
رام الله – وطن: بعد نحو ثلاثين عاماً على خوض سميحة خليل أول تجربة نسائية فلسطينية في السباق الرئاسي، عاد سؤال وصول المرأة إلى قمة الهرم السياسي إلى الواجهة، وسط تأكيدات بأن العائق لم يعد قانونياً بقدر ما يرتبط ببنية النظام السياسي، والأحزاب، وغياب التداول الانتخابي، واستمرار عقلية تفضّل الرجال في مواقع صنع القرار.
وقالت عضو المجلس الثوري لحركة فتح د. دلال عريقات إن تجربة سميحة خليل في انتخابات عام 1996 أثبتت منذ وقت مبكر أن المجتمع والنظام السياسي الفلسطيني قادران على تقبل امرأة تنافس على الموقع السياسي الأول، معتبرة أن المشكلة اليوم لا تكمن في قدرات النساء أو كفاءتهن، وإنما في جملة من العوامل الحزبية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحد من وصولهن إلى قمة الهرم.
وأضافت عريقات أن انقطاع الانتخابات الرئاسية منذ عام 2005 حرم المجتمع الفلسطيني من "الدوران الصحي" للعملية الانتخابية، وبالتالي لم تتح الفرصة لتطور المشاركة السياسية بصورة طبيعية، سواء للنساء أو الرجال.
وأشارت إلى أن القانون والنظام السياسي الفلسطينيين لا يتضمنان، من حيث المبدأ، ما يمنع المرأة من الوصول إلى الرئاسة، لكن "المحددات المجتمعية والاقتصادية والحزبية" ما تزال أكثر تأثيراً من النصوص القانونية.
عريقات: السقف الزجاجي ما يزال أقرب إلى المرأة
وقالت عريقات إن النساء موجودات داخل الفصائل الفلسطينية ويشاركن في الهيئات الحزبية المختلفة، إلا أن التحدي يبدأ كلما اقتربت المرأة من المواقع القيادية العليا.
وأضافت أن "العقلية البطريركية داخل البنية الحزبية الفلسطينية تجعل السقف الزجاجي أقرب إلى رأس المرأة منه إلى الرجل"، مشددة على أن الأمر لا يرتبط بقدرات المرأة أو كفاءتها، وإنما بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية تراكمت على مدى سنوات.
ولفتت عريقات إلى أن رفع نسبة تمثيل النساء في بعض مؤسسات منظمة التحرير إلى نحو 30% يمثل تطوراً مهماً، لكنه لا يكفي ما لم ينعكس في زيادة فعلية لحضور المرأة داخل مراكز صنع القرار العليا.
وقالت إن المطلوب ليس فقط الوصول إلى نسبة تمثيل محددة، وإنما تمكين النساء من المنافسة الحقيقية على المواقع القيادية الأولى، مؤكدة أن الفجوة لا تزال قائمة بين القرارات التي تدعو إلى تعزيز مشاركة المرأة وبين تطبيقها عملياً.
16 امرأة في فتح وصلن بالمنافسة لا بالكوتا
واستشهدت عريقات بانتخابات المجلس الثوري لحركة فتح، قائلة إن 16 امرأة حصلن على أصوات مرتفعة ووصلن بالمنافسة الكاملة وليس من خلال الكوتا، معتبرة أن هذه النتيجة تؤكد أن المرأة قادرة على المنافسة عندما تتاح لها الفرصة.
ورأت أن هذه التجربة يجب أن توجه رسالة إلى حركة فتح وبقية الفصائل بأن تمكين المرأة لا ينبغي أن يتوقف عند ضمان موقع لها في القوائم الانتخابية، بل يجب أن يمتد إلى إعداد قيادات نسائية للمنافسة على المواقع السياسية العليا.
