
وطن للأنباء: مع اقتراب الانتخابات التشريعية الفلسطينية، لا تبدو معركة الشابات الراغبات في الترشح محصورة في الوصول إلى صندوق الاقتراع، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ داخل الأحزاب والقوائم الانتخابية، وفي العائلة والمجتمع، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تواجه المرشحة الشابة سؤالين متلازمين: هل أنتِ امرأة قادرة على القيادة؟ وهل أنتِ شابة تملك الخبرة الكافية؟
وتكشف نقاشات الحلقة الجديدة لمواطنات لجمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، أن مشاركة الشابات في الحياة السياسية لا تزال محكومة بعوائق مركبة، تجمع بين النوع الاجتماعي والعمر، فيما تجد كثير من الشابات أنفسهن أمام بيئة سياسية لا تمنحهن المساحة الكافية للوصول إلى مواقع صنع القرار.
الأحزاب.. "الوصاية" تبدأ من الداخل
الخبيرة في قضايا النوع الاجتماعي لبنى الأشقر قالت إن المرشحات الشابات يواجهن "عقبات مركبة"، تبدأ من النظرة النمطية للمرأة، ولا تنتهي عند التشكيك في خبرتها وكفاءتها بسبب صغر سنها.
وأشارت إلى أن الشابات داخل الأحزاب السياسية يعانين من التهميش والوصاية، في ظل تمسك قيادات حزبية بمواقعها، وعدم إتاحة مسار واضح أمام الجيل الشاب للتدرج والوصول إلى مواقع القيادة.
وبحسب الأشقر، فإن المشكلة لا تكمن في عزوف الشابات عن السياسة، بل في أنهن لا يجدن أنفسهن داخل مواقع صنع القرار، وهو ما ينعكس لاحقًا على قدرتهن على الترشح والوصول إلى مواقع متقدمة في القوائم الانتخابية.
ليست "أزمة رغبة".. بل أزمة بيئة سياسية
مديرة البرامج في مؤسسة أدوار نور مناصرة، أكدت أن هناك رغبة واضحة لدى الشابات في المشاركة السياسية والتغيير، لكن المشكلة تكمن في البيئة المحيطة.
وقالت إن الشابة التي تفكر في الترشح تبدأ بطرح سلسلة من الأسئلة: هل سيؤخذ رأيي بجدية؟ هل أمتلك شبكة علاقات سياسية واجتماعية كافية؟ هل ستدعم عائلتي قراري؟ وهل أستطيع تحمل الانتقادات والتشكيك الذي قد أتعرض له؟
وتضيف أن الشابات لا يعانين من نقص الرغبة أو الشغف، وإنما من بيئة سياسية واجتماعية لا تمنحهن المساحة الكافية، إلى جانب الحاجة إلى شبكات علاقات و"ظهر مسنود" لمواجهة التحديات التي قد تعترض طريقهن.
المرأة تُحاكم على عمرها وشكلها.. والرجل على أدائه
ولا تتوقف العوائق عند الأحزاب؛ إذ تشير المشاركات في النقاش إلى أن المرشحة الشابة تواجه ضغطًا اجتماعيًا ورقميًا مضاعفًا.
الأشقر لفتت إلى حملات تشويه واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، تتضمن التشكيك بخبرة الشابات وأخلاقهن وكفاءتهن وقدرتهن على العطاء، فيما أشارت إلى أن الفضاء الرقمي أصبح أحد العوامل التي تخيف النساء والفتيات من دخول المجال السياسي.
وتقول إن المشكلة على مواقع التواصل الاجتماعي تصبح أكثر قسوة، إذ يجري التركيز على شكل المرأة وعمرها وحياتها الشخصية، بدلًا من برنامجها الانتخابي ومواقفها السياسية.
وتكشف مناصرة أن الضغوط الاجتماعية قد تصل إلى حد دفع الشابة للتراجع عن قرار الترشح، خصوصًا عندما تبدأ الأسئلة العائلية التقليدية: لماذا تخوضين هذه التجربة؟ ماذا ستجلب لك؟ وكيف ستؤثر على حياتك الشخصية ومستقبلك؟
وتؤكد أن الأمر لا يتعلق دائمًا برفض عائلي مباشر، بل بمنظومة اجتماعية كاملة تضع قرار المرأة السياسي تحت حسابات نظرة المجتمع والعائلة الممتدة ومستقبلها الشخصي.
الكوتا تفتح الباب.. لكن أين توضع المرأة داخل القائمة؟
ورغم وجود ضمانات قانونية لتمثيل النساء، فإن النقاش يذهب إلى سؤال أكثر حساسية: هل يكفي وجود المرأة في القائمة، أم أن القضية الحقيقية هي موقعها فيها؟
الأشقر ترى أن التجربة الانتخابية السابقة أظهرت أن الأحزاب تميل إلى وضع النساء في مواقع متأخرة من القوائم، حتى عندما تكون مشاركتهن مضمونة قانونيًا.
وتقول إن اشتراط وجود امرأة ضمن كل ثلاثة مرشحين لا يحسم وحده مسألة التمثيل الحقيقي، لأن وضع المرأة في المركز الثالث مثلًا قد يمنحها حضورًا على الورق، دون أن يضمن وصولها الفعلي إلى موقع صنع القرار.
