
كتب عصام غالب عواد: لم يعد السؤال في الولايات المتحدة اليوم هو ما إذا كانت هناك أصوات تنتقد إسرائيل أو تتعاطف مع الفلسطينيين؛ فهذا السؤال حُسم منذ سنوات. السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان هذا التعاطف والنقد قد تحولا إلى تغيير أعمق في الطريقة التي تنظر بها القاعدة الشعبية الأمريكية إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإلى العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإلى مسؤولية واشنطن عن استمرار الوضع القائم. وإذا كانت الإجابة قبل سنوات قليلة تبدو مترددة، فإن ما حدث منذ حرب غزة، ثم مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، يجعل من الصعب تجاهل أن تحولا حقيقيا يجري داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي. إنه ليس تحولا كاملا، وليس تحولا في السياسة الخارجية الأمريكية بعد، لكنه تحول في الوعي السياسي لقطاع واسع من الديمقراطيين، وفي تعريفهم للمشكلة نفسها.
ولعل أكثر ما يلفت في هذا التحول أنه لم يحدث بالطريقة التي اعتادت عليها السياسة الأمريكية. لم تبدأ المسألة من البيت الأبيض أو من قيادة الحزب، ولم تفرضها المؤسسة الديمقراطية على ناخبيها، بل تحركت القاعدة الشعبية تدريجيا، ثم بدأت تفرض ضغطا على السياسيين والمرشحين والمؤسسات. وفي المقابل، ظل الحزب الجمهوري أكثر تماسكا في رؤيته التقليدية لإسرائيل، حتى مع ظهور تململ داخل بعض أوساطه من الحروب الخارجية وتكاليفها. ولذلك فإن المقارنة بين الحزبين لا ينبغي أن تكون حول سؤال بسيط من نوع: أي الحزبين أكثر تأييدا لإسرائيل؟ بل حول سؤال أكثر عمقا: هل تغيرت نظرة القاعدة إلى طبيعة الصراع نفسه، أم أنها تختلف فقط حول كيفية إدارة العلاقة مع إسرائيل؟
البيانات المتاحة في عام 2026 تشير إلى أن الإجابة مختلفة بوضوح بين الحزبين. فقد أظهر استطلاع Gallup المنشور في فبراير/شباط 2026 أن 46% من الأمريكيين قالوا إن تعاطفهم في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يميل أكثر إلى الفلسطينيين، مقابل 28% يميل إلى الإسرائيليين. لكن التحول الأكثر إثارة كان داخل الحزب الديمقراطي؛ إذ أصبح التعاطف مع الفلسطينيين يتفوق بصورة واضحة على التعاطف مع الإسرائيليين، بينما بقيت القاعدة الجمهورية في الاتجاه المعاكس.
والأهم أن هذا التحول لا يقتصر على سؤال التعاطف. فمع استمرار حرب غزة، أصبحت نسبة متزايدة من الديمقراطيين ترى أن الولايات المتحدة تقدم لإسرائيل دعما أكبر مما ينبغي، وتطالب بإعادة النظر في المساعدات العسكرية. وهذا يعني أن الفلسطيني لم يعد بالنسبة إلى جزء متزايد من القاعدة الديمقراطية مجرد طرف بعيد في نزاع خارجي يحتاج إلى المساعدة الإنسانية، وإنما أصبح طرفا يملك حقوقا سياسية، وأن الولايات المتحدة نفسها قد تكون جزءا من المشكلة عندما تقدم دعما غير مشروط للحكومة الإسرائيلية.
