
كتب اسماعيل الريماوي: لم يكن توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في هذا التوقيت حدثاً استثنائيا ، ولا يمكن قراءته باعتباره مجرد اتفاق أمني جديد يضاف إلى سلسلة الاتفاقيات العسكرية في المنطقة، فالتوقيت وحده يمنح الاتفاق دلالات استراتيجية عميقة، إذ يأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة حرباً مفتوحة مع إيران، وتبادلاً للضربات، وانتقال تداعيات المواجهة إلى الخليج، بما في ذلك استهداف قواعد ومواقع أميركية في عدد من دول المنطقة، وهو ما وضع أمن دول الخليج أمام اختبار حقيقي ، حيث لا تسمي الاتفاقية إيران أو إسرائيل أو أي دولة أخرى باعتبارها عدواً، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بوضوح، مشدداً على أن الاتفاقية دفاعية ولا تستهدف أي دولة ما لم تشن هجوماً مسلحاً على إحدى الدول الأعضاء.
لكن قراءة الاتفاق لا يمكن أن تتوقف عند النص الرسمي، لأن التحالفات الدولية تُقرأ أيضاً من خلال توقيتها وأطرافها والبيئة الأمنية التي ولدت فيها، فالقاعدة الأساسية في الاتفاق، وهي أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، تضع مبدأ دفاع جماعي يشبه من حيث الفكرة مبدأ المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، وإن كانت آليات التنفيذ مختلفة، وهذه النقطة هي جوهر الاتفاق وأهم رسائله؛ إذ لا يحتاج التحالف إلى تسمية خصم حتى يمارس الردع، فمجرد معرفة أي طرف بأن استهداف دولة واحدة قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع مع دولتين تمتلكان قدرات عسكرية واستراتيجية كبيرة يمكن أن يغير حساباته قبل اتخاذ قرار الهجوم.
ومن هنا يمكن فهم لماذا جاء الاتفاق الآن، وسط الحرب على إيران، وليس في وقت أكثر هدوءاً، فقد كشفت الحرب هشاشة المعادلة الأمنية في الخليج، فقد اثبتت الحرب بان القواعد الأميركية الموجودة في المنطقة لم تشكل مظلة ردع وحماية لدول الخليج، بل جعلت تلك الدول مرتبطة بصورة مباشرة بأي حرب تخوضها واشنطن، إذ يمكن أن تتحول القواعد الموجودة على أراضيها إلى أهداف في أي مواجهة مع إيران، وهو ما حدث بالفعل مع انتقال الضربات إلى مواقع وقواعد أميركية في المنطقة، وبذلك وجدت دول الخليج نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: هي تريد الحماية الأميركية، لكنها لا تريد أن تتحول أراضيها إلى ساحات حرب، وتريد في الوقت نفسه الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن من دون أن يكون أمنها مرهوناً بالكامل بقرار أميركي قد يتغير وفقاً للحسابات السياسية والعسكرية في واشنطن، ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة اتفاقية مكة باعتبارها محاولة لبناء طبقة إضافية من الردع الإقليمي، وليس بالضرورة بديلاً عن المظلة الأميركية.
السعودية التي تعرضت خلال السنوات الماضية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت حيوية، تدرك أن امتلاك منظومات دفاعية متطورة لا يكفي وحده، وأن الردع الحقيقي يحتاج إلى شبكة تحالفات تجعل تكلفة استهدافها أكبر بكثير، وهنا تأتي أهمية تركيا وباكستان؛ فتركيا تمتلك جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية متطورة وخبرة عسكرية واسعة، بينما تضيف باكستان ثقلاً عسكرياً واستراتيجياً مختلفاً، فضلاً عن علاقاتها الدفاعية التاريخية مع السعودية، وبالتالي فإن الرياض لا تحصل من الاتفاق على قوة عسكرية جديدة بقدر ما تحصل على توسيع دائرة الردع وجعل أي اعتداء عليها أكثر تعقيداً من الناحية العسكرية والسياسية.
