البلدة القديمة في الخليل.. معركة يومية على الهوية والمكان

29/08/2026

وطن للأنباء: في قلب مدينة الخليل، يتخذ الاستيطان شكلا استثنائيا يميّزه عن أنماط التوسع الاستيطاني في مناطق أخرى من الضفة الغربية؛ فالبؤر الاستيطانية لا تقتصر على أطراف المدينة أو محيطها، بل تتغلغل في قلب البلدة القديمة وبين الأحياء السكنية، في مشهد يستحضر ما تشهده مدينة القدس.

ورغم المكانة التاريخية والثقافية للبلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي، المدرجين على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، وكذلك على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، تتواصل الإجراءات التي يقول فلسطينيون إنها تستهدف تغيير هوية الخليل وطمس معالمها التاريخية والحضارية، وفرض واقع جديد على واحدة من أقدم مدن فلسطين.

ويقول رئيس بلدية الخليل، المهندس يوسف الجعبري، لـ"وطن للأنباء"، إن الاستيطان في الخليل يختلف في طبيعته عن باقي مناطق الضفة الغربية، موضحا أن الاستيطان يشمل، إلى جانب المستوطنات المقامة في محيط المدينة وعلى الجبال القريبة منها، إقامة بؤر استيطانية داخل النسيج العمراني للمدينة.

ويضيف الجعبري أن "الأخطر هو ما يحصل من إقامة بؤر استيطانية جديدة في قلب مدينة الخليل"، مشيرا إلى ما وصفه بالاعتداءات على مبنى البلدية وساحاتها وحدائقها، إلى جانب ما يعتبره مساسا بصلاحيات بلدية الخليل، ولا سيما في ما يتعلق بالتنظيم والبناء في تلك المناطق.

كما يشير إلى ما وصفه بمحاولات تغيير معالم الحرم الإبراهيمي، قائلا إن الإجراءات الأخيرة المتعلقة بسقف الحرم تشكل، من وجهة نظره، جزءا من محاولات تغيير طابع المسجد الإسلامي التاريخي.

وفي البلدة القديمة، لم تعد آثار الاستيطان تقتصر على وجود محدود؛ إذ يقول مدير عام لجنة إعمار الخليل، مهند الجعبري، لـ"وطن للأنباء"، إن المنطقة كانت قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تشهد اعتداءات ومضايقات متواصلة من المستوطنين وقوات الاحتلال، إلا أن الأوضاع تصاعدت بصورة أكبر بعد ذلك التاريخ.

ويوضح الجعبري لـ"وطن للأنباء"، أن عدد الوحدات الاستيطانية داخل قلب البلدة القديمة ارتفع، بحسب تقديرات لجنة الإعمار، من خمس وحدات إلى نحو 12 وحدة استيطانية موزعة على مساحة لا تتجاوز كيلومترا مربعا.

ويأتي هذا التوسع في سياق مسار طويل من السيطرة على العقارات والمباني في البلدة القديمة؛ إذ بدأت عمليات الاستيلاء على المباني واستخدامها لإقامة بؤر استيطانية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكان من أبرزها إقامة بؤرة "بيت هداسا/الدبويا" عام 1979، ثم الحي الاستيطاني "إبراهيم أفينو" عام 1980، و"بيت رومانو" عام 1983، تلاه إنشاء بؤرة استيطانية في تل الرميدة عام 1984.

ومنذ ذلك الحين، تواصلت عمليات الاستيلاء على العقارات والمباني، وصولا إلى السيطرة على مبنى بلدية الخليل القديم، في ظل واقع سياسي وقانوني أعقب توقيع بروتوكول الخليل عام 1997، الذي قسّم المدينة إلى منطقتي H1 وH2.

ولا تقتصر تداعيات هذا الواقع على المشهد العمراني؛ فالسكان وأصحاب المحال التجارية في البلدة القديمة يواجهون، بحسب شهاداتهم، قيودًا ومضايقات تؤثر بصورة مباشرة على حياتهم اليومية وعلى الحركة التجارية.

