الطريق إلى اريحا.. مدينة القمر

27/07/2026

كتبت: ناريمان عواد

في ساعات ما بعد الظهر انطلقنا نحو أريحا، مدينة القمر. كان المخطط أن نصل إلى ورشة عمل مهمة، لكن الطريق في فلسطين لا يعترف بالخطط.

سلكنا طريق قلنديا. السيارات كانت مصطفة على جانبي الطريق في طوابير لا تنتهي. توقفنا ساعةً ونصف الساعة، نتابع أخبار الطرق والحواجز، ونحاول أن نعرف إن كان المرور عبر حاجز جبع ممكنًا. كانت تطبيقات "تلغرام" تشتعل وتنطفئ باللون الأحمر، معلنة أن طريق جبع مكتظ وربنا مغلق، ورغم ذلك قررنا مواصلة المسير.

وصلنا إلى دوار قلنديا، فإذا بالمشهد أشبه باشتباك بين السيارات؛ مركبة تأتي من اليمين، وأخرى من الشمال، وثالثة تسد الطريق، وكل سائق يحاول أن ينتزع لنفسه مترًا إضافيًا من الإسفلت.

في وسط الدوار وقف رجل يبيع بعض المستلزمات المنزلية، وبين حين وآخر يتلو آيات من الذكر الحكيم، كأن صوته يحاول أن يسكب شيئًا من الطمأنينة فوق هذه الفوضى.

واصلنا طريقنا نحو بلدة الرام، لكننا صُدمنا من هول المشهد. طابور طويل من السيارات ينتظر منذ أكثر من ساعتين انتظارا  لاشارة من جندي لفتح البوابة الصفراء  التي وضعتها قوات الاحتلال المؤدية إلى طريق جبع.

آه يا بلد...

حاولنا أن نجد منفذًا بين السيارات، وأن نسلك شوارع الرام الداخلية اختصارًا للوقت. انعطفنا يمينًا ثم شمالًا، لكننا توقفنا من جديد. سيارة عسكرية أغلقت الطريق، وجنود ينثرون المسامير على مسار العودة. فجأة يُفتح الحاجز، ثم يُغلق ثانية. انتظار... ثم انتظار... ثم انتظار.

كانت الشمس تغرب ببطء، والسماء ترتدي ألوانًا تشبه قوس قزح. داخل المركبة أطلقنا بعض الأغنيات الهادئة، لعلها تخمد النار المشتعلة في صدورنا.

دخلنا بلدة حزما. جيب عسكري يوقف السيارات، ويأمر الركاب بالنزول. كلب شارد يحاول عبور الطريق، ثم يتراجع أمام زحام المركبات وضجيجها.

التففنا من الجهة الأخرى، وتجاوزنا حاجز حزما، ثم واصلنا المسير. وفجأة أضاءت لوحة السيارة معلنة انخفاض ضغط الهواء في أحد الإطارات. تلفتُّ حولي أبحث عن محطة وقود أو كراج. ظهر شابان، تبدو على  ملامحهم  الرجولة . قال أحدهما: "خالتي، بتحتاجي أي مساعدة؟"

لم ينتظرا جوابًا، بل سارعا إلى مساعدتنا في فحص الإطارات. وبينما كانا يعملان، قال أحدهما بصوت امتزج فيه الانكسار بالأمل: "يا خالتي، أوضاعنا صعبة... لا فرص عمل ولا أفق. إحنا الشباب بنعاني كثير."

حاولت أن أزرع في قلبيهما شيئًا من التفاؤل، رغم أن الغصة كانت تسكن قلبي أنا أيضًا.

عدنا إلى الطريق.

عند إحدى الإشارات وقف شاب إلى جانب نافذة السيارة. كانت ملامحه تحكي ما عجزت الكلمات عن قوله. قال بصوت متعب:"ساعديني، أرجوك... وضعي صعب جدًا. ما عندي حتى خبز في البيت اشتري مني بعض السكاكر ."

أعطيته ما استطعت. نظر إليّ بعينين امتلأتا رجاءً، وقال:"أنا تفاءلت فيكي... ادعيلي."

هززت رأسي وأنا أهمس: "الله يفرّجها عليك."

تحركت السيارة من جديد، وعاد صوت المذياع يملأ المكان. انسابت موسيقى الجاز بهدوء، ثم جاء صوت المغني:"حِسِّي بكلامي... واسمعيني."

سرحت في الكلمات، بينما كانت السيارات تزحف ببطء فوق الإسفلت، كأنها تحمل على ظهورها تعب البلاد كلها. ثم أكملت الأغنية:"إنتِ ياما ظلمتيني... نفسي أكون بحضنك..."

ابتسمت بمرارة.

في تلك اللحظة شعرت ان المغني كان  يخاطب الوطن... أو لعلنا جميعًا كنا نخاطبه. هذا الوطن الذي يختبر صبرنا كل يوم، ويثقل أرواحنا بالحواجز والانتظار، لكنه يبقى الحضن الوحيد الذي يسكن فينا ، مهما اشتدت حلكة الظلم ، ولا نملك إلا أن نشتاق إليه ونرتحل اليه  ونتالم لغيابنا عنه ..