نبهان خريشه يكتب لوطن: هل ينجح الوسطاء في المفاوضات حول السلاح والإنسحاب من غزة ؟

05/08/2026

بعد التصعيد العسكري الأخير، تبدو المفاوضات المتعلقة بقطاع غزة وكأنها دخلت المرحلة الأكثر حساسية منذ اندلاع الحرب. فلم يعد الخلاف يدور حول إمكانية التوصل إلى تفاهم سياسي أولي بين إسرائيل وحركة حماس، وإنما انتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بكيفية ترجمة أي تفاهم إلى إجراءات ميدانية قابلة للتنفيذ، في ظل انعدام شبه كامل للثقة بين الطرفين. فالتاريخ الطويل من الاتفاقات التي انهارت قبل أن تكتمل، والتجارب المريرة التي تركت آثارها على جميع اللاعبين، جعلت السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل يمكن توقيع اتفاق؟ بل: كيف يمكن ضمان ألا ينهار الاتفاق عند أول خطوة عملية؟

هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر وقطر، بدعم أمريكي مباشر، إذ لم تعد مهمتهم تقتصر على تقريب وجهات النظر أو تقريب المسافات بين النصوص السياسية، وإنما أصبحت تتطلب ابتكار هندسة تنفيذية دقيقة تمنع انهيار التفاهمات بمجرد انتقالها من الورق إلى الميدان.

فالحديث عن موافقة مبدئية على إخراج سلاح حماس من المعادلة العسكرية، أو وضعه تحت ترتيبات جديدة، لا يعني أن الطريق أصبح معبداً نحو التسوية.فالفارق بين الإعلان السياسي والتنفيذ العملي لا يقاس بالكلمات، بل بحجم المخاطر الأمنية والسياسية التي يشعر بها كل طرف. فحماس لا تنظر إلى سلاحها باعتباره مجرد وسيلة قتالية، بل تعتبره الضمانة الأخيرة التي تحول دون فرض ترتيبات أحادية عليها أو تكرار تجارب سابقة شعرت خلالها بأنها قدمت تنازلات دون أن تحصل على مقابل سياسي أو وطني حقيقي. أما إسرائيل، فتتعامل مع القضية من زاوية مختلفة تماماً، إذ ترى أن أي اتفاق لا ينتهي بإزالة القدرة العسكرية للحركة سيؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى إعادة إنتاج دورة الصراع، وربما بصورة أكثر عنفاً.

ومن هنا، فإن المعضلة الأساسية ليست في قبول المبدأ، وإنما في تصميم آلية تضمن التزام الطرفين بالتنفيذ المتزامن. فلا إسرائيل مستعدة للانسحاب الكامل قبل أن تتيقن من معالجة الملف الأمني، ولا حماس مستعدة للتخلي عن أوراق قوتها قبل أن ترى انسحاباً حقيقياً وملموساً على الأرض، ورفعاً للحصار، وعودة للحياة الطبيعية في القطاع.

ولهذا تبدو الصيغة الأكثر واقعية هي اعتماد مبدأ "خطوة مقابل خطوة". فبدلاً من المطالبة بتسليم شامل وفوري للسلاح، قد يبدأ التنفيذ بتجميد استخدام الأسلحة الثقيلة، ثم تجميعها في مواقع محددة تخضع لإشراف جهة عربية أو دولية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق متفق عليها، وفتح المعابر، وتدفق المساعدات الإنسانية، وعودة السكان إلى مناطقهم، والشروع في إعادة الإعمار. فكل خطوة من أحد الطرفين تقابلها خطوة مقابلة من الطرف الآخر، بما يخلق نوعاً من التوازن ويحد من احتمالات الانهيار.

غير أن حتى هذا السيناريو، رغم واقعيته النسبية، يبقى محفوفاً بالمخاطر. فالسؤال الذي يشغل قيادة حماس لا يتعلق فقط بمصير السلاح، وإنما بمصداقية الالتزامات الإسرائيلية. ماذا لو بدأت الحركة بتنفيذ ما عليها، ثم قررت إسرائيل، تحت ضغط التطورات الداخلية أو تبدل الحكومة أو أي ذريعة أمنية، وقف الانسحاب أو استئناف العمليات العسكرية؟ هذا التخوف ليس افتراضاً نظرياً، بل يستند إلى تجارب عديدة شهدت انهيار تفاهمات سابقة نتيجة اختلاف تفسير البنود، أو بسبب تغير المواقف السياسية بعد بدء التنفيذ.

في المقابل، تمتلك إسرائيل بدورها قائمة طويلة من المخاوف. فهي تريد ضمانات تحول دون إعادة بناء القوة العسكرية للفصائل خلال السنوات المقبلة، وتبحث عن ترتيبات رقابية تمنع عودة تهريب الأسلحة أو تصنيعها محلياً. لذلك من المرجح أن تطالب بوجود آليات تحقق دائمة، وربما بعثة رقابة عربية أو دولية، أو لجنة أمنية تضم خبراء دوليين، تكون مهمتها متابعة تنفيذ الالتزامات والتحقق منها بصورة مستمرة، بعيداً عن الاتهامات المتبادلة.

