القضية الفلسطينية.. ورقة انتخابية إسرائيلية

30/08/2026

رام الله – وطن للأنباء: في إسرائيل، لا تبدو الانتخابات المرتقبة مجرد منافسة على المقاعد، بل معركة سياسية تمتد آثارها مباشرة إلى الفلسطينيين وقضيتهم، في ظل وضع اليمين الإسرائيلي مشاريع الضم والاستيطان وحسم مستقبل الضفة الغربية في صدارة برنامجه السياسي والدعائي.

هذا ما خلصت إليه ندوة سياسية عقدها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في مدينة رام الله، بمشاركة النائب العربي في الكنيست أيمن عودة، وناقشت المشهد الانتخابي الإسرائيلي وتداعياته على القضية الفلسطينية، وأهمية رفع مستوى الوعي السياسي والمشاركة العربية في الانتخابات.

وحذّر عودة من أن انتخابات الكنيست المقبلة ليست استحقاقا سياسيا عاديا، بل محطة "مصيرية ووجودية"، مشيرا إلى أن اليمين الفاشي في إسرائيل، في حال فوزه، سيباشر منذ اللحظة الأولى بحسم ملفات تاريخية، أبرزها إنهاء السلطة الفلسطينية والمضي في مخطط ضم الضفى.

وحذّر بشكل خاص من أن سيناريو تهجير الفلسطينيين في الداخل، وإن كان لا يزال نظريا، بات أقرب من أي وقت مضى، مع اجتماع عدد من الشروط التي يرى أنها قد تجعل هذا السيناريو ممكنا.

سيناريو التهجير.. أربعة شروط اجتمع منها ثلاثة
خصص عودة جزءا مهما من كلمته للبعد "الوجودي" للانتخابات بالنسبة لفلسطينيي الداخل، مذكرا بأن مجزرة كفر قاسم عام 1956 لم تكن "قتلا من أجل القتل"، بل جزءا من مشروع ممنهج لترويع الفلسطينيين ودفعهم إلى الهروب عبر الحدود، على غرار ما جرى بعد مجزرة دير ياسين وحرب 1948.

وطرح عودة أربعة شروط لتقييم احتمال تكرار سيناريو التهجير اليوم وهي: أن ترغب الحكومة الإسرائيلية في التهجير، وأن ترغب "الدولة العميقة"، وتحديدا المؤسسة الأمنية، في ذلك، وأن يرغب الشعب الاسرائيلي فيه، وأن يكون هناك طرف عربي في الجوار شريكا في المخطط.

وقال إن ثلاثة من هذه الشروط باتت متوفرة بالفعل، موضحا أنه للمرة الأولى يتولى رئاسة الشرطة ورئاسة جهاز الأمن العام "الشاباك" شخصان من خلفية "كهانية"، في إشارة إلى رئيس الشاباك الجديد ديفيد زيني، محذرا كذلك من صعود ضباط "مسيانيين" إلى رتب عسكرية غير مسبوقة في الجيش.

وعلى صعيد المجتمع الإسرائيلي، استشهد عودة باستطلاعات إسرائيلية، من بينها استطلاع لجامعة حيفا، تشير إلى أن نسبة تتراوح بين 60% و62% من اليهود الإسرائيليين تؤيد طرد الفلسطينيين بقوة السلاح، فيما تشير استطلاعات أخرى إلى نسبة تصل إلى 70%.
وأضاف أن وحدات "كفير" التابعة لوزارة الأمن القومي وزّعت أسلحة على نحو 400 ألف من المستوطنين واليمينيين المتطرفين، وخلص إلى أن الشرط الرابع، المتعلق بوجود شريك عربي إقليمي، هو الوحيد غير المتحقق حاليا، لكن اجتماع الشروط الثلاثة الأولى، بحسبه، كاف لدق ناقوس الخطر.

