
وطن للأنباء: إلى الشمال من مدينة قلقيلية، تقع بلدة جيوس، التي عُرفت على مدى عقود بأراضيها الزراعية الخصبة، ووفرة مياهها، وبساتين الزيتون والحمضيات والخضروات التي شكّلت مصدر رزق أساسي لأهاليها.
لكن هذه الأرض، التي طالما كانت عنواناً للخير والعطاء، بدأت تواجه واقعاً مختلفاً منذ إقامة جدار الفصل العنصري، مع تصاعد عمليات مصادرة الأراضي وتضييق الخناق على المزارعين.
.png)
فما كان يوماً طريقاً مفتوحاً إلى الحقول، أصبح اليوم محفوفاً بالقيود والإجراءات، فيما تتقلص مساحة الأرض التي يستطيع المزارع الوصول إليها، وتتزايد العقبات أمام من يتمسك بأرضه ومصدر رزقه.
في جيوس، لا يدافع المزارعون عن محصولهم فحسب، بل عن أرضٍ ارتبطت بها حياتهم، وعن حكاية قرية تخشى أن تفقد يومًا بعد آخر ما تبقى من مساحاتها الزراعية.
ويقول واصف يوسف، مدير بلدية جيوس، لوطن للأنباء:إن معاناة المزارعين تتفاقم بفعل وجود الجدار بمحاذاة البلدة، مشيًًا إلى أنه عزل نحو 8600 دونم من أصل 18 ألف دونم من الأراضي الزراعية التابعة لجيوس.
ولم تتوقف المعاناة عند عزل الأراضي، بل امتدت إلى المنشآت الزراعية والمساكن، إذ هُدم منزل في البلدة نهاية شهر شباط/فبراير، إلى جانب ثلاثة بيوت بلاستيكية تعود للمواطن راشد سليم، فيما تتهدد أوامر الهدم نحو ثلاثين بيتاً بلاستيكياً مزروعة بالخضروات والفواكه، داخل الجدار وخارجه.
.png)
ورغم كل ذلك، يتمسك المزارعون بأرضهم، ويحاولون مواصلة زراعتها بما تيسّر لهم من إمكانات.
تقول زريفة أبو شارب، صاحبة منزل مهدوم في جيوس، لوطن للأنباء: "بقينا نزرع بندورة، خيار، فلفل، باذنجان، والحمد لله مستورين وعايشين."
لكن البقاء في الأرض لا يعني أن الطريق إليها أصبح سهلًا. فالمزارعون يواجهون سلسلة من العقبات، تبدأ بصعوبة إدخال الأشتال والمستلزمات الزراعية، ولا تنتهي عند إجراءات الحصول على تصاريح الدخول إلى الأراضي الواقعة خلف الجدار.
ويقول المزارع أحمد قدومي، لوطن للأنباء، إن القطاع الزراعي يواجه تحديات متعددة، سواء في العملية الزراعية نفسها أو في تسويق المنتجات، موضحاً أن المزارعين يعانون من صعوبة إدخال الأشتال، وتأخر إصدار التصاريح، وصعوبة الوصول إلى الأراضي، فيما يحرم بعضهم من التصاريح بشكل كامل.
أما المزارع معاذ خالد، فيشير لوطن للأنباء، إلى أن أي مخالفة قد تؤدي إلى حرمان المزارع من التصريح، ما يجعل الوصول إلى الأرض مرتبطاً بسلسلة من القيود التي لا يملك المزارع السيطرة عليها.
ويقول إن بعض أصحاب الأراضي لا يستطيعون الوصول إليها رغم امتلاكهم لها، فيما يواجه آخرون قيوداً حتى على مرافقة أفراد أسرهم أثناء دخولهم إلى أراضيهم.
.png)
وتوضح المزارعة والناشطة النسوية سونا خريشة، لوطن للأنباء، أن القيود تمتد كذلك إلى عدد الأشخاص المسموح لهم بدخول الأراضي الواقعة خلف الجدار، مشيرة إلى أن بعض المزارعين حُرموا من تصاريح الدخول إلى أراضيهم لأكثر من عامين.
وتقول إن ترك الأرض من دون زراعة أو رعاية لفترة طويلة يؤدي إلى تراجع إنتاجيتها وتهميشها، في وقت تحيط فيه بجيوس عدة مستوطنات، ولا يبقى أمام البلدة سوى مدخل شرقي مفتوح.
هنا، لا تبدو المسألة مجرد قيود على الحركة، بل معركة مفتوحة على الأرض ومصدر الرزق.
فنحو خمسة آلاف مواطن يعيشون في جيوس، يعتمد كثير منهم على الزراعة، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وارتفاع معدلات البطالة، ما يجعل أي تضييق على القطاع الزراعي تهديدًا مباشرًا لمصدر دخل الأسر واستقرارها.
ومع تزايد التحديات، يطالب المزارعون بمزيد من الدعم الرسمي والدولي، لمساعدتهم على الصمود في أراضيهم والحفاظ على قطاع زراعي يشكل أحد أعمدة الحياة الاقتصادية في البلدة.
.png)
ويؤكد أحمد قدومي أن المزارعين بحاجة إلى دعم الجهات الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الزراعة، إلى جانب الجهات والدول المانحة، لمساعدتهم على مواجهة أعباء الزراعة والتسويق وتعزيز قدرتهم على الاستمرار.
وفي المقابل، تتزايد مخاوف المزارعين من اتساع دائرة القيود لتشمل المياه والإنتاج الزراعي، بما قد يضيف عبئًا جديدًا على واقعهم الاقتصادي.
ويقول معاذ خالد إن المزارعين يخشون من فرض قيود مستقبلية على كميات المياه التي يمكن سحبها، الأمر الذي قد ينعكس بصورة مباشرة على قدرتهم على ري محاصيلهم والاستمرار في الإنتاج.
أما بلدية جيوس، فتقرّ بمحدودية إمكاناتها، لكنها تؤكد سعيها إلى تقديم ما تستطيع من دعم ومساندة للمزارعين.
ويقول واصف يوسف إن صعوبة الحصول على التصاريح، وإخطارات الهدم، ومنع المعدات الزراعية من الوصول إلى الأراضي أو مصادرتها، إلى جانب إغلاق الطرق بين الحين والآخر، كلها إجراءات تثقل كاهل المزارعين وتزيد من صعوبة بقائهم في أرضهم.
.png)
خلف الجدار، وبين أشجار الزيتون والبيوت البلاستيكية، يواصل المزارعون العمل في أرضهم رغم القيود، لأن تركها يعني خسارة أكثر من محصول؛ يعني خسارة جزء من المكان والحكاية والهوية.
وهكذا، تتحول كل شجرة زيتون تُزرع، وكل بيت بلاستيكي يُعاد بناؤه، وكل موسم زراعي جديد، إلى محاولة للتمسك بالأرض في وجه واقعٍ يزداد تضييقًا يومًا بعد يوم.