ومن هنا تبرز أهمية الدور الأمريكي، باعتباره الطرف الوحيد القادر على تقديم ضمانات ذات وزن سياسي بالنسبة لإسرائيل، وفي الوقت ذاته منح الوسطاء العرب مساحة أوسع لإقناع حماس بالمضي في التنفيذ. فمصر وقطر تدركان أن الوعود الشفهية لم تعد تكفي، وأن أي اتفاق يحتاج إلى التزامات أمريكية واضحة ومكتوبة، تتضمن جدولاً زمنياً محدداً للانسحاب الإسرائيلي، وآليات واضحة لمعالجة أي خرق، مع وجود لجنة متابعة ترفع تقارير دورية حول مدى التزام كل طرف.

وقد تذهب الجهود أبعد من ذلك، عبر محاولة إضفاء طابع قانوني أو دولي على الاتفاق، سواء من خلال وثيقة متعددة الأطراف، أو قرار يصدر عن مجلس الأمن، أو تفاهمات ترعاها مجموعة من الدول المؤثرة، بما يجعل التراجع عن الالتزامات أكثر كلفة على المستوى السياسي والدبلوماسي.

ومع ذلك، فإن الرهان على نزع السلاح بصورة كاملة في المرحلة الحالية قد يكون طموحاً يتجاوز قدرة الظروف القائمة على احتماله. فالواقع الميداني والسياسي يشير إلى أن الحلول المرحلية قد تكون أكثر قابلية للحياة من الحلول النهائية. ولهذا قد يتجه الوسطاء نحو صيغ توافقية تقوم على تجميد استخدام السلاح بدلاً من مصادرته فوراً، أو تخزين الأسلحة الثقيلة تحت إشراف محايد، مع تأجيل الحسم النهائي لمصيرها إلى مرحلة لاحقة ترتبط بإقامة ترتيبات سياسية وأمنية أكثر استقراراً، وإعادة إعمار القطاع، وتشكيل إدارة فلسطينية جديدة تحظى بقبول داخلي ودعم إقليمي ودولي.

كما لا يستبعد أن يجري البحث في نموذج أمني انتقالي، تتولى خلاله جهة عربية أو قوة متعددة الجنسيات مسؤولية بعض الملفات الأمنية الحساسة، مثل إدارة المعابر أو مراقبة المناطق العازلة، بما يخفف من المخاوف الإسرائيلية، دون أن يبدو الأمر وكأنه استسلام كامل من جانب حماس. صحيح أن مثل هذه الصيغ ستواجه اعتراضات من مختلف الأطراف، إلا أنها قد تكون أقل كلفة من انهيار المفاوضات والعودة إلى نقطة الصفر.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه المفاوضات عن البيئة السياسية الداخلية لدى جميع الأطراف. فالحكومة الإسرائيلية تواجه ضغوطاً من تيارات ترى أن أي انسحاب قبل القضاء الكامل على حماس يمثل هزيمة سياسية وأمنية، بينما تواجه قيادة الحركة تحدياً لا يقل صعوبة يتمثل في كيفية تبرير أي تنازل يتعلق بالسلاح أمام قواعدها وأنصارها، خاصة بعد حرب باهظة الكلفة بشرياً ومادياً. أما الإدارة الأمريكية، فهي بدورها تسعى إلى تحقيق اختراق دبلوماسي يخفف من الضغوط الدولية المتزايدة عليها، ويعيد قدراً من الاستقرار إلى منطقة تتشابك فيها ملفات غزة مع لبنان وإيران والبحر الأحمر.

لقد ضيق التصعيد العسكري الأخير هامش المناورة أمام الوسطاء، لكنه لم يلغ الحاجة إليهم، بل زادها إلحاحاً. فكل جولة جديدة من القتال تعني مزيداً من الخسائر البشرية والدمار في غزة، واستنزافاً متواصلاً لإسرائيل، وتفاقماً للعزلة السياسية التي تواجهها في المحافل الدولية، فضلاً عن تنامي المخاوف من اتساع رقعة المواجهة إقليمياً. ولهذا تبقى الدبلوماسية، رغم هشاشتها، الخيار الأقل كلفة مقارنة باستمرار الحرب المفتوحة.

وبالمجمل، فإن نجاح مصر وقطر لن يقاس بقدرتهما على انتزاع موافقة سياسية من حماس أو إسرائيل، بل بقدرتهما على بناء معادلة ثقة تدريجية تجعل استمرار الاتفاق مصلحة مشتركة لجميع الأطراف. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع وثيقة جديدة، وإنما في ضمان صمودها أمام أول اختبار ميداني، وأمام أول حادث أمني، وأمام أول أزمة سياسية قد تعترض طريقها.

إن مستقبل المفاوضات لن تحدده النصوص وحدها، بل ستحدده الآليات التي تربط كل خطوة أمنية بخطوة سياسية وإنسانية مقابلة، بحيث يشعر كل طرف بأنه يحقق مكاسب ملموسة مع تقدم التنفيذ. أما إذا بقيت الضمانات غامضة، واستمرت الحسابات العسكرية في التفوق على الالتزامات السياسية، فإن الاتفاق، مهما بدا متماسكاً على الورق، سيظل معرضاً للانهيار، لتجد المنطقة نفسها أمام جولة جديدة من الصراع، قد تكون أكثر اتساعاً وعنفاً وأقل قابلية للاحتواء من كل ما شهدته خلال السنوات الماضية.