
رام الله - وطن للأنباء: دعا المدير الإقليمي لائتلاف أمان، وائل بعلوشة، إلى إنشاء خلية أزمة دائمة لمتابعة شكاوى مؤسسات المجتمع المدني والتحديات التي تواجهها، خصوصا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة واستمرار حرب الإبادة الجماعية ضد قطاع غزة وتصاعد سياسات الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية.
وقال بعلوشة خلال حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن" عبر شبكة وطن الاعلامية إن مؤسسات المجتمع المدني في غزة والضفة الغربية تواجه تحديات متزايدة في تنفيذ برامجها، خصوصا الإغاثية، مشيرا إلى أن هذه التحديات كانت محور جلسة استماع متخصصة نظمها الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان"، بمشاركة ممثلين عن سلطة النقد وجمعية البنوك والبنوك العاملة في فلسطين ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف الوصول إلى حلول تحد منها.
وأوضح، أن حرب الإبادة الجماعية لم تقتصر على قطاع غزة، وإنما امتدت آثارها إلى الضفة الغربية، مشيرا إلى انهيار المؤسسات الرسمية الفلسطينية في قطاع غزة، ما وضع المؤسسات الأهلية في موقع الاشتباك المباشر مع احتياجات المواطن وتعزيز صموده.
وأضاف أن المؤسسات الأهلية واصلت طوال الحرب تقديم مختلف الخدمات، من مساعدات إنسانية وإغاثية وخدمات أخرى، فيما قدمت في الضفة الغربية مساعدات إغاثية وقانونية وغيرها، رغم التضييقات التي تواجهها.
وأشار إلى أن أبرز هذه التضييقات تتمثل في ممارسات الاحتلال ضد المؤسسات الأهلية في غزة والضفة الغربية، إلى جانب القيود المصرفية التي تحد من قدرتها على القيام بدورها، مؤكدا أن المتضرر الأول والأخير من هذه القيود هو المواطن، لأن عدم قدرة المؤسسات على القيام بدورها ينعكس عليه مباشرة.
وبيّن أن أبرز التحديات في قطاع غزة يتمثل في عدم قدرة المؤسسات الأهلية على إنشاء اتصال جيد مع القطاع المصرفي، في ظل انهيار المؤسسات الرسمية وصعوبة التنقل والتواصل مع جمعية البنوك والجهات ذات العلاقة، إلى جانب الإشكاليات التي يفرضها الاحتلال ومتطلبات الامتثال المعقدة.
وأشار إلى تأخير الحوالات المالية التي تحولها المؤسسات الدولية إلى مؤسسات المجتمع المدني لتنفيذ البرامج والأنشطة، خصوصا المساعدات الإنسانية، موضحا أن التأخير لا يعطل العمل فقط، بل يخلق مشكلة في الثقة بين المؤسسة المحلية والجهة المانحة.
ولفت إلى أن فتح الحسابات البنكية يمثل مشكلة للكثير من المؤسسات، وتحديدا الجديدة منها، مؤكدا أن فتح الحسابات متوقف منذ فترة طويلة في قطاع غزة، فضلا عن اشتراط بعض المؤسسات الدولية فتح حسابات فرعية خاصة بالمشاريع، ما أدى إلى مشكلات كبيرة أمام المؤسسات.
وأشار إلى القيود الكبيرة على السحب النقدي، في وقت تحتاج فيه بعض المؤسسات إلى النقد لتنفيذ أنشطتها الميدانية، مثل المطابخ التي تقدم مساعدات ووجبات ساخنة يومية للمواطنين في أماكن النزوح، بينما تحدد بعض البنوك سقوفا مالية للسحب النقدي، ما يعيق شراء الاحتياجات الخاصة بالمساعدات.
كما أشار إلى تفاوت متطلبات الامتثال بين بعض البنوك، موضحا أن مؤسسة قد يطلب منها بنك خمس أو ست إجراءات أو مستندات، بينما يطلب بنك آخر عشرة، رغم أن متطلبات الامتثال لدى سلطة النقد والقطاع المصرفي واحدة، ما خلق حالة من الارتباك لدى المؤسسات الأهلية.
وأضاف أن هناك حالات تجميد أو إغلاق لبعض الحسابات البنكية، إذ تكتشف مؤسسات تعمل بصورة عادية أن حساباتها مجمدة أو مغلقة من دون إبداء أسباب أو معرفة السبب الحقيقي.
