
كتبت: ناريمان عواد
لا يمكن تناول واقع الشباب الفلسطيني بمعزل عن الاحتلال الإسرائيلي. فالشباب هم في مقدمة الفئات التي تتعرض للقتل والاعتقال والاعتداء، كما يواجهون القيود على الحركة والتنقل، والحواجز العسكرية ، وتقييد حرية التعبير والتجمع والنشاط الرياضي والثقافي.
وتحرم هذه الممارسات آلاف الشباب من حقهم في التعليم والعمل وتزيد من نسبة البطالة، ، وتراجع الفرص التعليمية والتدريبية، والهجرة، إضافة إلى الإحباط الناتج عن الانسداد السياسي والاقتصادي.
ان هذه الانتهاكات لا تستهدف فرداً بعينه فحسب، وإنما تضرب حق جيل كامل في أن يعيش حياة طبيعية وأن يشارك في بناء مستقبله.
ورغم كل هذه المعيقات الشباب الفلسطيني طاقة وإرادة وكفاءة وقدرة على الصمود، يمثلون وقود المستقبل وأحد أهم مفاتيح بناء الدولة الفلسطينية وتعزيز نظامها الديمقراطي وتجديد مؤسساتها.
لذلك يجب وضع سياسات وطنية واضحة لتمكين الشباب اقتصادياً، من خلال دعم المشاريع الصغيرة والريادية، وتشجيع الاستثمار، وتطوير التعليم المهني والتقني، وربط الجامعات باحتياجات سوق العمل، وتوفير برامج تدريب حقيقية تفتح أبواب العمل أمام الخريجين.
كما يجب تعزيز دور القطاع الخاص والمؤسسات الوطنية في خلق فرص عمل جديدة، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والصناعات الإبداعية، بحيث يتحول الشباب من طالبي وظائف إلى شركاء في إنتاج الثروة وبناء الاقتصاد .
يجب ان بفتح المجال أمام الشباب للمشاركة الفاعلة في صناعة القرار.
ان الشباب هم الاكثر استخداماً للتكنولوجيا.
ان ابعادهم عن صنع القرار يعني إبعاد جزء أساسي من المجتمع عن المشاركة في رسم مستقبله.
ومن هنا تبرز أهمية تجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام قيادات شابة تمتلك المعرفة والكفاءة والنزاهة، بما يرسخ مبدأ تداول السلطة ويمنع الجمود السياسي ويعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات.
تشكل الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة فرصة مهمة أمام الشباب الفلسطيني للمشاركة في إعادة بناء الحياة الديمقراطية وتجديد الشرعيات السياسية.
ولذا ينبغي النظر إلى الشباب، باعتبارهم شركاء في صياغة البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومرشحين قادرين على الوصول إلى المجالس التشريعية والهيئات المحلية ومواقع المسؤولية.
إن مشاركة الشباب في الانتخابات تبدأ من حقهم في الترشح والانتخاب، لكنها لا تنتهي عند صندوق الاقتراع. المطلوب أن يكونوا جزءاً من العملية السياسية قبل الانتخابات وبعدها، وأن تكون لهم القدرة على التأثير في السياسات العامة ومراقبة تنفيذ البرامج والوعود الانتخابية.تأتي أهمية تعزيز دور الشباب في الرقابة على أداء السلطة التنفيذية والمؤسسات العامة، واحترام حقهم في الوصول إلى المعلومات والتعبير عن آرائهم، والمشاركة في تقييم السياسات والبرامج العامة.
فالرقابة ليست عداءً للسلطة، بل هي إحدى الوسائل الأساسية لحماية المال العام وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد ورفع كفاءة المؤسسات.
الشباب قادرون ايضا على أن يكونوا جسراً حقيقياً بين مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني. ففي الوقت الذي تتعمق فيه الانقسامات السياسية، تبرز الحاجة إلى جيل جديد يؤمن بأن الاختلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى انقسام وطني.
وتعزيز الوحدة الوطنية يتطلب إشراك الشباب في الحوار الوطني، والاستماع إلى رؤيتهم، وإتاحة المجال أمامهم للعمل المشترك بعيداً عن الاصطفافات الضيقة.
فالشباب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والحواجز والاستيطان والبطالة والقيود على الحركة، يحتاج إلى رؤية وطنية جامعة تضع المصلحة الفلسطينية العليا فوق الحسابات الفصائلية، وتؤسس لشراكة سياسية حقيقية.فالشباب ليسوا وقوداً نستهلكه في الأزمات، ولا أصواتاً نبحث عنها في صناديق الاقتراع، بل هم شركاء في صناعة القرار، وحملة راية المستقبل، وشرارة التغيير التي تستطيع أن تعيد للحياة السياسية الفلسطينية حيويتها وتجددها.
ومن أجل ذلك، نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي وسياسي جديد يمنح الشباب دوراً حقيقياً في صنع القرار، ويضمن مشاركتهم في الانتخابات، ويفتح أمامهم أبواب العمل، ويحمي حقهم في التعبير والحركة والإبداع، ويعزز دورهم في الرقابة والمساءلة، ويضع حداً لتهميشهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
من الضروري ايضا الاستثمار في الطاقات الثقافية والفنية والإبداعية للشباب، وتوفير المساحات التي تسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم، وإقامة المراكز الثقافية والفنية، ودعم المبادرات الشبابية، وتشجيع الأدب والموسيقى والمسرح والسينما والفنون البصرية والرياضة.
ان حماية الشباب الفلسطيني من القتل والاعتقال والاعتداء، وصون حريتهم في التعبير والتنقل والمشاركة السياسية والثقافية والرياضية، يجب أن تكون أولوية وطنية وحقوقية، وأن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته في توفير الحماية للشعب الفلسطيني .