"الأمناء العامون".. وجوه قديمة أمام جيل جديد
وتنتقد الأشقر استمرار هيمنة الرجال وكبار السن على المشهد الحزبي، مشيرة إلى أن بعض الأمناء العامين ما زالوا في مواقعهم منذ أكثر من عقدين أو ثلاثة عقود.
وترى أن هذا الواقع سينعكس على القوائم الانتخابية المقبلة، متوقعة ألا تكون هناك تغييرات جوهرية في مواقع متقدمة لصالح الشابات والشباب ما لم تحدث ضغوط داخلية حقيقية على الأحزاب.
في المقابل، ترى أن الجيل الشاب يمتلك فرصة للمناورة عبر تشكيل قوائم شبابية مستقلة أو الضغط من داخل الأحزاب لانتزاع مواقع أكثر تقدمًا.
الإعلام.. يعيد إنتاج الصورة النمطية أم يكسرها؟
ولم يسلم الإعلام من الانتقادات؛ إذ اعتبرت الأشقر أن وسائل الإعلام تميل أحيانًا إلى استضافة الشخصيات السياسية المعروفة والرجال أصحاب الخبرة، بدلًا من البحث عن أسماء شابة ونسوية جديدة.
وأكدت أن الإعلام يمكن أن يكون أداة تمكين حقيقية إذا منح الشابات مساحة لعرض تجاربهن وبرامجهن وقدراتهن، وتعامل معهن باعتبارهن صاحبات موقف ورؤية وبرنامج سياسي، لا مجرد "حضور نسوي" أو واجهة جديدة.
من "المرأة في القائمة" إلى "المرأة في موقع القرار"
وتجمع المشاركات على أن التمكين السياسي الحقيقي لا يتحقق بمجرد إدراج أسماء النساء والشابات في القوائم الانتخابية.
فالتمكين، وفق النقاش، يبدأ بمنح الشابات فرصًا حقيقية داخل الأحزاب، وتمكينهن من بناء الخبرة والشبكات السياسية والاجتماعية، ووضعهن في مواقع متقدمة تسمح لهن بالمنافسة والوصول إلى مواقع صنع القرار.
وتؤكد الأشقر أن الكوتا يمكن أن تكون إجراءً مرحليًا يساعد المجتمع على الاعتياد على وجود النساء في مواقع القيادة، لكنها ترى أن الهدف النهائي يجب أن يكون وصول المرأة والرجل والشاب والشابة على أساس الكفاءة والبرنامج.
شابات بلا "ظهر سياسي".. لكنهن يملكن أدوات جديدة
وفي مواجهة هذه المنظومة، تراهن المشاركات على الأدوات الرقمية التي تمنح الجيل الشاب فرصة للوصول المباشر إلى الجمهور بتكلفة أقل من الحملات التقليدية.
وترى الأشقر أن الشابات قادرات على الوصول إلى الفئات الشابة بصورة أكبر من القيادات التقليدية، شرط امتلاك خطاب سياسي واضح وبرنامج يستجيب لهموم المجتمع، وبناء تحالفات "عابرة للأجيال" تستفيد فيها الشابات من خبرات النساء اللواتي خضن التجربة السياسية قبلهن.
لا تنتظرن الظروف المثالية.. رسالة للمرشحات الشابات
وتخلص الحلقة إلى أن المعركة الحقيقية ليست فقط في الفوز بمقعد انتخابي، وإنما في فتح الطريق أمام جيل جديد للوصول إلى مواقع صناعة القرار.
وتوجه المشاركات رسالة مباشرة إلى الشابات الراغبات في الترشح: لا تنتظرن أن تصبح الظروف مثالية؛ ابنَين المعرفة والشبكات، وطوّرن خطابًا وبرنامجًا سياسيًا واضحًا، واستفدن من الإعلام الرقمي، ولا تدخلن الانتخابات لمجرد أنكن شابات، بل لأن لديكن قضية ورؤية لما يجب أن يتغير.
فالمطلوب، كما خلص النقاش، ليس مجرد "امرأة على ورقة الاقتراع"، وإنما امرأة وشابة تمتلك فرصة حقيقية للتأثير والقيادة وصناعة القرار.
الانتخابات المقبلة أمام اختبار حقيقي
وبينما تقترب الانتخابات التشريعية، تبدو مشاركة النساء والشباب أمام اختبار يتجاوز نسبة التمثيل والكوتا: هل ستفتح الأحزاب أبوابها فعلًا أمام الجيل الجديد، أم ستكتفي بإدراج الشابات في القوائم دون منحهن مواقع قادرة على إيصالهن إلى البرلمان؟
فالانتخابات لا تصبح أكثر ديمقراطية بمجرد ظهور أسماء نساء وشباب على ورقة الاقتراع، وإنما عندما يصبح الطريق إلى الترشح والتمثيل وصناعة القرار مفتوحًا أمام الجميع على أساس الكفاءة والبرنامج، لا العمر أو النوع الاجتماعي.