
وطن للأنباء: حذّرت مؤسسات حقوقية ومجتمع مدني من أن نزاهة الانتخابات الفلسطينية لا تُقاس فقط بسلامة صناديق الاقتراع وإعلان النتائج، وإنما بمدى توفير بيئة سياسية وقانونية آمنة تضمن للناخب والمرشح والناشط والصحفي ممارسة أدوارهم وحقوقهم دون ضغط أو تهديد أو تضييق.
جاء ذلك خلال حلقة جديدة من منصة "مواطنات" التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، وناقشت أمن الناخب والناشط وحدود الحريات العامة خلال الفترات الانتخابية وآليات الحماية القانونية ودور المؤسسات الحقوقية والمجتمع المدني، بمشاركة المستشار القانوني لمؤسسة الحق أشرف أبو حية، ومدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" د. عمر رحال.
الاحتلال والتدخلات الداخلية.. ضغوط تبدأ قبل صندوق الاقتراع
وقال المستشار القانوني لمؤسسة الحق، أشرف أبو حية، إن الانتخابات المحلية الأخيرة كشفت عن مستويين من التدخلات، أولهما مرتبط بالاحتلال الإسرائيلي، الذي مارس ضغوطاً على مرشحين ومنتخبين، فيما يرتبط المستوى الثاني بالواقع الداخلي الفلسطيني.
وأوضح أبو حية أن تدخل الاحتلال برز من خلال الضغط على بعض المرشحين ومنعهم من الترشح أو الاستمرار في المجالس المحلية بعد فوزهم، مشيراً إلى أن مثل هذه التدخلات لم تقتصر على الانتخابات المحلية، بل ظهرت أيضاً في سياقات انتخابية أخرى.
أما على المستوى الداخلي، فأشار إلى وجود ضغوط وتدخلات في بعض مراحل تشكيل القوائم، لافتاً إلى أن المشكلة لا تقتصر على وقوع الانتهاك، وإنما تتفاقم بسبب خوف المتضررين من تقديم إفادات أو شكاوى.
وقال أبو حية إن كثيراً من الحالات التي حاولت المؤسسات الحقوقية التواصل معها للحصول على إفادات مكتوبة "تراجعت تحت ضغط الخوف"، مؤكداً أن ذلك يجعل بيئة الحقوق والحريات حجر الزاوية في تقييم شفافية ونزاهة العملية الانتخابية برمتها.
وشدد على أن المواطن الذي يتعرض للتهديد أو التأثير يمتلك خيارات قانونية، من بينها التوجه إلى المؤسسات الرقابية والحقوقية أو إلى لجنة الانتخابات المركزية والنيابة العامة، باعتبار أن التأثير على العملية الانتخابية والضغط على الناخبين والمرشحين يمكن أن يشكل مخالفة أو جريمة يعاقب عليها القانون.
رحال: رصدنا خروقات.. لكن لجنة الانتخابات أثبتت مهنيتها
من جهته، قال مدير مركز "شمس" د. عمر رحال إن المركز راقب الانتخابات المحلية الأخيرة ميدانياً من الخليل حتى جنين، من خلال نحو 100 مراقب ومراقبة، مؤكداً أن عملية الاقتراع شهدت عدداً من الخروقات، لكنها لم تنتقص من مهنية لجنة الانتخابات المركزية.
وقال رحال إن المركز لم يسجل أي ملاحظة أو شكوى بحق العاملين في لجنة الانتخابات المركزية أو أعضائها، مشدداً على أن اللجنة أثبتت قدرتها المهنية على إدارة العملية الانتخابية والوقوف على مسافة واحدة من مختلف الأطراف.
وفي المقابل، أشار إلى رصد حالات من انتحال الشخصية، واستمرار الدعاية الانتخابية خلال فترة الاقتراع، ومشكلات مرتبطة بإتاحة الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، إضافة إلى ظاهرة التصويت كأميين.