وأكدت أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تواجهه الأحزاب الفلسطينية اليوم هو: كم امرأة توجد فعلياً داخل الدوائر التي تُتخذ فيها القرارات الكبرى؟ وكم حزباً يمتلك استراتيجية واضحة لتأهيل امرأة يمكن أن تصبح مستقبلاً مرشحة للرئاسة أو لرئاسة الحكومة؟
عريقات: المرأة موجودة في كل مكان.. وتختفي عند القمة
وقالت عريقات إن المفارقة في الواقع الفلسطيني تتمثل في أن النساء حاضرات في العمل الوطني، والنقابات، والجامعات، والمجتمع المدني، والمؤسسات العامة والخاصة وحتى داخل الأحزاب، لكن نسبتهن تتراجع بصورة حادة عند الوصول إلى قمة الهرم القيادي.
وأشارت إلى أن دراسات تناولت تمثيل المرأة في مراكز صنع القرار أظهرت أن حضورها في عدد من القطاعات أقل بكثير من مستوى تعليمها وكفاءتها وخبرتها، مؤكدة أن ارتفاع نسبة الخريجات وحملة الشهادات لا ينعكس بالقدر نفسه على رئاسة المؤسسات ومجالس الإدارة والمواقع القيادية.
وشددت على أن المجتمع الفلسطيني ما يزال، في جوانب عديدة، يفضل الرجال في مواقع صنع القرار، ما يفرض على المرأة تجاوز عقبات وتحديات أكبر حتى تثبت أنها تستحق الموقع نفسه الذي قد يصل إليه الرجل بجهد أقل.
النتشة: المشكلة ليست في رفض المجتمع للمرأة
من جانبها، قالت عضو المكتب السياسي لحزب فدا رتيبة النتشة إن المشكلة الأساسية لا تكمن في رفض المجتمع الفلسطيني للمرأة، مشيرة إلى أن التجارب الانتخابية داخل الأحزاب أظهرت أنه عندما تتاح للنساء فرصة حقيقية للمنافسة فإنهن يحصلن على أصوات متقدمة.
وأضافت أن النساء في عدد من الأحزاب السياسية تمكنّ من الوصول إلى مواقع متقدمة في اللجان المركزية والمكاتب السياسية عندما فُتح المجال أمام المنافسة، ما يؤكد، بحسب رأيها، أن انتخاب المرأة ليس أمراً مستبعداً فلسطينياً.
لكن النتشة حذرت في الوقت نفسه من وجود تراجع في النظرة المجتمعية إلى دور المرأة مقارنة بمراحل سابقة، معتبرة أن النساء كن أكثر حضوراً في المجال العام خلال الانتفاضة وفي الاتحادات الشعبية، وأن المساحة المتاحة أمامهن آنذاك كانت في بعض الجوانب أوسع مما هي عليه اليوم.
وأضافت أن المشكلة الأوسع تكمن في "تكلس" الحياة السياسية وغياب الانتخابات الدورية، ما حرم أجيالاً كاملة من المشاركة السياسية والمنافسة الطبيعية على مواقع القيادة.
النتشة: التكلس السياسي يضرب النساء والشباب معاً
وقالت النتشة إن الحديث عن ضعف وصول النساء إلى المواقع العليا يجب ألا ينفصل عن الأزمة العامة في النظام السياسي الفلسطيني، موضحة أن غياب التداول الانتخابي لا يضر بالمرأة وحدها، وإنما يمنع أيضاً الشباب والوجوه الجديدة من كلا الجنسين من الوصول إلى مواقع متقدمة.
ورأت أن البيئة السياسية الفلسطينية لم تتح للنساء والشباب فرصة كافية لإظهار قدراتهم القيادية، مؤكدة أن المجتمع يمتلك نساء وشباباً لديهم المؤهلات اللازمة للمنافسة على أعلى المواقع، لكن المساحة السياسية لم تُفتح أمامهم بالشكل المطلوب.
من زهيرة كمال إلى غياب المرشحات
واستعادت النتشة تجربة حزب فدا، الذي تولت زهيرة كمال أمانته العامة سابقاً، معتبرة أن التجربة شكلت سابقة مهمة ليس فقط فلسطينياً وإنما عربياً، وشجعت نساء أخريات على التفكير في تولي قيادة الأحزاب.
لكنها أقرت بوجود مفارقة في الدورة الأخيرة لانتخابات الأمانة العامة للحزب، إذ كان المرشحون الخمسة جميعهم رجالاً ولم تتقدم امرأة للمنافسة، رغم أن الحزب سبق أن قادته امرأة، وضم في بعض المراحل نسبة مرتفعة من النساء داخل مكتبه السياسي.