وهنا تكمن النقلة الفكرية الأهم. فالموقف التقليدي داخل المؤسسة الديمقراطية كان يقوم على معادلة تقول إن الولايات المتحدة تستطيع أن تكون مؤيدة لإسرائيل وفي الوقت نفسه مؤيدة للسلام ولحل الدولتين ولحقوق الفلسطينيين. أما التيار الديمقراطي الجديد، أو على الأقل قطاع مهم ومتنام منه، فقد بدأ يسأل سؤالا أكثر صعوبة: ماذا لو كان الدعم الأمريكي لإسرائيل، في صورته الحالية، يساعد على استمرار الاحتلال والاستيطان وحرمان الفلسطينيين من تقرير مصيرهم؟ وهل يمكن أن تكون الولايات المتحدة وسيطا للسلام وهي في الوقت نفسه المورد الرئيسي للسلاح إلى أحد طرفي الصراع؟
هذه الأسئلة لم تعد محصورة في مجموعات الناشطين. لقد بدأت تدخل إلى صلب المنافسات الانتخابية. وربما كان انتصار عبد الرحمن "عبدول" السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ في ميشيغان في الرابع من أغسطس/آب 2026 أكثر الأمثلة وضوحا. فقد خاض الصياد معركة ضد النائبة Haley Stevenz ، وهي من شخصيات المؤسسة الديمقراطية، في سباق أصبح اختبارا مباشرا لقدرة المال السياسي المؤيد لإسرائيل على تحديد نتيجة الانتخابات. وبحسب تقارير صحفية، تجاوز الإنفاق المرتبط بالمجموعات المؤيدة لإسرائيل عشرات الملايين من الدولارات في محاولة لوقف صعود السيد. ومع ذلك فاز السيد بفارق ضئيل، بنحو 48.5% مقابل 47.5%. وقد وصفت Jewish Telegraphic Agency السباق بأنه مواجهة جعلت الصراع حول مستقبل سياسة الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل في قلب انتخابات الحزب.
لكن أهمية السيد لا تكمن في كونه عربيا أو مسلما فحسب. الأهم أن حملته لم تقدم فلسطين باعتبارها قضية هوية خاصة بجالية معينة، بل ربطتها بنقد أوسع للسياسة الخارجية الأمريكية، ولنفوذ المال السياسي، وللحروب، وللنظام السياسي الذي يسمح بتوجيه الموارد العامة بعيدا عن الأولويات الداخلية. وفي مقابلة مع مجلة Time في يوليو/تموز 2026، تحدث السيد عن رفضه لفكرة أن على الديمقراطيين أن يتبنوا مواقف "آمنة" ومحسوبة انتخابيا، وقال إن تجربة ميشيغان تشير إلى أن الناخبين لا يبحثون بالضرورة عن الوسطية بقدر ما يبحثون عن شخص مستعد لتحدي الوضع القائم.
وهذه النقطة مهمة لأن التحول الديمقراطي لا يمكن اختزاله في فلسطين وحدها. غزة أصبحت جزءا من إعادة تقييم أوسع للسياسة الخارجية الأمريكية، وخاصة بين الشباب والتقدميين. وعندما اندلعت الحرب الأمريكية مع إيران، ظهر الفرق بصورة أكثر وضوحا. أظهر استطلاع Pew Research Center في يونيو/حزيران 2026 أن الأمريكيين كانوا منقسمين حول قرار الذهاب إلى الحرب، لكن الانقسام الحزبي كان هائلا؛ إذ كان الديمقراطيون أكثر رفضا للعملية العسكرية من الجمهوريين بفارق كبير.
وفي مارس/آذار، عندما كانت الحرب لا تزال في بدايتها، أظهر استطلاع آخر لـPew أن الجمهوريين الأكبر سنا كانوا من أكثر الفئات تأييدا للضربات الأمريكية ضد إيران، بينما كان الجمهوريون الأصغر سنا أقل تأييدا نسبيا. وهذا يكشف أن التحول داخل الحزب الجمهوري موجود، لكنه يتحرك في اتجاه مختلف عن التحول الديمقراطي. فالشاب الجمهوري الذي يرفض حرب إيران قد لا يكون قد أصبح مؤيدا للحقوق الفلسطينية أو مناهضا للاحتلال؛ قد يكون ببساطة أكثر التزاما بشعار "America First"، وأكثر رفضا لإنفاق الأموال الأمريكية على حروب خارجية.
وهنا تظهر الفجوة الحقيقية بين الحزبين. داخل اليمين الأمريكي، يمكن أن يدور الخلاف حول حجم المساعدات، وحول تكلفة الحرب، وحول ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن تدخل حربا مع إيران، وحول الأولويات بين إسرائيل والصين وروسيا والحدود الأمريكية. لكن من الصعب حتى الآن العثور على تحول جمهوري مماثل يقول إن الاحتلال الإسرائيلي نفسه هو جوهر المشكلة، وإن للفلسطينيين حقا وطنيا وسياسيا يجب أن يتحقق حتى لو تعارض ذلك مع الرؤية الإسرائيلية للأمن.