ولفت بعلوشة إلى أن المؤسسات، خصوصا خلال ذروة حرب الإبادة الجماعية، واجهت صعوبة في التواصل السريع مع الجهات المختصة، كما لم يكن التواصل مع سلطة النقد سهلا، وكانت مراجعة البنك لدى سلطة النقد تستغرق وقتا طويلا، وهو وقت حاسم في تنفيذ الأنشطة الإغاثية التي تتطلب استجابة فورية.
وأكد أن هذه التحديات تنعكس بصورة مباشرة على قدرة المؤسسات على تنفيذ البرامج الإنسانية والإغاثية، خصوصا في قطاع غزة، حيث لا تستطيع المؤسسة شراء المواد الإغاثية أو تنفيذ برامج المساعدات النقدية أو التعاقد مع الموردين والاستجابة لاحتياجات المواطنين في مراكز الإيواء من دون سهولة مستمرة في الإجراءات المالية.
وأشار إلى أن بعض المؤسسات تتكفل بأكثر من ألف يتيم وتقدم لهم مساعدات مالية شهرية، وبالتالي فإن أي خطأ أو تأخير في الحساب البنكي للمؤسسة يعني تأثر حياة ألف أسرة.
وأضاف أن بعض المؤسسات تقدم برامج مساعدات نقدية عبر شركاء محليين، تتضمن راتبا أو مساعدة شهرية تقارب 1250 شيكلا، وهو مبلغ يستر الأسر المستورة، محذرا من أن توقف هذه البرامج يؤثر في أعداد كبيرة من المواطنين، إضافة إلى المساعدات العينية والقسائم والمطابخ وغيرها.
وأكد أن عددا هائلا من المواطنين في قطاع غزة يعتمدون اعتمادا كليا على هذه المساعدات.
وفي الضفة الغربية، قال بعلوشة إن التأثيرات مباشرة أيضا، إذ تدعم المؤسسات الأهلية المزارعين وتعمل في قضايا المشاريع والحماية المجتمعية والاستجابة للاحتياجات الطارئة في المناطق المعرضة للاستيطان والتهجير واستهداف المستوطنين.
وأضاف أن هذه التدخلات تعزز صمود المواطنين، خصوصا في المناطق التي لا تستطيع السلطة الوطنية الفلسطينية الوصول إليها، بينما تقدم المؤسسات الأهلية فيها المساعدات للمواطنين، مشيرا إلى وجود أسر تعتمد كليا على هذه المؤسسات وبرامجها.
وأشار إلى أن التأثير يمتد أيضا إلى العلاقة بين المؤسسات الأهلية الفلسطينية والجهات المانحة، إذ تضعف الثقة عندما تكون المؤسسة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها بسبب قيود الامتثال.
وأكد أن المؤسسات الأهلية تدعو إلى الرقابة والامتثال لمتطلبات النزاهة والشفافية والمساءلة، لكن في ظل الحالة الإنسانية والسياسية وتأثير الواقع السياسي على الجانب الإنساني، لا بد من التفكير خارج الصندوق، لأن متطلبات الامتثال لا ينبغي أن تمنع قطاعا كاملا من القيام بدوره، وبالتالي يتأثر المواطن بالخدمات التي يقدمها.
وشدد على ضرورة تحقيق توازن بين متطلبات الامتثال والرقابة وبين عدم التأثير على العمل الخيري والإنساني في فلسطين، مؤكدا أن قطاع غزة منطقة منكوبة، وحالتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية كارثية، فيما لا تزال المؤسسات الأهلية قادرة، إلى حد ما، على مواصلة العمل.
وقال إنه لا يوجد في قطاع غزة من يقدم خدمات منظمة للمواطنين سوى المؤسسات الأهلية وبعض المبادرات التي ينفذها الناس والمبادرون، مضيفا أن قطاع المؤسسات الأهلية ما زال قادرا على مواصلة العمل رغم استهداف واستشهاد العاملين الإنسانيين وتدمير مقرات المؤسسات خلال الحرب، مؤكدا أنه من غير المعقول إضافة هذه القيود إلى ما تعرض له القطاع.
وأوضح أن المؤسسات تواجه أيضا ضعف الاتصال مع الجهات الرسمية الموجودة في الضفة الغربية، أو الجزء منها الذي لا يزال في قطاع غزة لكنه غير قادر على القيام بدوره.