الانتخابات.. "درء مفاسد" لا "جلب منافع"
ووصف عودة الانتخابات الاسرائيلية بأنها ليست "لجلب منافع"، بل "لدرء مفاسد"، موضحا أنها تمثل بالنسبة لليمين الفاشي فرصة لـ"إغلاق الملفات الكبرى"، في ظل صراع داخلي بين يمين يريد الحسم في هذه الملفات، ومركز و"يسار" وصفه بأنه "يخاف من ظله" ولا يجرؤ على الإفصاح عن برنامجه بوضوح.
وأكد أن اليمين الفاشي، في حال فوزه، سيواصل "التوغل والتغول والوحشية"، عبر خطوات تراكمية تصب في اتجاه الضم وإنهاء السلطة الفلسطينية، ناقلا عن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قوله إن "المهمة قبل الانتخابات هي إسقاط السلطة الفلسطينية بكل الطرق".
وفي هذا السياق، أشار عودة إلى أن هناك ملاحظات محقة بشأن أداء السلطة الفلسطينية، لكنه شدد على ضرورة عدم المساس بـ"الكيانية" نفسها، موضحا أن إسرائيل تريد الانتقال من السلطة إلى الاحتلال، بينما يريد الفلسطينيون الانتقال منها إلى الدولة المستقلة.

المشاركة العربية.. معركة داخل الانتخابات
ويرى عودة أن المعركة الأهم بالنسبة للفلسطينيين في الداخل لا تتمثل في الخلافات بين الأحزاب الإسرائيلية أو في الطريقة التي ستعيد بها ترتيب صفوفها، بل في قدرة المجتمع العربي على التأثير في نتائج الانتخابات.
ودعا إلى وحدة الأحزاب العربية ورفع نسبة التصويت، مؤكدا أن الشعب الفلسطيني في الداخل "يريد الوحدة"، ومشيرا إلى أن التوحد يمكن أن يرفع نسبة التصويت في المجتمع العربي إلى 75% أو أكثر، بما يمنع نتنياهو أو سموتريتش من البقاء في السلطة.

وأعلن عن تحالف انتخابي يضم الجبهة والتجمع والعربية للتغيير، معربا عن أسفه لرفض الحركة الإسلامية حتى الآن الانضمام إليه رغم دعوات متكررة "سرا وعلنا"، مع بقاء نحو ثمانية أيام على تقديم القوائم النهائية. وقال إنه في حال تعذرت الوحدة الكاملة، يجب أن يكون البديل قائمتين فقط مرتبطتين باتفاق فائض أصوات، لا ثلاث قوائم كما جرى سابقا.

من جانبها، قالت أم جهاد رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية لوطن إن هدف الندوة يتمثل في تثقيف المجتمع الفلسطيني، بمن في ذلك النساء، حول ما يجري في الداخل الفلسطيني وفي إسرائيل، ولا سيما الانتخابات المقبلة وانعكاساتها على الواقع الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

وأكدت أن تأثير الانتخابات الإسرائيلية على القضية الفلسطينية مباشر، في ظل محاولات اليمين حسم ملفات كبرى، وفي مقدمتها مشاريع الضم، مشددة على أن صمود الشعب الفلسطيني يبقى العامل الأهم في مواجهة ما وصفته بالمؤامرات التي تستهدف القضية الفلسطينية.
ورأت أن المشاركة السياسية يمكن أن تسهم في دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، والوصول إلى سلام عادل يضمن حقوق الفلسطينيين وينهي الحرب وإراقة الدماء.

القضية الفلسطينية.. وقودا للحملات الانتخابية
بدورها، قالت عضوة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ريما نزال لوطن إن الحملات الانتخابية الإسرائيلية لطالما جرت على حساب الفلسطينيين والأرض الفلسطينية، من خلال تكثيف الاعتقالات وملاحقة المناضلين الفلسطينيين، إلى جانب توسيع الاستيطان وإقامة البؤر الاستيطانية.

ورأت أن هذه الممارسات والانتهاكات تتحول إلى أدوات في الحملات الانتخابية، بهدف استقطاب مزيد من أصوات الناخبين، في ظل انحياز متزايد داخل المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين الاستيطاني والعنصري.

وقالت إن المجتمع الإسرائيلي يتجه بصورة متزايدة نحو يمين "يتغذى على دماء الفلسطينيين"، معتبرة أن التمايز بين الأحزاب الصهيونية المختلفة في التعامل مع القضية الفلسطينية محدود، وأن الاختلاف بينها يتعلق بالدرجة أكثر من اختلافه في الجوهر.

