
وطن للأنباء: لم تعد الحملة الانتخابية تبدأ من المقرات واللافتات والجولات الميدانية وحدها؛ فمع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، باتت شاشة الهاتف واحدة من أهم ساحات التنافس السياسي، خصوصًا أمام النساء والشابات الراغبات في خوض التجربة الانتخابية للمرة الأولى.
وفي حلقة جديدة من منصة "مواطنات"، التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، ناقش خبير التواصل الرقمي والتسويق إياد الرفاعي، ومديرة المرصد الفلسطيني للتحقق والتربية الإعلامية "كاشف" ريهام أبو عيطة، كيفية توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في بناء حضور سياسي للنساء والشابات، وتحويل الحساب الشخصي إلى منصة انتخابية قادرة على الوصول إلى الجمهور والتعريف بالمرشحة وبرنامجها.
وأكد الرفاعي أن امتلاك هاتف وحساب على منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لحملة انتخابية، لكنه شدد على أن الاستخدام الفعّال لهذه الأدوات يحتاج إلى خطة واضحة وتدريب ومواكبة مستمرة لتغيرات المنصات وخوارزمياتها.
وأوضح أن المرشحة الراغبة في خوض الانتخابات لا ينبغي أن تنتظر بدء فترة الدعاية الانتخابية حتى تبدأ حضورها الرقمي، بل عليها بناء صفحتها وجمهورها وعلاقتها مع المتابعين قبل ذلك بوقت كافٍ، حتى لا تبدو وكأنها لجأت إلى الجمهور فقط لحظة طلب أصواته.
وأشار إلى أهمية تنويع المنصات بحسب الجمهور المستهدف، لافتًا إلى استمرار أهمية فيسبوك في فلسطين، بالتزامن مع حضور تيك توك وإنستجرام بصورة أكبر لدى الأجيال الشابة، خصوصًا الجيل "Z".
أول 3 ثوانٍ.. قد تحسم مصير الرسالة الانتخابية
وفيما يتعلق بالمحتوى، دعا الرفاعي المرشحات إلى عدم تحويل صفحاتهن إلى نسخة رقمية جامدة من برنامج انتخابي مليء بالنصوص، مؤكدًا أن طبيعة المنصات تفرض تقديم القضايا السياسية والاجتماعية بلغة مبسطة وأشكال متنوعة، من الفيديوهات القصيرة والريلز إلى الصور والبطاقات والإنفوغراف.
وأوضح أن على المرشحة استثمار الثواني الأولى من الفيديو، مشيرًا إلى أن الجمهور يحدد خلال نحو ثلاث إلى خمس ثوانٍ ما إذا كان سيواصل المشاهدة أم ينتقل إلى محتوى آخر.
وبحسب الرفاعي، فإن المرشحة مطالبة بالموازنة بين صورتها كسياسية وبين حضورها كإنسانة قريبة من الناس، قائلًا إن الخطاب السياسي عبر وسائل التواصل لا يشترط دائمًا المظهر الرسمي أو اللغة المتكلفة، بل يحتاج إلى عفوية وتنوع في الشكل والمضمون، مع مراعاة طبيعة القضية والجمهور والثقافة المحلية.
كما شدد على ضرورة فهم خصوصية كل منصة، ومتابعة التحديثات المستمرة في خوارزمياتها، بدل الاعتماد على نمط واحد من المحتوى، مشيرًا إلى اختلاف الأفضلية بين الريلز والكاروسيل والفيديوهات وغيرها من صيَغ النشر باختلاف المنصة وتحديثاتها.
ريهام أبو عيطة: المرأة تواجه تحديًا مضاعفًا على المنصات الرقمية
من جهتها، أكدت ريهام أبو عيطة أن الحضور الرقمي لم يعد خيارًا ثانويًا في أي معركة انتخابية، لكنه في السياق الفلسطيني يضع النساء أمام تحديات إضافية، في ظل استمرار الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي والتضليل الذي يستهدف النساء ويشكك في أهليتهن للوصول إلى مواقع صنع القرار.
ودعت أبو عيطة المرشحات إلى البدء بتحديد هدف واضح للحملة ورسالة محددة وعدم محاولة تقديم وعود تتناول كل القضايا في الوقت ذاته.
وشددت على أهمية بناء الخطاب الانتخابي على الحقائق والأرقام والحلول العملية، معتبرة أن هذا النهج يمكن أن يقلل من مساحة التشكيك في مصداقية المرشحة ويمنح الجمهور صورة أوضح عما تريد تحقيقه.
التنمر وخطاب الكراهية.. لا تنتظري الهجوم حتى يبدأ
وفي مواجهة التنمر وخطاب الكراهية والتضليل، دعت أبو عيطة المرشحات إلى إعداد استراتيجية مسبقة للتعامل مع هذه الهجمات، بدل اتخاذ القرارات تحت ضغط اللحظة.
وقالت إن المرشحة تحتاج إلى معرفة متى ترد، ومتى توضح، ومتى تتجاهل، محذرة من الانجرار إلى "حرب التعليقات" التي قد تستنزف المرشحة نفسيًا ووقتها.
كما شددت على أهمية توثيق الهجمات وأرشفتها عند الحاجة، ووجود فريق موثوق يتولى متابعة الحسابات والتعليقات، بحيث لا تضطر المرشحة إلى قراءة كل ما يكتب عنها أو الدخول في مواجهة مباشرة مع كل منتقد أو مهاجم.
الانتشار بلا ميزانية؟ ممكن.. لكن الوصول المدفوع أصبح جزءًا من اللعبة
وفي الجانب المتعلق بتمويل المحتوى، أوضح الرفاعي أن الوصول العضوي يمكن تعزيزه عبر محتوى بسيط وقريب من الناس، والاستفادة من القضايا والأحداث التي تشهد تفاعلًا واسعًا، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الترويج المدفوع أصبح جزءًا مهمًا من المنافسة على انتباه الجمهور.
وحذر من التعامل العشوائي مع الإعلانات السياسية، مؤكدًا ضرورة الالتزام بسياسات المنصات وإعداد الحسابات بصورة صحيحة، والاستعانة بمختصين عند الإمكان، حتى لا تهدر المرشحة أموالها دون تحقيق نتائج فعلية.
وأشار كذلك إلى إمكانية استفادة المرشحات من أدوات الذكاء الاصطناعي والتعلم الذاتي لاكتساب الحد الأدنى من المهارات اللازمة لإدارة حضورهن الرقمي، مع التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي أداة لرفع كفاءة المنتج وليس بديلًا عن الجهد البشري.
من "الإعجاب" إلى الثقة.. المعركة الحقيقية
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، خلصت الحلقة إلى أن التحدي أمام النساء والشابات لا يتمثل فقط في زيادة أعداد المتابعين والمشاهدات، بل في تحويل الحضور الرقمي إلى علاقة سياسية قائمة على الثقة والنقاش والمشاركة.
فالمرشحة، وفق ما خلص إليه ضيفا الحلقة، تحتاج إلى أن تجيب بوضوح عبر حضورها الرقمي عن أسئلة الناخبين الأساسية: من أنا؟ ماذا أؤمن؟ ما المشكلة التي أريد حلها؟ وماذا سأفعل إذا وصلت إلى المجلس التشريعي؟
وبذلك، لا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي بديلًا عن العمل السياسي والميداني، وإنما أداة إضافية يمكن للنساء والشابات من خلالها كسر بعض الحواجز التقليدية، والوصول مباشرة إلى الناخبين، وبناء حضور سياسي يبدأ قبل يوم الاقتراع بوقت طويل.