أما تركيا، فإن دخولها في الاتفاقية يعكس رغبة واضحة في أن تكون جزءاً أساسياً من صياغة الأمن الإقليمي، لا مجرد طرف يتلقى تداعيات قرارات القوى الكبرى، أنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تعمل منذ سنوات على تعزيز استقلال قرارها الدفاعي وتوسيع شراكاتها العسكرية والصناعية مع دول المنطقة، ولذلك يمكن النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها شبكة أمن إقليمية مكملة، وليست بالضرورة منافسة للحلف الأطلسي، أما باكستان فإن وجودها يمنح الاتفاقية بعداً جغرافياً واستراتيجياً أوسع، فهي تربط الخليج بجنوب آسيا، وتمتلك قوة عسكرية كبيرة وخبرة طويلة في التعاون الدفاعي مع السعودية، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى نواة ترتبط فيها ثلاثة أقاليم مهمة: الخليج والشرق الأوسط وجنوب آسيا، ولهذا فإن اختزال الاتفاقية في أنها موجهة ضد إيران قد يكون قراءة ناقصة، حتى وإن كانت إيران واحدة من الأطراف التي ستأخذ التطور الجديد في حساباتها، فالاتفاقية لا تعلن الحرب على طهران ولا تسميها خصماً، بل تقدم نفسها باعتبارها منظومة دفاعية لا تتحرك إلا في حال وقوع هجوم، لكن هذا لا يمنع أن تشكل الاتفاقية عاملاً جديداً في الحسابات الإيرانية، خصوصاً في ظل الحرب الحالية، لأن طهران باتت تدرك أن أي توسع في المواجهة بات يمكن أن يواجه شبكة دفاعية إقليمية أكثر تنظيماً، وفي المقابل، لا يمكن فصل الاتفاق عن إسرائيل أيضاً، فإسرائيل تمثل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في المنطقة، وتحظى بدعم أميركي واسع.
ولذلك فإن قيام ثلاث قوى إقليمية كبيرة ببناء منظومة دفاعية مشتركة يمكن أن يُقرأ أيضاً باعتباره محاولة لإعادة توزيع القدرة على الردع وعدم ترك ميزان القوة الإقليمي قائماً على تفوق طرف واحد أو على مظلة دولة كبرى واحدة، لكن الأهم أن الاتفاقية لا تحتاج إلى الدخول في حرب مع إيران أو إسرائيل حتى تحقق هدفها؛ فجوهر الردع هو أن تمنع الحرب قبل وقوعها، وأن تجعل الخصم يفكر في تكلفة الهجوم قبل أن يفكر في نتائجه، فإذا أصبح واضحاً أن ضرب السعودية قد يفتح الباب أمام دعم تركي وباكستاني، فإن القرار العسكري يصبح أكثر صعوبة، وإذا تعرضت تركيا أو باكستان لهجوم، فإن المعادلة نفسها يمكن أن تعمل في الاتجاه الآخر، ولهذا فإن القيمة الحقيقية للاتفاقية قد تكون في قدرتها على تغيير الحسابات، لا في استخدامها فعلياً في حرب، ومن هنا يأتي اختيار مكة مكاناً للتوقيع ليمنح الاتفاق بعداً رمزياً وسياسياً يتجاوز العلاقات الثنائية بين الدول الثلاث، خصوصاً أن الحديث عن إمكانية انضمام دول أخرى مستقبلاً يفتح الباب أمام تحول الاتفاق من إطار ثلاثي إلى منظومة أوسع، وهو ما قد يجعلها في حال توسعها وتطورها نواة حلف إقليمي ذي ثقل كبير، وإذا انضمت مستقبلاً دول أخرى ذات وزن عسكري وسياسي، فقد يتحول الاتفاق من مجرد ترتيبات دفاعية إلى مشروع أمني إقليمي جديد يمتلك ثقلاً سكانياً وعسكرياً واقتصادياً وجغرافياً قادراً على التأثير في موازين القوى، لكن هنا تكمن أيضاً نقطة الاختبار الأساسية، فالتحالفات العسكرية لا تُقاس بما تقوله الوثائق وإنما بما تستطيع تنفيذه عندما تقع الأزمة، السؤال الحقيقي ليس ماذا سيحدث إذا تعرضت دولة لهجوم، بل كيف ستتصرف الدول الثلاث في اليوم التالي للهجوم؟ هل يوجد قرار تلقائي بالدفاع؟ هل توجد قيادة عسكرية مشتركة؟ هل توجد قوات جاهزة للتحرك؟ هل توجد شبكة متكاملة للدفاع الجوي والصاروخي؟ وهل يمكن دمج المعلومات الاستخباراتية وأنظمة الإنذار المبكر والصناعات الدفاعية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت اتفاقية مكة تحالفاً عسكرياً حقيقياً أم إطاراً سياسياً متقدماً للردع والتنسيق، ومع ذلك، فإن مجرد الانتقال من التعاون الثنائي إلى التزام دفاعي جماعي بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل تحولاً مهماً في التفكير الأمني الإقليمي، والأهم أن الاتفاق يحمل رسالة إلى الولايات المتحدة أيضاً، وإن لم تكن موجهة إليها بصورة مباشرة؛ فالرياض لا تقول إنها ستتخلى عن تحالفاتها مع واشنطن، لكنها تقول بصورة غير مباشرة إن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى معتمداً بالكامل على قرار قوة خارج المنطقة، خصوصاً بعد أن أظهرت الحرب على إيران أن وجود القواعد الأميركية يمكن أن يجعل الدول المضيفة لها جزءاً من تداعيات أي حرب إقليمية، ولذلك فإن بناء قدرة ردع إقليمية لا يعني بالضرورة الابتعاد عن الولايات المتحدة، بل يعني امتلاك خيارات أوسع في حال تغيرت السياسة الأميركية أو تراجعت المظلة الأمنية الأميركية في المستقبل، ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها محاولة للانتقال من مفهوم الاعتماد على الحماية الخارجية إلى مفهوم الشراكة في صناعة الأمن، أو على الأقل إلى بناء مظلة إقليمية تستطيع أن تعمل بالتوازي مع المظلات الدولية القائمة، وفي المحصلة، فإن اتفاقية مكة قد لا تكون إعلان حرب على إيران، وليست تحالفاً معلناً ضد إسرائيل، وليست بالضرورة بديلاً عن الولايات المتحدة، لكنها تحمل رسالة استراتيجية أعمق: دول المنطقة بدأت تدرك أن أمنها لا يمكن أن يبقى رهينة صراع القوى الكبرى، وأن الحرب الحالية على إيران كشفت الحاجة إلى بناء قدرة إقليمية مستقلة نسبياً على الردع والحماية الخارجية، وإذا بقي الاتفاق في إطاره الحالي، فإنه سيظل تحالفاً دفاعياً مهماً بين ثلاث دول ذات ثقل كبير، أما إذا تطور إلى قيادة مشتركة، وتكامل في الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل استخباراتي واسع، وصناعات دفاعية مشتركة، وانضمام دول أخرى، فإنه قد يتحول إلى نواة حلف إقليمي جديد يعيد رسم جزء من خريطة القوة في الشرق الأوسط، وعندها لن يكون السؤال الحقيقي: هل اتفاقية مكة ضد إيران أم ضد إسرائيل؟ بل سيكون السؤال الأهم: هل بدأت المنطقة أخيراً في بناء منظومة أمن تستطيع أن تحميها وتردع خصومها من دون أن يكون قرار الحرب والسلام فيها بيد الآخرين؟ أم أنه تحالف وقتي في ظل توتر إقليمي ينتهي متى انتهى عذا التوتر ؟؟ .