
وطن للأنباء: أكد خبراء في القانون والانتخابات أن مشاركة مدينة القدس في أي انتخابات فلسطينية تشريعية تمثل استحقاقًا وطنيًا وسياسيًا لا يمكن تجاوزه، محذرين من تحويل الموقف الإسرائيلي المتوقع برفض إجراء الانتخابات في المدينة إلى ذريعة جديدة لتأجيل الاستحقاق الديمقراطي، كما حدث عام 2021.
جاء ذلك خلال حلقة جديدة من منصة "مواطنات" التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، بمشاركة الخبير في شؤون الانتخابات الدكتور طالب عوض، ومدير مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان عصام العاروري.
وأكد المشاركون أن القدس ليست مجرد دائرة انتخابية، وإنما تمثل جوهر القضية الفلسطينية وعنوان السيادة والهوية الوطنية، الأمر الذي يجعل حق المقدسيين في الترشح والاقتراع معركة سياسية وقانونية تتجاوز العملية الانتخابية نفسها.
وقال الدكتور طالب عوض إن إجراء انتخابات فلسطينية من دون القدس "أمر غير ممكن"، موضحًا أن مشاركة المقدسيين في الانتخابات تستند إلى ترتيبات قائمة منذ اتفاق أوسلو عام 1995، رغم أنها لم تكن تلبي الطموحات الفلسطينية الكاملة.
وأوضح أن جميع الفلسطينيين الحاملين للهوية المقدسية يعدون قانونيًا ناخبين في سجل لجنة الانتخابات المركزية، مشيرًا إلى أن عدد من يحق لهم الاقتراع داخل مدينة القدس يقدر بما يتراوح بين 180 و200 ألف مواطن، بينما بلغت المشاركة في انتخابات عام 2006 نحو 40 ألف ناخب.
وأشار عوض إلى أن النظام الانتخابي الجديد، الذي يعتمد اعتبار الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة، يفرض على القوائم الانتخابية مسؤولية ضمان تمثيل حقيقي للمقدسيين في مواقع متقدمة داخل القوائم، داعيًا إلى إشراكهم كذلك في التزكيات المطلوبة لتسجيل القوائم، بما يعزز الحضور السياسي للقدس في العملية الانتخابية.
وشدد على أن القضية الأساسية لم تعد تقتصر على تمكين المقدسيين من التصويت، بل تمتد إلى ضمان حضورهم الفاعل داخل المجلس التشريعي المقبل، مؤكدًا أن الانتخابات المقبلة ستكون "معركة القدس" بامتياز.
من جانبه، قال مدير مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان عصام العاروري إن سلطات الاحتلال لا تمتلك أساسًا قانونيًا يمنحها حق منع الفلسطينيين من إجراء الانتخابات في القدس، إلا أنها تواصل التعامل مع المدينة باعتبارها جزءًا من "عاصمتها الموحدة"، وهو ما يدفعها إلى رفض أي مظاهر للسيادة الفلسطينية داخل المدينة.
وأوضح أن المقدسيين صوتوا في الانتخابات السابقة وفق ترتيبات خاصة عبر مكاتب البريد، وهو ما شكل أصلًا انتقاصًا من حقوقهم السياسية، لافتًا إلى أن إسرائيل أعلنت عام 2021 رفضها استمرار هذه الآلية، إلى جانب منع النشاطات والدعاية الانتخابية داخل القدس.
وأضاف أن المقدسيين يواجهون كذلك تحديات نفسية وقانونية، تتمثل في مخاوف مرتبطة بإمكانية تعرضهم لإجراءات إسرائيلية، مثل التضييق أو سحب الإقامة، رغم عدم تسجيل حالات من هذا النوع بسبب المشاركة في الانتخابات السابقة.
وأكد العاروري أن القيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي يدركان مسبقًا الموقف الإسرائيلي، الأمر الذي يستوجب الاستعداد له منذ الآن، وعدم انتظار رفض الاحتلال لاتخاذ القرار بشأن الانتخابات.
ودعا إلى إطلاق حوار وطني شامل تشارك فيه الفصائل الفلسطينية، ولجنة الانتخابات المركزية، ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل الاتفاق على سيناريوهات واضحة تضمن مشاركة المقدسيين، ووضع ميثاق شرف ينظم العملية الانتخابية ويعالج التحديات المحتملة.
وفيما يتعلق بالبدائل المطروحة، استبعد الدكتور طالب عوض إمكانية اعتماد التصويت الإلكتروني، معتبرًا أن هذا الخيار ما زال يطرح إشكاليات تتعلق بالنزاهة والأمن السيبراني وإمكانية التأثير على النتائج، بينما رأى العروري أن التطور التكنولوجي قد يتيح مستقبلاً حلولًا آمنة إذا توافرت الضمانات الفنية والقانونية اللازمة.
وأشار المشاركون إلى أن من بين السيناريوهات المطروحة إقامة مراكز اقتراع في المناطق المحيطة بالقدس، مع توفير حماية مجتمعية للعملية الانتخابية في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على الوجود الرسمي الفلسطيني داخل المدينة.
وأكد المتحدثان أن المجتمع الدولي، الذي يطالب باستمرار بإجراء الانتخابات الفلسطينية باعتبارها جزءًا من مسار الإصلاح السياسي، مطالب أيضًا بممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لضمان عدم عرقلة العملية الانتخابية، وفرض إجراءات واضحة في حال منعت مشاركة المقدسيين.
كما حذر العاروري من أن التدخلات الإسرائيلية قد لا تقتصر على القدس، وإنما قد تمتد إلى اعتقال مرشحين، أو تقييد حرية الحركة، أو تشديد الإجراءات العسكرية على الحواجز، بما يؤثر في نزاهة العملية الانتخابية وحرية الناخبين.
وفي ختام الحلقة، رجح الدكتور طالب عوض إجراء الانتخابات في موعدها، معتبرًا أن الظروف الحالية تختلف عن السنوات السابقة، وأن المجتمع الفلسطيني، بمختلف قواه السياسية والمجتمعية، بات أكثر تمسكًا بإنجاز هذا الاستحقاق، خاصة في ظل وجود جيل كامل من الشباب لم تتح له فرصة المشاركة في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية.
ودعا الضيفان الشباب الفلسطيني، ولا سيما شباب القدس، إلى الانخراط بقوة في العملية الانتخابية، ليس فقط بوصفهم ناخبين، وإنما أيضًا كمرشحين، مؤكدين أن الانتخابات تمثل فرصة حقيقية لتجديد النظام السياسي الفلسطيني وتعزيز مشاركة الأجيال الشابة في صناعة القرار.