وأوضح أن ظاهرة التصويت كأميين كانت لافتة، مشيراً إلى أن بعض المواطنين الذين يمتلكون مستويات تعليمية مرتفعة لجأوا إلى التصويت بهذه الصفة، مشيرا أن تصويت الأميين يتطلب مرافقين وبالتالي يتم معرفة الجهة التي سيتم التصويت لها.
وقال رحال إن المركز سلّم تقريره إلى لجنة الانتخابات المركزية وناقش ملاحظاته معها، مؤكداً أن الهدف من الرقابة ليس تسجيل الانتهاكات من أجل التسجيل، وإنما معالجة الإشكاليات وتفادي تكرارها في الانتخابات المقبلة.
ماذا بعد الرصد؟.. من التقرير إلى الحماية والمساءلة
وشكّل السؤال حول ما بعد توثيق الانتهاكات محوراً أساسياً في النقاش، إذ شدد المشاركون على أن إصدار التقارير والبيانات لا ينبغي أن يكون نهاية عملية الرقابة.
وأكد رحال وجود قنوات تواصل مباشرة مع لجنة الانتخابات المركزية خلال الانتخابات السابقة، مشيراً إلى أن المركز كان قادراً على إيصال الشكاوى والإشكاليات بشكل فوري إلى اللجنة، التي بدورها تتواصل مع الجهات المختصة.
واستشهد بحالة وقعت خلال انتخابات سابقة، عندما مُنحت إحدى القوائم المحلية عرقلة في الحصول على الوثائق اللازمة للتسجيل، موضحاً أن تدخل المؤسسات الرقابية والتواصل مع لجنة الانتخابات المركزية أدى إلى معالجة المشكلة ومحاسبة المسؤول عنها.
لكنه شدد على ضرورة التمييز بين الانتهاكات التي تقع ضمن صلاحيات لجنة الانتخابات المركزية وتلك التي تتطلب تدخلاً من جهات حكومية أو قانونية أخرى، مؤكداً أن المؤسسات الرقابية لا تتواصل مباشرة مع الأجهزة الأمنية، وإنما تمرر الشكاوى عبر الجهات المخولة قانوناً.
أبو حية: القانون الأساسي يضمن الحريات.. لكن المطلوب رسالة واضحة للمواطن
وأكد أبو حية أن القانون الأساسي الفلسطيني يكفل الحق في الترشح والانتخاب وحرية المواطنين، لكنه رأى أن الواقع السياسي والحقوقي يتطلب إعادة التأكيد العملي على هذه الضمانات.
وقال إن المطلوب ليس إصدار قوانين جديدة بالضرورة، وإنما إيصال رسالة واضحة إلى المواطنين بأن الحق في الترشح والحق في الانتخاب حق أصيل ودستوري يجب أن يمارسه المواطنون دون تدخل أو تأثير.
وأضاف أن البيئة الانتخابية تحتاج إلى ضمانات واضحة تتيح للمواطن تقديم شكواه دون خوف، مع توفير حماية واستجابة سريعة للمتضررين، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
لا يكفي أن نراقب يوم الاقتراع
وشدد أبو حية على أن الرقابة الانتخابية لا ينبغي أن تبدأ عند فتح صناديق الاقتراع، بل يجب أن تشمل السجل الانتخابي، ومرحلة الترشح، وتشكيل القوائم، والدعاية الانتخابية، ويوم الاقتراع، والفرز وإعلان النتائج، والطعون.
وأوضح أن كل مرحلة تحمل مخاطر وانتهاكات محتملة مختلفة، وبالتالي تحتاج إلى أدوات رصد وتدخل مناسبة.
وأشار إلى أن المجتمع المدني لا يحتاج بالضرورة إلى توحيد جميع منهجيات الرقابة، معتبراً أن تنوع أدوات ومقاربات المؤسسات الحقوقية والرقابية يمثل نقطة قوة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية التنسيق في القضايا الكبرى المتعلقة بالحقوق والحريات والانتخابات والإطار القانوني.