وأضافت أن شخصيات وأحزابا إسرائيلية مختلفة، بما فيها ما يوصف بالتيارات المعارضة أو اليسارية، تتفق في مواقفها الأساسية المتعلقة بالاستيطان والضم، مشيرة إلى عدم وجود تمايز نوعي حقيقي بين توجهات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وشخصيات أخرى في المعسكر السياسي الإسرائيلي.

ولفتت إلى أن قضايا داخلية، ولا سيما ملف الإصلاح القضائي، قد تشكل موضوعا مهما في المنافسة السياسية داخل إسرائيل، إلا أن انحياز المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين يدفع الأحزاب إلى استخدام الخطاب المتطرف والممارسات ضد الفلسطينيين لكسب المزيد من الأصوات.

لا تغيير جوهريا بإسقاط الحكومة
في المقابل، قالت القيادية في حزب الشعب عفاف غطاشة لوطن إن الشارع الفلسطيني يترقب الانتخابات الإسرائيلية، لكنه لا يعتقد أن إسقاط الحكومة الحالية سيؤدي بالضرورة إلى تغيير جذري في الواقع الفلسطيني.
وأشارت إلى أن الحكومة الإسرائيلية والمعارضة تعيشان، بحسب رؤيتها، أزمة سياسية، وأنه لا توجد في الأفق عملية سياسية حقيقية يمكن أن تحدث تغييرا جوهريا في الواقع الفلسطيني.

وأكدت أن ما يمكن أن يحدث تغييرا حقيقيا هو صمود الفلسطينيين وتعزيز قدرتهم على البقاء والثبات، إلى جانب الاستفادة من الانتخابات الإسرائيلية عبر تعزيز حضور القوائم العربية ووحدتها، باعتبار ذلك إحدى الأدوات المتاحة للتأثير في المشهد السياسي الإسرائيلي والحد من قدرة اليمين المتطرف على الاستمرار في الحكم.

حرب غزة.. "حرب إبادة"
ووصف عودة الحرب على غزة بأنها تستحق، وفق تسميتها الرسمية القانونية، وصف "حرب إبادة"، مستشهدا بتصريحات نسبها إلى مسؤولين إسرائيليين عبّروا عن نية إبادة القطاع دون تمييز بين مدنيين ومقاتلين، متسائلا عن معنى قتل نحو 20 ألف طفل وتدمير عمارات سكنية وجامعات ومستشفيات بأكملها.
ومع ذلك، ميّز بين حجم المجزرة، الذي قال إنه أكبر بكثير من النكبة الأولى من حيث عدد الضحايا، وبين مآلاتها السياسية، التي رأى أنه "ليس من الضرورة" أن تماثل نتائج النكبة الأولى.
ورأى عودة أن الحرب، خلافا لحرب 1948 التي احتفل بها المجتمع اليهودي في الشوارع، لم تترك أيا من الجانبين "سعيدا"، واصفا الحالة العامة في إسرائيل بأنها "مكتئبة".

واعتبر أن الحرب أسقطت أيديولوجيا اليمين الإسرائيلي القائمة على أن القوة تحسم الصراع، تماما كما أسقطت اتفاقيات أوسلو أيديولوجيا اليسار القائمة على أن السلام يحل القضية، طالما أن نحو 7.5 ملايين فلسطيني ونحو العدد ذاته من اليهود ما زالوا يتقاسمون الأرض بين النهر والبحر.
وفي قراءته لمسار نتنياهو، اعتبر عودة أن مشروعه القائم على تجاوز القضية الفلسطينية عبر التطبيع الإقليمي "انفجر" في وجهه في السابع من أكتوبر، تماما كما كانت لكل رئيس وزراء إسرائيلي سابق محطته الفارقة، من بن غوريون إلى رابين وأوسلو وشارون والانسحاب من غزة.
وقال إن نتنياهو حاول محو هذه المحطة عبر مشروع "تغيير الشرق الأوسط"، لكنه ارتكب خطأ إضافيا بخوض حرب جديدة أثبتت أن المنطقة لم تتغير، ليبقى السابع من أكتوبر أبرز محطة في مسيرته، وهو ما يسعى، بحسب عودة، إلى محوه على حساب الفلسطينيين عبر جعل تصفية قضيتهم إنجازه البديل.