بعبارة أخرى، يمكن أن نجد جمهوريا يقول: "لماذا ينبغي أن ندفع ثمن هذه الحرب؟"، لكننا نجد داخل الحزب الديمقراطي عددا متزايدا من الناخبين والسياسيين يقولون: "لماذا ينبغي أن نمول نظاما سياسيا يحرم الفلسطينيين من حقوقهم؟". الفرق بين السؤالين هائل. الأول خلاف على الموارد والاستراتيجية، أما الثاني فهو خلاف على طبيعة الصراع نفسه.
ويمكن رؤية هذا الاختلاف أيضا في الأدبيات الحزبية. فالبرنامج الجمهوري لعام 2024 حافظ على التزام واضح بالوقوف مع إسرائيل، وربط ذلك بالأمن القومي والتحالفات الأمريكية. أما البرنامج الديمقراطي، ورغم أنه لم يصل في ذلك الوقت إلى المواقف التي يتبناها اليوم كثير من الناشطين الديمقراطيين، فقد كان أكثر استعدادا للحديث عن المساعدات للفلسطينيين وحل الدولتين وحقوقهم. المشكلة أن البرامج الحزبية الرسمية أصبحت في السنوات الأخيرة أبطأ من القاعدة الشعبية نفسها؛ ولذلك فإن دراسة ما يحدث في الانتخابات التمهيدية والاستطلاعات أكثر دلالة أحيانا من قراءة الوثائق الرسمية وحدها.
والفارق بين الحزبين أصبح أكثر وضوحا عندما انتقلت القضية من الشارع إلى المنافسة الانتخابية. ففي كولورادو، هزمت Melat Kiros، وهي ديمقراطية اشتراكية تبلغ من العمر 29 عاما، النائبة المخضرمة Diana DeGette التي أمضت ثلاثة عقود تقريبا في الكونغرس. وقد مثل فوز Kiros واحدا من أكثر الانتصارات وضوحا للجيل التقدمي الجديد. وفي أغسطس/آب 2026، كانت الصحافة الأمريكية لا تزال تتناول فوزها بوصفه مؤشرا على الانقسام الأيديولوجي داخل الحزب الديمقراطي، رغم الجدل الذي رافق بعض مواقفها الأخرى.
وفي ميشيغان أيضا، فاز William Lawrence بالترشيح الديمقراطي لمجلس النواب، في دائرة انتخابية يمكن أن تكون حاسمة في نوفمبر/تشرين الثاني. وكان موقفه من غزة أكثر وضوحا من معظم منافسيه، بما في ذلك وصفه ما يجري بأنه إبادة جماعية ودعوته إلى وقف تسليح إسرائيل. وهكذا لم تعد فلسطين قضية يستفيد منها المرشح في الأحياء ذات الكثافة العربية والمسلمة فقط؛ بل أصبحت جزءا من محاولة بناء ائتلاف انتخابي تقدمي أوسع.
وفي نيويورك، ظهرت صورة مشابهة عندما فاز مرشحون تقدميون مثل Brad Lander وDarializa Avila Chevalier وClaire Valdez، في سياق سياسي كان فيه موقف المرشح من إسرائيل وغزة جزءا واضحا من الصراع بين الجناح التقدمي والمؤسسة الديمقراطية. والأهم أن Lander نفسه يهودي، وهي حقيقة ذات قيمة رمزية وسياسية كبيرة؛ لأنها تضعف فكرة أن الانتقال إلى موقف أكثر نقدا لإسرائيل هو نتيجة مباشرة فقط لتنامي نفوذ العرب والمسلمين داخل الحزب.
لكن ربما يكون من الخطأ النظر إلى هذه التحولات كلها بوصفها نتيجة مباشرة لأحداث السابع من أكتوبر 2023 فقط. فهناك تيارات أمريكية كانت تعيد النظر في العلاقة مع إسرائيل قبل ذلك بسنوات، وكان من أبرزها التيار اليهودي التقدمي. وهذا يقودنا إلى الجانب الأكثر إثارة للمفاجأة في التحول الحالي: اليهود الأمريكيون أنفسهم.
