
يتم الاحتفاء بإبداع الشباب الفلسطيني وقدراتهم ومهاراتهم القيادية في قيادة المبادرات الإنسانية والمجتمعية، على مدى عقود من الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، والحروب المتكررة، والحصار، في مناسبات مختلفة من قبل منظمات التنمية والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية والجهات الداعمة لقضايا الشباب. وفي الوقت الذي تستلهم فيه المجموعات والحركات الشبابية في مختلف أنحاء العالم أدوارهم وإسهاماتهم، لا يتم التطرق مطلقًا إلى القضية الأساسية المتمثلة في غيابهم عن المحافل التي تُتخذ فيها القرارات الإنسانية.
لطالما كان الشباب الفلسطيني في الخطوط الأمامية، يقدمون الخدمات لمجتمعاتهم في أصعب الظروف وأكثر فصول التاريخ الفلسطيني قتامة. وقد واصلوا إظهار مهارات قيادية استثنائية خلال الإبادة الجماعية المتواصلة في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل تعرضهم لأزمات حادة ومتعددة الأبعاد، اتسمت بسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين، والتدمير الكبير للبنية التحتية، والانهيار الاقتصادي، وانعدام الأمن الغذائي، والتدهور البيئي، والأضرار النفسية والاجتماعية الشديدة، مع غياب أي آفاق واضحة لإنهاء مستدام ودائم للعنف الذي يطال المجتمع الفلسطيني ككل.
تُشكّل المبادرات الإنسانية التي يقودها الشباب الفلسطيني بارقة أمل وأفعالًا تجسّد الصمود والبقاء بالنسبة للفلسطينيين. فهم يحمون مجتمعاتهم، ويدافعون عن الهوية الفلسطينية، ويعززون القدرة على الصمود، ويجسدون التضامن بين أفراد المجتمع، ويحافظون على التماسك الاجتماعي. ويُعدّ الشباب أول المستجيبين لتقديم المساعدات في ظل الإغلاق والقصف؛ فهم ينظمون مراكز الإيواء، ويؤدون أدوارًا اجتماعية طارئة لدعم الأطفال الذين يعانون من آثار الصدمات النفسية. كما يضطلعون بأدوار منظمي المجتمع، وإعادة بناء البنية التحتية المتضررة، وتعليم الأطفال في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، والعمل في الأراضي الزراعية التي دمرتها الحرب. وهم كذلك العاملون في المجال الطبي الذين يساعدون المصابين في المستشفيات المكتظة، وحشد المجتمع لتعزيز تماسكه وتنفيذ حملات التوعية. إضافة إلى ذلك، يعملون كمدافعين ومدافعين عن حقوق الإنسان، مستخدمين الموارد والأدوات لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية، وإيصال أصوات شعبهم، وحشد الدعم الدولي لقضيتهم العادلة عبر مختلف المحافل.
ومع ذلك، لا تحظى هذه الإسهامات الحيوية بالاهتمام الكافي على طاولة صنع القرارات الإنسانية. فمسألة التمثيل الكامل للشباب في صميم عمليات صنع القرار المتعلقة بالبرامج والتدخلات الإنسانية إما يتم تأجيلها أو تجاهلها تمامًا. والسؤال ليس ما إذا كان الشباب الفلسطيني قادرًا على قيادة العمل الإنساني، فهم يقومون بذلك بالفعل. بل إن السؤال الحقيقي هو: لماذا يستمر استبعادهم من مساحات صنع القرار داخل منظومة العمل الإنساني، سواء في آليات التنسيق الإنساني، أو ما يُعرف بالمجموعات القطاعية أو غيرها من المنصات ذات الصلة؟
يُستبعد الشباب الفلسطيني بشكل منهجي من عمليات صنع القرار الإنساني نتيجة مجموعة من العوائق الهيكلية والسياسية والمؤسسية. وغالبًا ما يُنظر إلى الشباب باعتبارهم مستفيدين ومنفذين للاستجابات الإنسانية، بدلًا من اعتبارهم شركاء متساوين في صياغة هذه الاستجابات. كما تواجه المنظمات التي يقودها الشباب محدودية في الوصول إلى التمويل، ومنصات التنسيق، والاعتراف المؤسسي، مما يحد من قدرتها على التأثير في الأولويات الإنسانية. وفي فلسطين، تتفاقم هذه التحديات بفعل الاحتلال الإسرائيلي، والقيود المفروضة على حرية الحركة، وحالات النزوح المتكررة، وتجزئة الأرض الفلسطينية المحتلة، وكلها عوامل تعيق المشاركة الفاعلة والهادفة. إضافة إلى ذلك، تستمر اختلالات موازين القوى داخل منظومة العمل الإنساني في تركيز عملية صنع القرار لدى الجهات المانحة والمنظمات والوكالات الكبرى.