وأكدت النتشة أن ذلك لا يعود إلى وجود نص داخلي يمنع ترشح النساء أو إلى غياب قيادات نسائية، بقدر ما يرتبط بظروف سياسية وتنظيمية وبيئة عامة تمنح المرشحين الرجال دعماً وفرصاً أكبر.
النتشة: الرجال يحظون بدعم سياسي وإعلامي ومالي أكبر
وقالت النتشة إن البيئة السياسية المحيطة بالمرشحين ما تزال تميل في كثير من الأحيان إلى دعم الرجال بصورة أكبر، سواء من حيث الظهور الإعلامي أو الإمكانات المالية أو شبكات الدعم السياسي والاجتماعي.
واعتبرت أن هناك "حاجزاً زجاجياً غير مرئي" يمنح الرجال أفضلية قبل بدء المنافسة نفسها، حتى عندما لا يتضمن القانون أو النظام الداخلي للأحزاب أي تمييز مباشر ضد النساء.
وأضافت أن النسب التي تتحدث عن 30% أو 40% من مشاركة النساء لا تعني تلقائياً تحقيق المساواة، لأن النظام السياسي والقيادي بطبيعته هرمي، وكلما اقتربت المنافسة من رأس الهرم تقل احتمالات وجود المرأة إذا كانت قاعدة المشاركة الأصلية غير متكافئة.
هل المجتمع الفلسطيني مستعد لرئيسة؟
وعن فرص وصول امرأة إلى الرئاسة، قالت النتشة إن المجتمع الفلسطيني ليس رافضاً للنساء، وإن وجود امرأة تمتلك الخبرة السياسية والوطنية والكفاءة نفسها التي يمتلكها منافس رجل قد يدفع الناخبين إلى منحها أصواتهم.
وذهبت إلى أبعد من ذلك بالقول إن الفلسطينيين "جربوا الرجال"، وإن وجود مرشحة قوية ومؤهلة قد يجعل قطاعات من المجتمع مستعدة لتجربة خيار مختلف، معتبرة أن المشكلة الرئيسية ليست في الناخب وحده، وإنما في النخب السياسية التي تتحكم بمن يصل أساساً إلى دائرة المنافسة.
وأكدت أن التجارب الانتخابية داخل عدد من الأحزاب أظهرت أن النساء حصلن على نتائج متقدمة كلما خضن المنافسة بصورة فعلية، الأمر الذي يعني أن المجتمع أكثر استعداداً لتقبل المرأة مما قد توحي به تركيبة النخب السياسية.
نحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية..
وشددت النتشة على ضرورة تغيير "قواعد اللعبة السياسية"، معتبرة أن التركيز يجب أن ينصب بصورة أساسية على النخب والأحزاب التي تستطيع صناعة تغيير سريع وفتح المجال أمام النساء والشباب.
كما دعت إلى تطوير الإطار القانوني الناظم للحياة الحزبية، مشيرة إلى أن مسودة قانون الأحزاب الفلسطينية ما تزال معلقة، وأن وجود حياة حزبية منظمة وقواعد واضحة للترشح والمنافسة يشكل جزءاً أساسياً من أي عملية إصلاح سياسي حقيقية.
وبين حديث عريقات عن "عقلية بطريركية" تجعل السقف الزجاجي أقرب إلى المرأة، وتشديد النتشة على أن المجتمع قد يكون أكثر استعداداً من النخب السياسية لانتخاب امرأة، يبقى السؤال مفتوحاً قبل أي انتخابات رئاسية مقبلة:
هل تستطيع الأحزاب الفلسطينية الانتقال من الحديث عن تمثيل المرأة إلى صناعة قيادات نسائية قادرة على المنافسة على الموقع السياسي الأول؟
فبعد ثلاثة عقود من تجربة سميحة خليل، لم يعد السؤال ما إذا كانت المرأة الفلسطينية قادرة على دخول السباق الرئاسي، بل ما إذا كانت المنظومة السياسية نفسها مستعدة لأن تمنحها فرصة حقيقية للوصول إلى خط البداية.