خلفهما منزلاً وحياةً لم يكن الرحيل عنها خياراً.

في جيوس، كما في مناطق أخرى استقبلت نازحين من المخيم، بدأت رحلة جديدة عنوانها الغربة عن المكان، وصعوبة تأمين المسكن، وارتفاع تكاليف الحياة، فيما يبقى حلم العودة إلى المخيم حاضراً في تفاصيل يومهما.

تروي أسيل مشارقة، النازحة من مخيم نور شمس، لوطن للأنباء، أن لحظة الخروج جاءت تحت وطأة الخوف من اقتحام المنازل وتفتيشها، تقول إنها اضطرت للخروج من المنزل دون ان تتمكن من أخذ الملابس لأطفالها.

لم يكن أمام العائلات وقت لجمع حاجياتها أو التفكير في وجهتها المقبلة. غادروا على عجل، فيما تكفلت الظروف بتحديد محطات نزوحهم واحدة تلو الأخرى.

تقول فاطمة شحادة، النازحة من مخيم نور شمس إلى جيوس، لوطن للأنباء، إن رحلة النزوح بدأت من الجهة العليا للمخيم، حيث تجمعت العائلات وبدأت سيارات من عنبتا وكفر اللبد بنقل النازحين إلى مناطق أخرى:

تنقلت فاطمة وأسرتها بين أكثر من منطقة؛ من ذنابة إلى شويكة، ثم عتيل، وصولاً إلى جيوس، حيث استقروا في منزل مستأجر، في ظروف تصفها بالصعبة.

أما أسيل، فوجدت في البداية مأوى لدى إحدى العائلات في جيوس، قبل أن تنتقل بعد نحو أربعة أشهر إلى منزل قديم بعقد إيجار، اضطرت إلى ترميمه وإصلاحه على نفقتها: "قعدنا عندهم تقريباً أربع شهور، آخر شيء صفينا في دار هاي قديمة، أخذنا بيت عقد قديم وصلحنا فيها كثير، وما زلنا بنصلح فيها."

وتقول أسيل إن التضامن الشعبي خفف جزءاً من قسوة النزوح، مشيرة إلى ما وجدته من احتضان لدى الأهالي في المناطق التي مروا بها:"وين ما نزحنا، وين ما قعدنا، الناس فيها خير وفي قلوبها رحيمة. الحمد لله ما قصروا... والحمد لله إلنا سنة ونص بجيوس، الجيران ولا في أحسن منهم."

وفي جيوس، عملت ناشطات وأهالٍ على توفير الحد الأدنى من المأوى للعائلات النازحة. وتوضح الناشطة النسوية سونة خريشة، لوطن للأنباء، أن نحو 16 عائلة وصلت إلى البلدة، وحاول الأهالي تأمين مساكن لها، بعضها داخل البلدة، وبعضها في أراضٍ وغرف ومنازل صغيرة.

وتقول خريشة إن ما تم توفيره لم يكن بالضرورة سكناً مثالياً أو آمناً بكل المقاييس، لكنه كان محاولة لتأمين مكان تستطيع العائلات أن تعيش فيه بعد فقدان منازلها.

وفي بداية النزوح، قدمت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" مساعدات للعائلات النازحة، شملت المواد الغذائية والحرامات والفراش، وفق ما تؤكد فاطمة، إلا أنها تشير إلى أن حجم المساعدات تراجع مع مرور الوقت.

ومع استمرار النزوح، لم تعد المعاناة مرتبطة بالسكن والطعام وحدهما. فآثار التجربة تركت انعكاساتها على الصحة النفسية والجسدية للأمهات والأطفال، في ظل فقدان الاستقرار والخوف المستمر من المستقبل.

تقول فاطمة:"والله شعور صعب، بكذبش عليك. أنا بصراحة قبل النزوح ما عمر بحياتي طلعت واشتغلت. هاي أول مرة بحياتي إني أطلع وأشوف الناس.. نفسيا مش مبسوطة أبدا".

أما أسيل، فتصف ما تركه النزوح على صحتها النفسية والجسدية بأنه بالغ القسوة: "أنا نفسيتي كثير تدمرت، حتى صحتي كثير تعبانة حالياً. بدي فحوصات كثيرة شاملة، مش عارفة شو اللي عندي، شو النقص اللي عندي، مش عارفة من شو بعاني."

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية، تتضاعف أعباء العائلات النازحة، التي تجد نفسها أمام تكاليف إيجار ومسكن واحتياجات أساسية، في وقت تتراجع فيه قدرتها على تأمين دخل ثابت.

وتختصر فاطمة مطلبها الأساسي بكلمات واضحة: "أنا كنازحة، وكل النازحين اللي طلعوا، عنجد بنعاني. بدنا بيوت صراحة، وبدنا إيجارات بيوت، لأنه هذا اللي بنعاني منه أزيد إشي."

لكن خلف الحاجة إلى سقف يأوي العائلة، تبقى هناك حاجة أكبر: استعادة الحياة التي انتُزعت منهم.

وترى سونة خريشة أن استقبال العائلات النازحة مسؤولية إنسانية ووطنية، خصوصاً أن الفلسطينيين جميعاً معرضون لظروف مماثلة في ظل واقع الاحتلال:

أما أسيل، فلا تخفي أن كل ما تريده في نهاية المطاف هو العودة إلى بيتها، مؤكدة أن أي منزل آخر لا يمكن أن يعوضها عن منزلها الذي تركته خلفها: "بتمنى أول إشي يزول الاحتلال ونرجع لبيوتنا. أنا قد ما ألف مثل بيتي ما بلاقي. بتمنى اليوم قبل بكرة نرجع لبيتي."

وتضيف أن حاجتها الحالية لا تتجاوز أن تعيش هي وأسرتها بكرامة ومن دون الاعتماد على الآخرين.

وبين مسكن مؤقت وآخر، ومساعدات تتراجع مع الوقت، تواصل آلاف العائلات النازحة من مخيم نور شمس حياتها بعيداً عن منازلها، وهي تحمل معها سؤالاً واحداً: متى تنتهي رحلة النزوح؟

فالنزوح بالنسبة لفاطمة وأسـيل ليس انتقالاً من مكان إلى آخر، بل فقدان لحياة كاملة. منزل تهدم، ومجتمع تشتت، وأطفال حُرموا من الاستقرار، وأمهات يحاولن إعادة بناء ما يمكن بناؤه وسط ظروف قاسية.

ويبرز هنا البعد القانوني لقضية التهجير والنزوح؛ إذ يقر القانون الدولي، في سياقات محددة، حماية حقوق الأشخاص المتضررين من النزوح القسري والعمليات العسكرية، بما في ذلك جبر الضرر والتعويض عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالممتلكات، وفق القواعد القانونية الدولية ذات الصلة.

وبينما تنتظر العائلات النازحة حلولاً تضمن لها السكن والحماية والعيش الكريم، يبقى مطلبها الأهم أبسط من كل شيء: أن تعود إلى بيوتها، وأن تستعيد حقها في حياة آمنة ومستقرة، وأن يكون ما فقدته قابلاً للجبر والتعويض.

حتى ذلك الحين، تبقى فاطمة وأسـيل وغيرهما من أمهات نور شمس عالقات بين حاضر قاس وذاكرة بيت لم يغادرنه حقاً، وأمل بالعودة لا يزال قائماً.