
وطن للأنباء: مع اقتراب الانتخابات التشريعية الفلسطينية، تتقدم قضايا النساء والشابات إلى واجهة البرامج الانتخابية المتوقعة، من التشغيل والتمكين الاقتصادي، إلى الحماية الاجتماعية ومواجهة العنف، لكن خلف هذه الوعود يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: هل ستتحول هذه القضايا إلى أولويات مالية واضحة داخل الموازنة العامة، أم ستبقى في حدود الخطاب الانتخابي؟
هذا الملف ناقشته منصة "مواطنات" التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، حيث استضافت الحلقة الناشطة النسوية والباحثة لميس الشعيبي، ومديرة دائرة الرقابة على السياسات في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان خديجة زهران، في نقاش حول الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي، ودور المجلس التشريعي المقبل في ضمان وصول الموارد العامة إلى النساء والشابات والفئات الأكثر تهميشاً.
وتوضح الشعيبي أن الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي لا تعني موازنة منفصلة للنساء، وإنما "سياسات توجيهية" داخل الموازنة العامة، بحيث تعكس أولويات الإنفاق احتياجات الفئات المهمشة، وفي مقدمتها النساء والشباب.
وترى أن أهمية هذا النهج تتضاعف في ظل الأزمة المالية الفلسطينية، التي تنعكس على قطاعات أساسية كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مشيرة إلى أن النساء في المناطق البعيدة عن مراكز المدن قد يتأثرن بشكل أكبر بتراجع الخدمات، خصوصاً مع عدم انتظام تقديم بعض الخدمات الصحية.
وفي ملف الحماية الاجتماعية، تلفت الشعيبي إلى أن النساء المعنفات يحتجن إلى خدمات مستدامة، بينما تعتمد العديد من برامج الحماية بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي، ما يجعل استمرارها عرضة للأزمة المالية ونقص الموارد. وتضيف أن عدم انتظام الدفعات الاجتماعية للفئات الفقيرة يفاقم بدوره الضغوط على الأسر والنساء.
لكن السؤال لا يتعلق فقط بما تخصصه الحكومة، بل بما إذا كان هذا الإنفاق يصل فعلاً إلى مستحقيه.
وهنا تؤكد خديجة زهران أن الموازنة لا تصبح مستجيبة للنوع الاجتماعي لمجرد أن تتضمن بنوداً مخصصة للمرأة أو الحماية الاجتماعية، موضحة أن الرقابة يجب أن تنتقل من قراءة الأرقام إلى متابعة التنفيذ.
وتقول زهران إن عملية الرقابة تبدأ من معرفة ما إذا كانت الموارد المالية قد خُصصت بالفعل، ثم متابعة ما إذا كانت قد وُجهت إلى البرامج والفئات التي نص عليها قانون الموازنة، وما إذا كانت المشاريع والخدمات قد نُفذت على أرض الواقع. وتوضح أن المتابعة الرقابية أظهرت في بعض الحالات فجوة بين المخصصات المدرجة في الموازنة وبين مستوى التنفيذ الفعلي للبرامج.
وتربط زهران ذلك بأهمية الرقابة التشريعية، مشيرة إلى أن المجلس التشريعي يفترض أن يؤدي دوراً أساسياً في إقرار الموازنة والرقابة على تنفيذها ومساءلة الحكومة، فيما أدى غيابه خلال السنوات الماضية إلى اتساع مساحة الرقابة التي تحاول مؤسسات المجتمع المدني والهيئة المستقلة القيام بها.
وبالنسبة للانتخابات التشريعية المقبلة، ترى زهران أن الناخبين أمام اختبار مهم في قراءة البرامج الانتخابية، فالشعارات من قبيل "الحد من البطالة" أو "حماية النساء" لا تكفي، ما لم يوضح المرشح ما الذي يريد تحقيقه، وبأي نسبة، ولأي فئة، ومن أين سيأتي التمويل.
وتطرح مثالاً على ذلك: إذا وعد مرشح بخفض بطالة الشباب، فعليه أن يحدد هدفاً قابلاً للقياس، وأن يوضح الفئات والمناطق المستهدفة وآلية التمويل، بدلاً من الاكتفاء بشعار عام. وتؤكد أن الفرق بين البرنامج الانتخابي والشعار هو أن الأول يجب أن يكون قابلاً للتطبيق والمساءلة.
ومن زاوية نسوية، ترى الشعيبي أن النساء لا يحتجن فقط إلى حضور في الخطاب الانتخابي، بل إلى سياسات اقتصادية واجتماعية تنعكس في الموازنة، خصوصاً في ملفات التشغيل والحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية.
وتنتقد ما وصفته بتحول بعض القضايا الاجتماعية وحضور النساء في البرامج الانتخابية إلى "ديكور"، إذا لم يكن هناك التزام فعلي بما تتضمنه البرامج من سياسات، معتبرة أن الناخبين باتوا أكثر وعياً بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، وأن الشعارات وحدها لن تكون كافية لاستعادة ثقة الشارع.
في المقابل، تضع زهران مسؤولية إضافية أمام المجلس التشريعي المقبل، تتمثل في الربط بين التشريع والتمويل. فالقوانين المتعلقة بحماية النساء، وفق طرحها، لا يمكن أن تحقق أهدافها من دون كلفة مالية واضحة وآليات تنفيذ، مشيرة إلى أن تطبيق منظومة حماية الأسرة من العنف، على سبيل المثال، يحتاج إلى موارد تشمل مراكز الحماية والشرطة والنيابة والقضاء المتخصص.
كما تشدد على أن الموازنة يجب أن تعكس السياسة التشريعية، بحيث لا يبقى القانون قائماً على الورق، وإنما تُرصد له الموارد اللازمة لتنفيذه.
وبذلك، تضع الانتخابات التشريعية المقبلة ملف الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي أمام اختبار سياسي مباشر: هل ستكون النساء والشابات مجرد عنوان في البرامج الانتخابية، أم ستتحول احتياجاتهن إلى أرقام ومخصصات وسياسات قابلة للتنفيذ والرقابة؟
فالرهان، وفق النقاش، لا يتعلق فقط بنسبة النساء في القوائم الانتخابية أو تكرار عبارات "تمكين المرأة"، وإنما بما سيظهر فعلياً في الموازنة العامة: كم ستخصص النساء والشابات؟ ما الأولويات؟ من سيستفيد؟ وكيف سيُقاس التنفيذ؟ ومن سيحاسب الحكومة والمجلس التشريعي إذا لم تتحول الوعود إلى واقع؟