لقد اعتادت السياسة الأمريكية أن تتعامل مع اليهود الأمريكيين باعتبارهم كتلة مؤيدة لإسرائيل، مع اختلافات حول السياسات الإسرائيلية لا حول العلاقة الأساسية بالدولة. لكن هذه الصورة أصبحت أقل دقة بكثير. أظهر استطلاع AP-NORC المنشور في يوليو/تموز 2026 وجود انقسامات حادة داخل المجتمع اليهودي الأمريكي حول إسرائيل وغزة والحكومة الإسرائيلية. وأظهر الاستطلاع أن اليهود الأمريكيين ما زالوا يتمتعون بارتباط عاطفي قوي بإسرائيل، لكنهم ينقسمون بصورة متزايدة حول سياسات الحكومة الإسرائيلية، وحول العمليات العسكرية في غزة، وحول معنى دعم إسرائيل أصلا.
والأكثر أهمية أن الانقسام يرتبط بالجيل وبنوعية التدين والهوية اليهودية. فاليهود العلمانيون والشباب أكثر استعدادا من الأجيال الأكبر سنا لمساءلة السياسة الإسرائيلية، كما أن نسبة مهمة منهم أصبحت ترى أن دعم إسرائيل لا يعني دعم كل حكومة إسرائيلية أو كل عملية عسكرية تقوم بها. وأظهر بحث Pew في يوليو/تموز 2026 أن 83% من اليهود الأمريكيين ما زالوا ينظرون بإيجابية إلى الشعب الإسرائيلي، لكن نسبة من ينظرون بإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية انخفضت إلى 47%، مقارنة بـ54% في 2024.
وهذه نقطة جوهرية: جزء من اليهود الأمريكيين لا يبتعدون بالضرورة عن الشعب الإسرائيلي، بل يبتعدون عن الحكومة الإسرائيلية وسياساتها. وهذا يخلق مساحة سياسية جديدة داخل الحزب الديمقراطي، لأن انتقاد الاحتلال والسياسات الإسرائيلية لم يعد بالضرورة ينظر إليه باعتباره موقفا معاديا لليهود أو حتى معاديا لإسرائيل في كل الحالات.
بل إن بعض اليهود الأمريكيين كانوا في مقدمة هذا التحول قبل أن تلحق بهم قطاعات واسعة من التيار التقدمي. منظمة Jewish Voice for Peace مثال واضح على ذلك، وكذلك حركة IfNotNow، التي بنت خطابها منذ سنوات على أن اليهود الأمريكيين يجب ألا يقبلوا ربط هويتهم اليهودية بدعم الاحتلال الإسرائيلي. ولم تكن هذه الحركات تنتظر تغير الحزب الديمقراطي؛ بل كانت تحاول تغيير البيئة السياسية التي يعمل فيها الحزب.
وفي حديثها عن علاقتها بإسرائيل وفلسطين، سعت IfNotNow إلى نقل النقاش من الأشخاص إلى البنية السياسية، معتبرة أن المشكلة لا تكمن فقط في حكومة معينة، بل في الاحتلال نفسه وفي الدعم الأمريكي الذي يسمح باستمراره. وهذا أمر مهم جدا في فهم التحول الحالي، لأن هذه الحركات اليهودية التقدمية كانت في كثير من الأحيان أكثر وضوحا من سياسيين ديمقراطيين تقليديين في استخدام مفردات مثل الاحتلال والمساواة وحقوق الفلسطينيين.
ومن جهة أخرى، فإن منظمات يهودية أكثر قربا من المؤسسة الليبرالية المؤيدة لإسرائيل، مثل J Street، تعكس هي الأخرى تحولا مهما. فحتى عندما تقول هذه المنظمات إنها مؤيدة لإسرائيل وتدعم أمنها، فإنها أصبحت أكثر استعدادا للحديث عن الشروط التي ينبغي أن تحكم المساعدات الأمريكية. وهذا يعني أن تعريف "المؤيد لإسرائيل" نفسه بدأ يتغير داخل المجتمع اليهودي الأمريكي: لم يعد بالضرورة يعني التأييد غير المشروط للحكومة الإسرائيلية.
وهذا التحول اليهودي أكثر أهمية، في رأيي، من التحول لدى المسيحيين المحافظين، لأن المسيحية الإنجيلية المحافظة ما زالت تمثل أحد أكثر الأعمدة السياسية صلابة في دعم إسرائيل داخل الولايات المتحدة. قد يتغير بعض المحافظين الشباب بسبب رفض الحروب الخارجية أو بسبب صعود تيار America First، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تبنيهم للرواية الفلسطينية. أما حين يبدأ يهود أمريكيون في القول إن دعم الاحتلال لا يمثل قيمهم اليهودية، فإن ذلك يضرب إحدى أكثر الروايات رسوخا في السياسة الأمريكية من الداخل.