وعلى الرغم من وجود بعض المبادرات والبرامج التي تهدف إلى تعزيز حضور الشباب ومشاركتهم الفاعلة في مساحات صنع القرار داخل منظومة العمل الإنساني، فإنها لا تزال محدودة. ومن بين هذه المبادرات *مجموعة العمل الإنساني -الشبابية التي تم تأسيسها بدعم من مؤسسة آكشن إيد -فلسطين عام 2022. وتتألف الشبكة من متطوعين شباب من مختلف أنحاء فلسطين، وقد أظهرت نموذجًا حقيقيًا لما يمكن أن يبدو عليه العمل الإنساني الذي تقوده المجتمعات المحلية. وخلال الإبادة الجماعية في غزة، قام أعضاء المجموعة بتقييم الاحتياجات في مراكز الإيواء ومواقع النزوح، وحشد التبرعات، وتوزيع الغذاء والمستلزمات الأساسية، وتنظيم أنشطة الدعم النفسي والاجتماعي والأنشطة الترفيهية للأطفال، ودعم الأسر المهمشة، وإيصال أصوات المجتمعات المحلية من خلال الإعلام والمناصرة. ويواصل العديد من هؤلاء المتطوعين عملهم الإنساني رغم معايشتهم للظروف الصعبة ذاتها التي تعاني منها المجتمعات التي يخدمونها. ويوضح أحد أعضاء المجموعة أنه رغم فقدانه لأشخاص من أحبائه ومروره بتجارب نزوح متكررة، *«هذه الظروف تحفزني على مواصلة العمل التطوعي ورسم الابتسامة على وجوه أطفالنا وكبار السن لدينا»**.
إن إدماج الشباب الفلسطيني في هياكل منظومة العمل الإنساني يضيف قيمة حقيقية للعمل الإنساني، ولا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد عنصر تكميلي. فالشباب يمتلكون معرفة عميقة وفهمًا دقيقًا للسياق المحلي، والاحتياجات، والبدائل والحلول المتاحة التي تهم مجتمعاتهم. وهم يعرفون الأسر التي لا تزال معزولة، وأماكن انتقال الفئات الأكثر ضعفًا، والطرق التي يمكن الوصول إليها، وأماكن توفر الموارد، وكيف تنظم المجتمعات نفسها في ظل الأزمات. كما يمتلكون شبكات اجتماعية لا يمكن للجهات الفاعلة الخارجية أن تحاكيها أو تستنسخها. وقد تجلّى هذا الفهم العميق من خلال سرعة تنفيذ التدابير اللازمة، وقدرتهم على تحديد الاستجابات المجتمعية الناشئة وتنسيقها، والوصول إلى الفئات المهمشة، والتكيف بسرعة مع تغير الظروف.
ولا يمكن تحقيق عمل إنساني فعال، أو تجسيد مبادئ مثل التوطين، والمساءلة، والمشاركة المجتمعية، دون وضع الشباب في صميم عملية صنع القرار المتعلقة بالاستجابة الإنسانية.
ويعكس نموذج مجموعة العمل الإنساني الشبابية- فلسطين أهمية الاستثمار في بناء قدرات الشباب، بما يجسد رؤية طويلة الأمد، بدلًا من الاكتفاء بتدخلات طارئة قصيرة الأجل. وتوفر لأعضاء المجموعة فرصًا للإرشاد والتوجيه، والتدريب في مجال المناصرة، والتطوير المؤسسي. وفي المقابل، وظّف الشباب هذه المهارات والقدرات لتوسيع نطاق تأثيرهم بما يتجاوز مجرد تقديم الخدمات المباشرة.
شارك متطوعو مجموعة العمل الإنساني الشبابية- فلسطين في نقاشات التنسيق الإنساني، وساهموا في تقييم الاحتياجات، ودعم تصميم تدخلات الدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدة في إنشاء لجان للطوارئ والحماية في عدد من المحافظات الفلسطينية، كما انخرطوا بشكل مباشر مع الجهات الفاعلة في المجال الإنساني من خلال المقابلات الإذاعية، والندوات الإلكترونية، وحملات المناصرة، والحوار العام. وقد اضطلعت الشابات، على وجه الخصوص، بدور قيادي متزايد الحضور والوضوح، متحديات الحواجز التقليدية أمام العمل المجتمعي ، وقيادتهن للمبادرات المجتمعية وحملات المناصرة والاستجابات لحالات الطوارئ. كما يقدن حملات ونقاشات تطالب بتخصيص مساحة أكبر للشباب على طاولة صياغة السياسات والبرامج الإنسانية.
إن حضور الشباب في الحملات الدولية الكبرى، والمشاورات، والمؤتمرات الواسعة النطاق، لا يعني بالضرورة مشاركتهم بصورة هادفة. ولكي تكون المشاركة ذات معنى، يجب إشراك الشباب في جميع مراحل دورة المساعدة الإنسانية، بدءًا من تقييم الاحتياجات وتحديد الأولويات، مرورًا بتصميم البرامج وتنفيذها ورصدها وتقييمها والتعلم منها. ويتطلب ذلك أيضًا ضمان تمثيل الشباب ضمن آليات التنسيق الإنساني، ونظام المجموعات القطاعية والمجموعات الاستشارية، ومنصات صنع القرار التي يتم فيها تحديد الأولويات والتمويل والاستراتيجيات.
ويقول أحد أعضاء مجموعة العمل الإنساني الشبابية فلسطين : " إن قيادة حملات المناصرة الشبابية لتمكين الشباب وتعزيز دورهم في منظومة العمل الإنساني ليست مهمة سهلة في سياق مليء بالتحديات. وغالبًا ما تكون وجهات نظرنا غائبة عن نقاشات السياسات، مما يؤدي إلى استجابات إنسانية قد لا تعكس بشكل كامل الواقع والأولويات والحلول التي يحددها الشباب".
لا يمكن تحقيق استجابات وإجراءات إنسانية شاملة وتشاركية لا تترك أحدًا خلف الركب، إذا ظل الشباب الفلسطيني خارج الغرف التي تُتخذ فيها القرارات الإنسانية. ويتطلب إدماج وجهات نظر الشباب تخصيص تمويل موجه للمنظمات التي يقودها الشباب، والاستثمار المستدام في تطوير مهاراتهم القيادية، ووضع آليات للمساءلة تضمن أن تؤثر توصيات الشباب بشكل فعلي في عملية التخطيط الإنساني.