ويقول وسيم الجعبري، صاحب محل تجاري في البلدة القديمة، لـ"وطن للأنباء"، إن أصحاب المحال والتجار يواجهون مضايقات متكررة من الجنود والمستوطنين، مشيرًا إلى تعرض متجره لأكثر من مداهمة ومضايقة، لا سيما بسبب طبيعة المنتجات الفلسطينية التي يبيعها، من أساور وميداليات وغيرها.

أما محمد رشاد، صاحب صالون حلاقة في البلدة القديمة، فيشير إلى أن اقتحامات الحرم الإبراهيمي والإجراءات الأمنية المصاحبة لها تنعكس على حركة المواطنين، إضافة إلى الانتشار المكثف للجنود وعمليات التفتيش والتضييق التي يقول إنها باتت جزءًا من الحياة اليومية في المنطقة.

ولا تقتصر القيود، وفق لجنة إعمار الخليل، على السكان والتجار؛ إذ يقول مديرها العام مهند الجعبري إن اللجنة تواجه منعًا من دخول الحرم الإبراهيمي لتنفيذ أعمال الصيانة والترميم، رغم مسؤوليتها المباشرة عن هذا الملف.

ويضيف أن اللجنة تواجه كذلك قيودا على دخول المناطق المغلقة والخروج منها، إلا أنها، رغم هذه الظروف، تمكنت من إعادة عشرات العائلات للسكن في البلدة القديمة خلال الفترة الماضية، في إطار مساعيها لتعزيز الوجود الفلسطيني والحفاظ على الحياة فيها.

ويرى رئيس بلدية الخليل، المهندس يوسف الجعبري، أن مواجهة ما يجري تتطلب تحركا على المستويين المحلي والدولي، مؤكدًا أن البلدية تعمل على توثيق هذه الإجراءات ولفت أنظار المجتمع الدولي إليها، إلى جانب بحث المسارات القانونية الممكنة.

ويقول الجعبري إن الهدف، من وجهة نظره، يتمثل في إفراغ البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي من سكانهما الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل، بما يفتح المجال أمام تغيير هوية المنطقة وواقعها التاريخي.

ورغم عقود من التضييق والاعتداءات والإجراءات التي يقول السكان إنها تستهدف وجودهم، يصر الفلسطينيون في البلدة القديمة على البقاء وتعزيز صمودهم، باعتبار أن استمرار الحياة فيها يشكل عنصرًا أساسيًا في حماية المكان والحفاظ على هويته.

ويرى أصحاب المحال التجارية أن تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في البلدة القديمة يمثل أحد أهم وسائل دعم صمود السكان.

ويقول وسيم الجعبري إن زيارة المواطنين من مختلف محافظات الضفة الغربية للحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة بصورة مستمرة تسهم في إبقاء المنطقة عامرة بالحركة والزوار.

وتشارك فداء أبو صالح، وهي مواطنة من نابلس، هذا الموقف، داعية إلى تشجيع السياحة الداخلية وزيارة الخليل وأسواق البلدة القديمة، قائلة إن غياب الزوار يزيد من صعوبة الواقع الذي يعيشه السكان والتجار.

من جهتها، تؤكد صاحبة مخيطة في البلدة القديمة، غادة عاهد، أهمية حماية البلدة القديمة والحفاظ عليها، باعتبارها جزءًا أصيلًا من التاريخ والهوية الفلسطينية.

ويؤكد رئيس بلدية الخليل أن البلدية تواصل العمل على تعزيز صمود السكان وتوفير الخدمات لهم، مع متابعة حثيثة للتطورات التي تشهدها البلدة القديمة.

ويأتي ذلك في وقت يحظى فيه المسجد الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل بمكانة استثنائية على المستوى الدولي، باعتبارهما من المواقع ذات القيمة التاريخية والثقافية العالمية.

وبموجب قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، تلتزم أطراف النزاع بحماية الممتلكات الثقافية واحترامها واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها.

وبينما يواصل سكان البلدة القديمة مواجهة واقع استيطاني وأمني متغير، تبقى المعركة بالنسبة لهم أبعد من صراع على العقارات والمباني؛ إنها معركة للحفاظ على هوية مدينة، وصون ذاكرة مكان، والإبقاء على الحياة الفلسطينية في قلب الخليل القديمة.