وهنا ينبغي أن يكون الفلسطينيون حذرين أيضا من تفسير التحول الأمريكي تفسيرا سطحيا. ليس صحيحا أن كل الديمقراطيين الذين أصبحوا أكثر انتقادا لإسرائيل تحولوا إلى مؤيدين لفلسطين. بعضهم أصبح أكثر نقدا لبنيامين نتنياهو تحديدا، وبعضهم يعارض بن غفير وسموتريتش والاستيطان، وبعضهم يرفض الحرب على غزة لكنه لا يزال يرى إسرائيل دولة يهودية يجب حماية أمنها، وبعضهم انتقل بالفعل إلى موقف أكثر وضوحا في دعم الحقوق الفلسطينية ومناهضة الاحتلال. هذه درجات مختلفة من التحول، ولا ينبغي وضعها في سلة واحدة.
لكن وجود هذه الدرجات لا يلغي التغيير الجوهري: الحدود التي كان من الصعب تجاوزها داخل الحزب الديمقراطي أصبحت قابلة للنقاش. أصبح من الممكن لمرشح ديمقراطي أن ينتقد المساعدات العسكرية لإسرائيل، وأن يتحدث عن الاحتلال، وأن يصف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية، وأن يدعو إلى مساءلة الحكومة الإسرائيلية، ثم يفوز بالانتخابات التمهيدية. وهذا بحد ذاته تحول سياسي لا يمكن تجاهله.
وفي الوقت نفسه، فإن الحزب الجمهوري لم يصل إلى هذا المكان. لا يعني ذلك أن الجمهوريين جميعا يؤيدون كل ما تفعله إسرائيل، ولا يعني أن قاعدة الحزب لا تعارض الحرب مع إيران أو تكلفتها. بل تشير استطلاعات 2026 إلى وجود تراجع نسبي في تأييد الحرب حتى داخل بعض الأوساط الجمهورية، وخاصة مع ارتفاع تكلفتها الاقتصادية والعسكرية. لكن حتى هذا التراجع لم يتحول إلى مراجعة واسعة لمكانة إسرائيل في السياسة الخارجية الجمهورية. أظهر استطلاع حديث لـAP-NORC أن الحرب على إيران بدأت تثير تذمرا حتى داخل القاعدة الجمهورية، لكن هذا التذمر ظل مرتبطا بصورة أساسية بجدوى الحرب وتكاليفها، لا بإعادة تعريف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وهذا يعيدنا إلى الفارق الذي ربما يكون الأهم في قراءة المشهد: داخل الحزب الجمهوري، السؤال الأساسي ما زال في الغالب "كيف ندعم إسرائيل ونحافظ على المصالح الأمريكية؟"، بينما بدأ السؤال داخل الحزب الديمقراطي يتحول إلى "هل الطريقة التي ندعم بها إسرائيل تتعارض مع القيم والمصالح التي يفترض أن تمثلها الولايات المتحدة؟".
إنها ليست مجرد درجة مختلفة من التأييد؛ إنها طريقة مختلفة في صياغة المشكلة.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ الشديد أن يعتقد الفلسطينيون أن هذا التحول يعني أن السياسة الأمريكية ستتغير في المدى المنظور. الولايات المتحدة ما زالت تعتبر إسرائيل حليفا استراتيجيا، وما زالت العلاقات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية بين الطرفين عميقة جدا، وما زالت إسرائيل تتمتع بمكانة استثنائية في مؤسسات صنع القرار الأمريكية. وحتى داخل الحزب الديمقراطي نفسه، لا تزال هناك كتلة كبيرة تؤيد أمن إسرائيل وترى أن العلاقة معها يجب أن تستمر.
بل إن ما يحدث داخل الحزب الديمقراطي قد يكون في جزء منه رد فعل على حكومة نتنياهو الحالية أكثر من كونه رفضا نهائيا للنظام السياسي الإسرائيلي. وهذا هو الخطر الذي ينبغي على الفلسطينيين والعرب إدراكه مبكرا.