وفي هذا السياق، اقترح ائتلاف أمان إنشاء خلية أزمة أو آلية دائمة لمعالجة الشكاوى، تضم الجهات المرتبطة بالعمل الأهلي في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القطاع المصرفي وسلطة النقد وجمعية البنوك والمصارف ذات العلاقة، إضافة إلى وزارة الداخلية والوزارات المختصة والأجسام التمثيلية للمؤسسات الأهلية والشبكات والائتلافات المختلفة.
وقال إن هذه الجهات يجب أن تشكل خلية أزمة دائمة الانعقاد، ترصد المشكلات وتوجد لها حلولا، على أن يعمم الحل على الحالات المشابهة، وأن يبقى الاتصال مستمرا بين أطراف الخلية وبقية المؤسسات والمجتمع المدني.
وأشار إلى أن اللقاءات التي عقدت، سواء في الورشة أو في لقاءات سابقة مع الجهات المعنية، كانت إيجابية وبناءة وأدت إلى مجموعة من الحلول، مضيفا أن نحو 90% من الإشكاليات القائمة سببها سوء الفهم أو ضعف الاتصال، وليست مرتبطة بقضايا الامتثال، التي وصفها بأنها ليست صعبة، وإنما تكمن الصعوبة في تطبيقها على الأرض في ظل الظروف القائمة في غزة والضفة الغربية.
وأكد ضرورة إيجاد طرق أخرى لتنفيذ متطلبات الامتثال بما يسهل عمل المؤسسات، وإيجاد طريقة استثنائية تتناسب مع الظروف التي يعيشها الفلسطينيون، مشيرا إلى أن الأمور كانت تسير بصورة جيدة قبل الحرب.
وحول أبرز التوصيات، قال بعلوشة إن المطلوب إيجاد طريقة استثنائية للتعامل مع الحوالات المخصصة للعمليات الإنسانية، لضمان عدم تأخيرها واستمرار عمل المؤسسات الأهلية.
كما أوصوا بآلية واضحة لتعامل المصارف مع المؤسسات الأهلية، بحيث تكون مطالبات الامتثال موحدة ولا تختلف من بنك إلى آخر، لتجنب حالة الإرباك التي تعيشها بعض المؤسسات.
وأضاف أن الائتلاف يريد الاتفاق مع الجهات الاقتصادية على إجراءات لتقليص مدة فحص الحوالات المالية، وخاصة المخصصة للعمل الإغاثي، لأن العمل الإغاثي يتطلب تسهيلا ماليا سريعا.
كما أوصى بوجود آلية فعالة للشكاوى التي تصل من المؤسسات الأهلية إلى القطاع المصرفي، وتحديدا سلطة النقد أو الجهات الاقتصادية الأخرى، بحيث تكون هناك آلية واضحة ورد سريع وضمن وقت معقول، مؤكدا أن الوقت في العمل الإنساني مهم جدا، لأن المواطن هو من يدفع الثمن.
وشدد على أهمية تعزيز التواصل بين سلطة النقد والقطاع المصرفي والمؤسسات الأهلية لتسهيل الفهم المشترك والاتصال السريع وتذليل أي عقبة تواجه المؤسسات أو العمل الإنساني.
كما أوصى بإصدار إرشادات واضحة للمصارف بشأن التعامل مع التمويل المخصص للعمليات الإنسانية والتفريق بينه وبين التمويل الخاص بالقضايا الأخرى.
وأوضح أن هناك فرقا بين تنفيذ مشروع للتوعية بالبيئة أو حقوق الإنسان، وبين تحويل أموال لتقديم مساعدة طارئة أو إغاثية أو طبية خلال الحرب أو في ظل تصاعد هجمات الاحتلال على منطقة معينة، وبالتالي يجب أن تكون الاستجابة سريعة لدى المؤسسة والجهات التي تسمح بتحويل الأموال إليها.
وأكد بعلوشة ضرورة تحقيق التوازن بين إدارة المخاطر ومتطلبات الامتثال من جهة، ومتطلبات الاستجابة الإنسانية من جهة أخرى، مشيرا إلى أن هناك تدخلات وتواصلات أخرى، جرى تطبيق جزء منها، فيما يحتاج الجزء الآخر إلى دراسة.