المشهد الإقليمي والدولي
وأشار عودة إلى أن ثلاثة مشاريع إقليمية تتنافس في المنطقة اليوم: الإسرائيلي والتركي والإيراني، وأن القضية الفلسطينية تمثل العقدة المركزية في هذه المشاريع الثلاثة جميعا.
ولفت إلى دور سعودي متصاعد خلال السنوات الثلاث الأخيرة، معتبرا أنه يجب أن يتحول من مشروع إقليمي إلى مشروع عالمي تلتف حوله نحو 180 دولة حول المبادرة السعودية الفرنسية.
كما أشار إلى أن استطلاعات الرأي العالمي تُظهر أن نحو 75% من الأمريكيين و85% من الأوروبيين يناصرون القضية الفلسطينية اليوم، واصفا ذلك بأنه "تغير نوعي جذري" يجب الحفاظ عليه وترجمته إلى وقائع فعلية على الأرض، لا الاكتفاء بالتعاطف الدولي وحده.

كلفة الاحتلال تتصاعد
ويرى عودة أن الاحتلال لا ينتهي إلا حين يصبح مكلفا بما يكفي لإسرائيل، لافتا إلى أن ميزانية الأمن الإسرائيلية ارتفعت بنحو 420 مليار شيكل على حساب باقي الوزارات، ومن المتوقع أن تتضاعف خلال العقد المقبل، مشيرا إلى أن إسرائيل وكوريا الشمالية تتصدران باستمرار قوائم الدول الأكثر إنفاقا نسبيا على الأمن في العالم.
وعلى المستوى الداخلي، أشار إلى أزمة "الانقلاب على القضاء" التي أخرجت مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الشوارع قبل نحو أربع سنوات، معتبرا أن اليمين سعى إلى تقويض صلاحيات القضاء لأن المحكمة كانت تفرض بعض التوازن في قضايا محددة، من بينها بعض قضايا سرقة الأراضي الفلسطينية الخاصة.

وانتقد استمرار لجنة الانتخابات المركزية في محاولة إقصاء القوائم العربية من الترشح في كل دورة تقريبا، رغم أن المحاكم كانت تعيدها لاحقا، معتبرا أن هذا النمط يعكس عجز اليمين عن الحكم بشكل كامل ومباشر.
واستشهد بمفارقة تاريخية، مفادها أن الناخب الإسرائيلي صوّت تقليديا لليمين، لكنه حصل، في مفارقة متكررة، على قرارات أقرب إلى اليسار، من صلح بيغن مع مصر إلى اتفاقية الخليل في عهد نتنياهو نفسه عام 1996، إلى انسحاب شارون من غزة ومفاوضات أولمرت مع الرئيس محمود عباس حول تقسيم القدس.

بين صندوق الاقتراع ومشروع التحرر
وفي ختام كلمته، دعا عودة أبناء الشعب الفلسطيني إلى الاعتزاز بصمودهم خلال السنوات الأخيرة، واصفا هذا الصمود بأنه "بطولي بكل معنى الكلمة"، محذرا في الوقت نفسه من اختزال مستقبل القضية الفلسطينية في نتيجة انتخابات الكنيست، رغم إقراره بأن هذه الانتخابات مبنية فعليا على القضية الفلسطينية.
وشدد على أن إنجازات دولية مهمة تحققت أخيرا، من بينها اعتراف فرنسا وبريطانيا بدولة فلسطين، لكنها لا تغني عن الحاجة إلى مشروع تحرري شامل لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
وأوضح أنه يتبنى، لاعتبارات الواقعية السياسية، صيغة "دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية"، رغم اعتزازه الشخصي بالقدس كاملة، مؤكدا أن هذا الموقف يأتي احتراما لتضحيات الشهداء ولحقوق الأحياء في آن واحد.

 

[video]https://www.youtube.com/watch?v=ZvV-2-em2Uk[/video]