إذا كان جزء من الغضب الديمقراطي سببه نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، فإن تغيير هذه الشخصيات يمكن أن يعيد صياغة العلاقة. حكومة إسرائيلية جديدة أكثر اعتدالا، تستخدم لغة أكثر قبولا في واشنطن، وتظهر استعدادا للتفاوض، يمكن أن تستعيد جزءا كبيرا من التعاطف الذي فقدته إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي. وقد يكون من السهل حينها أن يعود الخطاب إلى الصيغة التقليدية: "إسرائيل حليف ديمقراطي، والحكومة السابقة كانت المشكلة".
وهنا يجب ألا يسمح الفلسطينيون بأن تختزل قضيتهم في شخصية نتنياهو. لا ينبغي أن تصبح المعركة الفلسطينية الأمريكية: نتنياهو ضد الديمقراطيين، أو بن غفير ضد اليسار الأمريكي. لأن هؤلاء الأشخاص راحلون، بينما الاحتلال باق.
المطلوب فلسطينيا وعربيا هو أن تتحول اللحظة الراهنة إلى فرصة لنقل النقاش الأمريكي من الأشخاص إلى البنية السياسية للصراع. يجب أن يصبح السؤال: ماذا يعني الاحتلال؟ ماذا يعني استمرار الاستيطان؟ ماذا يعني حرمان شعب بأكمله من تقرير مصيره؟ ما مسؤولية الولايات المتحدة عن تمويل هذا الواقع؟ وما الذي ينبغي أن تفعله واشنطن لإنهائه، بغض النظر عن هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية؟
هذه النقلة الدبلوماسية بالغة الأهمية. فبدل أن يقال للأمريكيين: "نحن ضد حكومة نتنياهو"، ينبغي أن يقال: "نحن ضد الاحتلال، أيا كانت الحكومة التي تديره". وبدل أن يقال: "أوقفوا هذه الحرب"، ينبغي أن يقال: "أنشئوا نظاما سياسيا ينهي أسباب الحرب ويضمن للفلسطينيين حقهم في تقرير المصير". وبدل أن يكون الهدف تغيير موقف الإدارة الأمريكية من شخص إسرائيلي إلى شخص آخر، يجب أن يكون الهدف تغيير المعايير التي تحكم السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وفلسطين.
وهذا تحديدا هو المكان الذي يستطيع فيه الفلسطينيون والعرب البناء على التحول الجاري داخل الحزب الديمقراطي. فلحظة السياسية لا تزال مفتوحة. هناك شباب أمريكيون يرون فلسطين باعتبارها قضية حقوق إنسان وعدالة، وهناك ناشطون يهود يعيدون تعريف علاقتهم بإسرائيل، وهناك نقابات ومنظمات مدنية وحركات تقدمية بدأت تربط فلسطين بالعدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية الأمريكية، وهناك مرشحون ديمقراطيون اكتشفوا أن الموقف من غزة يمكن أن يكون عنصر قوة انتخابية لا عبئا انتخابيا.
لكن هذا الائتلاف لا يزال هشا. وهو يحتاج إلى خطاب فلسطيني أكثر ذكاء وقدرة على الوصول إلى المجتمع الأمريكي الأوسع. لا يكفي أن يقال للأمريكيين إن إسرائيل مخطئة؛ ينبغي أن يقال لهم لماذا ترتبط القضية بقيمهم هم: المساواة، حقوق الإنسان، القانون الدولي، حق تقرير المصير، رفض التمييز، ومساءلة الحكومة عندما تستخدم السلاح الأمريكي.
وهنا يمكن أن يكون التحول لدى اليهود الأمريكيين مهما بصورة استثنائية. فوجود يهود أمريكيين يقولون إن مقاومة الاحتلال جزء من فهمهم هم لليهودية والعدالة، أو أن دعم إسرائيل لا يعني دعم حكومتها، يفتح مجالا سياسيا لا يمكن أن يفتحه الخطاب العربي وحده. وهذا لا يعني أن الفلسطينيين يجب أن يستخدموا اليهود التقدميين كأداة سياسية، بل أن يعترفوا بأن المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه متنوع وأن داخله أصواتا قادرة على إعادة تعريف النقاش من داخل الثقافة الأمريكية.