رحال: التقارير ليست غاية.. المطلوب ردم الفجوة ومعالجة الإشكاليات
ودعا رحال لجنة الانتخابات المركزية إلى التعامل بجدية أكبر مع التقارير الصادرة عن المؤسسات الرقابية والحقوقية، والعمل على معالجة الملاحظات المتكررة من انتخابات إلى أخرى.
وقال إن المطلوب عقد لقاءات دورية بين لجنة الانتخابات المركزية ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات الرقابية، بهدف مناقشة الاستعدادات للانتخابات التشريعية المقبلة، والاستماع إلى احتياجات اللجنة والعقبات التي تواجهها، بالتوازي مع عرض ملاحظات وانتقادات المؤسسات الرقابية.
وشدد رحال على أن عمل المجتمع المدني "ليس موسمياً"، بل يمتد إلى جميع مراحل العملية الانتخابية، وصولاً إلى متابعة أداء المجالس المنتخبة بعد تشكيلها ومساءلتها استناداً إلى برامجها الانتخابية.
انتقادات لتراجع الدعم الدولي للرقابة الانتخابية
وفي سياق متصل، انتقد رحال ما وصفه بتراجع اهتمام عدد من الشركاء الدوليين بدعم العملية الانتخابية ودور مؤسسات المجتمع المدني الرقابي.
وقال إن المؤسسات الأهلية والحقوقية لا تستطيع القيام بدورها الرقابي بالشكل المطلوب دون موارد ودعم مستمر، مشيداً في الوقت نفسه بدور برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP في التواصل مع المؤسسات العاملة في هذا المجال.
وأكد أن الانتخابات ليست العملية الديمقراطية برمتها، وإنما جزء من منظومة ديمقراطية أوسع تتطلب وجود مؤسسات قوية، ومساءلة مستمرة، ومساحة عامة آمنة.
التزكية وتشكيل القوائم.. إشكاليات تحتاج إلى معالجة تشريعية
وأشار رحال إلى استمرار عدد من الإشكاليات المرتبطة بالإطار القانوني للانتخابات المحلية، ولا سيما ما يتعلق بالتزكية وتشكيل القوائم من الأقارب من الدرجتين الأولى والثانية، معتبراً أن معالجة هذه القضايا تقع خارج صلاحيات لجنة الانتخابات المركزية وتتطلب تدخلاً من الحكومة ووزارة الحكم المحلي.
ودعا إلى مراجعة التشريعات الناظمة للعملية الانتخابية والاستماع إلى ملاحظات مؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن توسيع المنافسة السياسية وعدم وجود ثغرات يمكن أن تؤثر على حق المواطنين في الترشح والاختيار.
الانتخابات الآمنة.. ليست انتخابات بلا مخالفات
خلصت الحلقة إلى أن التحدي الحقيقي أمام الانتخابات المقبلة لا يتمثل فقط في منع المخالفات، وإنما في بناء منظومة استجابة سريعة ومتكاملة تضمن حماية المواطن عندما يتعرض لانتهاك، وتحول عملية الرصد والتوثيق إلى إجراءات قانونية ومساءلة فعلية.
وأكد المشاركون أن الانتخابات النزيهة لا تبدأ يوم الاقتراع، وأن حرية الناخب تبدأ قبل وصوله إلى الصندوق، كما تبدأ حرية المرشح قبل فتح مراكز التصويت، فيما تشكل حرية الصحفي والناشط والمراقب جزءاً أساسياً من نزاهة العملية الديمقراطية.
وتطرح الانتخابات التشريعية المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الرسمية والحقوقية والمجتمع المدني على الانتقال من مجرد رصد الانتهاكات إلى منعها والاستجابة لها وحماية المتضررين وضمان وصولهم إلى العدالة والإنصاف.