لقد كانت هذه الأصوات موجودة قبل غزة، لكن غزة جعلتها أكثر وضوحا، والحرب مع إيران وسعت السؤال من فلسطين إلى السياسة الخارجية الأمريكية كلها. لذلك فإن التحول الديمقراطي الحالي لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد رد فعل عاطفي على صور الحرب، بل باعتباره جزءا من عملية أوسع تعيد تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة والحروب الخارجية، وبين إسرائيل والحزب الديمقراطي، وبين الهوية اليهودية الأمريكية والسياسة الإسرائيلية.
وإذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من انتخابات 2026 حتى الآن، فهو أن فلسطين لم تعد قضية يمكن للمؤسسة الديمقراطية أن تفترض أن قاعدتها ستتبعها فيها إلى الأبد. لقد أصبح هناك ثمن سياسي لرفض الاستماع إلى القاعدة، وأصبح هناك مرشحون قادرون على الفوز وهم يعلنون بوضوح أنهم لا يقبلون استمرار السياسة التقليدية تجاه إسرائيل.
لكن في المقابل، لم يصل الأمر بعد إلى درجة أن الولايات المتحدة أصبحت دولة مؤيدة للفلسطينيين، ولا حتى إلى أن الحزب الديمقراطي أصبح حزبا مؤيدا لفلسطين بالمعنى الكامل. ما حدث هو أن الاحتكار السياسي للرواية الإسرائيلية داخل الحزب الديمقراطي بدأ يتصدع. وما كان قبل سنوات موقفا هامشيا أصبح اليوم موقفا يمكن أن يفوز في الانتخابات التمهيدية، ويمكن أن يحصل على دعم من اليهود الأمريكيين، ويمكن أن يجد له جمهورا بين الشباب والناخبين التقدميين، ويمكن أن يتحول إلى جزء من النقاش حول السياسة الخارجية الأمريكية.
ولهذا فإن القيمة التاريخية للحظة الحالية لا تكمن في عدد المقاعد التي سيفوز بها المرشحون المؤيدون للحقوق الفلسطينية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 فقط، وإنما في السؤال الذي ستتركه هذه الانتخابات وراءها: هل أصبح من الممكن داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي أن تكون مؤيدا لإسرائيل، وفي الوقت نفسه تعتبر الاحتلال غير مقبول؟ وهل أصبح من الممكن أن يكون أمن إسرائيل مرتبطا، في المخيال الديمقراطي الجديد، بأمن وحرية الفلسطينيين بدل أن يكونا قضيتين متعارضتين؟
إذا كانت الإجابة تتجه تدريجيا نحو نعم، فإننا أمام تغير أعمق بكثير من تغيير في مواقف بعض السياسيين.
إننا أمام بداية إعادة تعريف للتحالف الأمريكي الإسرائيلي داخل أحد الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة.
لكن التاريخ يعلمنا أن التحولات في الرأي العام لا تصبح تحولات في السياسة الخارجية إلا عندما تجد من يحولها إلى مؤسسات وقوانين وتحالفات. ولهذا فإن اللحظة الحالية ليست نهاية الطريق للفلسطينيين، بل ربما تكون بداية مرحلة جديدة: مرحلة يجب فيها أن ينتقل العمل الفلسطيني والعربي من محاولة إقناع الأمريكيين بأن الفلسطينيين ضحايا إلى إقناعهم بأن إنهاء الاحتلال هو الحل السياسي الذي يتوافق مع المبادئ التي تقول الولايات المتحدة إنها تؤمن بها.
وعندها فقط يمكن أن يتحول التعاطف إلى سياسة، والسياسة إلى ضغط، والضغط إلى تغيير.
أما إذا بقي التحول الأمريكي محصورا في الغضب من نتنياهو، أو في رفض الحرب، أو في التعاطف الإنساني مع غزة، فإن إسرائيل ستبقى، رغم كل ما حدث، الطفل المدلل للسياسة الخارجية الأمريكية، وقد يكفي تغيير الحكومة الإسرائيلية لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
المطلوب إذن ليس أن ينتصر الفلسطينيون على نتنياهو في الرأي العام الأمريكي.
المطلوب أن ينتصر مفهوم أن الاحتلال نفسه لم يعد مقبولا.
وهنا تحديدا تكمن الفرصة التاريخية التي فتحتها غزة، والتي بدأت انتخابات 2026 تكشف آثارها السياسية داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي.