
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تُقاس قوة حركات التحرر بعدد البنادق التي تحملها، بل بقدرتها على قيادة شعبها في كل ميادين الصراع. فالبندقية تحمي الأرض، لكن السياسة تحمي البندقية نفسها، وتحول التضحيات إلى إنجازات وطنية متراكمة. ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن بطولة المقاومة، فقد أثبتتها بما لا يدع مجالا للشك، بل عن الدور السياسي الذي يفترض أن تضطلع به فصائلها في أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية منذ النكبة.
هذا السؤال لا يصدر عن خصومة مع المقاومة، بل عن انحياز كامل لها، وإيمان بأن حماية المقاومة لا تكون بالسلاح وحده، وإنما أيضا بحماية علاقتها بشعبها، وتحصين حاضنتها الشعبية، وقيادة الوعي الوطني في مواجهة حرب لا تستهدف الإنسان الفلسطيني فقط، بل تستهدف إرادته ووعيه ومستقبله.
لقد أثبت الفلسطيني مرة أخرى أنه أكبر من كل محاولات الكسر. ففي غزة، حيث تجاوزت المأساة حدود الوصف، لم تُقصف المباني وحدها، بل استُهدفت الحياة نفسها. أحياء كاملة مُحيت، وعائلات أُبيدت، وأطفال يبحثون عن آبائهم بين الركام، وآباء يحملون أبناءهم إلى القبور بأيديهم. جوع، وعطش، ونزوح متكرر، ومستشفيات تحولت إلى ساحات للموت، وشعب يُطارد بالقصف أينما اتجه. ومع ذلك، بقي صامدا، يقاتل بالحياة كما يقاتل بالمقاومة، ويكتب بدمه واحدة من أعظم صفحات الصمود في التاريخ الحديث.
وفي الضفة الغربية، تدور حرب لا تقل خطورة. قرى تُهاجم يوميا، وأراضٍ تُصادر، وأشجار زيتون تُقتلع لأنها تجسد ارتباط الفلسطيني بأرضه، وقطعان المستوطنين تعيث قتلا وحرقا وسرقة تحت حماية جيش الاحتلال. أما القدس، فتتعرض لمحاولة اقتلاع هويتها، فيما تتكرر اقتحامات المسجد الأقصى في إطار مشروع يستهدف فرض واقع جديد بالقوة. وفي الداخل الفلسطيني، يواجه أهلنا سياسات الملاحقة والتمييز وهدم البيوت وتجريم كل صوت يرفض الاحتلال ويتمسك بهويته.
كل ذلك يؤكد أن الشعب الفلسطيني لم يتراجع، ولم يفقد استعداده للتضحية. لكن السؤال الذي لا يجوز تجاهله هو: هل يرتقي الأداء السياسي للفصائل إلى مستوى هذه التضحيات؟
لقد أثبتت تجارب حركات التحرر في العالم أن المقاومة المسلحة وحدها لا تكفي. فكل حركة تحرر ناجحة كانت، قبل كل شيء، مشروع قيادة وطنية. والقيادة ليست إصدار بيانات بعد كل جريمة، بل صناعة المبادرة، وتنظيم المجتمع، وتحويل التضحيات إلى قوة سياسية متراكمة.
وهنا تكمن المشكلة.
ففي كثير من الأحيان، تبدو الفصائل في هذه المرحلة وكأنها تتحرك بمنطق رد الفعل أكثر من منطق الفعل كما كانت في المراحل الأولى لطوفان الأقصى. تنتظر الحدث ثم تعلق عليه، بينما المطلوب أن تسبق الحدث، وأن تفرض جدول أعمالها على الاحتلال، لا أن تسمح له بفرض جدول أعماله عليها.
إن أول وظيفة لأي حركة تحرر هي قيادة الوعي الوطني. فالاحتلال يخوض حرباً نفسية لا تقل ضراوة عن حربه العسكرية. يسعى إلى زرع اليأس، وبث الإحباط، ودق الإسفين بين المقاومة وحاضنتها الشعبية. ولذلك فإن التواصل الدائم مع الجماهير ليس عملا إعلاميا، بل جزء من المعركة. من حق الفلسطيني أن يسمع من قيادته باستمرار، وأن يفهم ما يجري، وما أهداف المرحلة، وما المطلوب منه، وكيف يساهم في معركة التحرير.
والوظيفة الثانية هي قيادة الفعل الشعبي. فكل اعتداء على قرية، وكل اقتحام للأقصى، وكل جريمة استيطانية، يجب أن يتحول إلى برنامج عمل، لا إلى بيان استنكار. فالشعب الفلسطيني لا تنقصه الإرادة، وإنما يحتاج إلى من ينظمها، ويوجهها، ويحولها إلى قوة شعبية متراكمة، تدافع عن الأرض، وتحمي القرى، وتسند القدس، وتربط كل ساحة نضال بالأخرى.
أما الوظيفة الثالثة فهي قيادة الرأي العام العالمي. لقد صنعت غزة، بدماء أطفالها وصمود شعبها، تحولا غير مسبوق في ضمير العالم. ملايين خرجوا إلى الشوارع، وجامعات انتفضت، ونقابات وفنانون ومثقفون وقفوا إلى جانب فلسطين. لكن هذا الرصيد لا يمكن أن يبقى بلا قيادة. فحركات التضامن العالمية ليست مجرد جمهور متعاطف، بل شريك في معركة التحرر، يحتاج إلى برنامج فلسطيني دائم للتواصل، والتنسيق، وتحديد الأولويات، وتحويل التعاطف إلى ضغط سياسي وقانوني واقتصادي مؤثر.
ولا يقل عن ذلك أهمية قيادة العمق العربي والإسلامي. فما زالت فلسطين تسكن وجدان الشعوب العربية والإسلامية، لكن هذا التعاطف يحتاج إلى من يحوله إلى فعل منظم ومستمر، لا إلى موجات غضب موسمية تنطفئ بانتهاء المجزرة أو تراجع الاهتمام الإعلامي. إن الجماهير تحتاج إلى قيادة تحدد لها الأولويات، وتقترح المبادرات، وتمنحها دورا دائما في معركة التحرير.
لكن قيادة المشروع الوطني لا تعني فقط التفاعل مع ما يفرضه الاحتلال، وإنما امتلاك زمام المبادرة. فالمشهد الفلسطيني يكاد يخلو اليوم من مبادرات سياسية ووطنية تطلقها الفصائل وتدعو الجماهير إلى الالتفاف حولها. وكأن السياسة أصبحت موسما يرتبط بالأزمات، لا فعلا يومياً يصنع الأحداث. إن حركة التحرر لا تنتظر خصمها ليحدد لها جدول أعمالها، بل تفرض عليه أولوياتها، وتبادر إلى إطلاق الحملات الوطنية، وتحدد أهداف كل مرحلة، وتقدم لشعبها رؤية واضحة لما يجب إنجازه. فالفراغ السياسي لا يبقى فراغا؛ سرعان ما يملؤه الاحتلال، أو تملؤه المبادرات التي تخدم أهدافه. وحين تغيب المبادرة الفلسطينية، يصبح الفلسطيني أسير ردود الأفعال، بينما يتحرك المشروع الصهيوني وفق خطة متصلة لا تتوقف يوما واحدا.
أما الوظيفة الأخطر اليوم فهي قيادة المشروع السياسي الوطني.
ومن هنا، فإن موقف الفصائل من دعوة السلطة الفلسطينية إلى إجراء انتخابات يجب أن يكون واضحا وحاسما. فهذه الانتخابات لا تجري في دولة مستقلة، ولا في ظل سيادة وطنية، بل تحت احتلال يسيطر على الأرض والحدود والمعابر والسجل السكاني، ويملك حق اعتقال المرشحين، ومنع الحملات الانتخابية، والتحكم في كل تفاصيل الحياة الفلسطينية.
ولذلك، فإن المشكلة ليست في نزاهة الانتخابات أو موعدها، بل في وظيفتها السياسية.
إنها لا تعيد بناء المشروع الوطني، بل تعيد إنتاج السلطة الفلسطينية، وتجدد شرعيتها، وتمنح الحياة لمسار سياسي أثبت فشله، في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال ضم الأرض، وتهويد القدس، وتوسيع الاستيطان، وارتكاب المجازر.
إن المشاركة فيها، مهما حسنت النيات، لن تغير طبيعة السلطة ولا وظيفتها، بل ستمنحها غطاء وطنيا جديدا، وتعيد تدوير واقع سياسي لم يعد قادرا على حماية الأرض أو الإنسان أو الحقوق الوطنية.
ولهذا، فإن الموقف الوطني المسؤول لا يتمثل في المطالبة بتحسين شروط الانتخابات أو تأجيلها، وإنما في رفضها ومقاطعتها بصورة قاطعة، لأنها لا تخدم مشروع التحرير، بل تساهم في إعادة إنتاج الواقع الذي أوصل القضية الفلسطينية إلى مأزقها الراهن.
والبديل هو توحيد صفوف الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات، حول مشروع مقاوم كفاحي جامع، يعيد القضية إلى جوهرها باعتبارها قضية تحرر وطني، ويعبئ كل الطاقات السياسية والشعبية والإعلامية والدبلوماسية في مواجهة المشروع الصهيوني، بدلا من استنزافها في التنافس على إدارة سلطة بلا سيادة.
ويبقى الدور الذي لا يقل أهمية عن كل ما سبق، وهو حماية العلاقة بين المقاومة وحاضنتها الشعبية.
لقد أدرك الاحتلال أن المقاومة تستمد قوتها من شعبها، ولذلك يحاول بكل الوسائل أن يدمر هذه العلاقة. يجوع الناس ليزرع الغضب، وينشر الإشاعات ليزرع الشك، ويحاول أن يحمل الضحية مسؤولية الجريمة التي يرتكبها هو.
وهنا تصبح مسؤولية الفصائل مضاعفة. فكلما غاب التواصل، انتشرت الشائعات. وكلما غابت الرؤية، اتسعت مساحة الارتباك. وكلما ابتعدت القيادة عن الناس، وجد الاحتلال فرصة أوسع لضرب الثقة بين المقاومة وحاضنتها الشعبية.
وأخيراً، فإن أهم ما تحتاج إليه القضية الفلسطينية اليوم هو قيادة الأمل. فالأمل ليس خطابا عاطفيا، بل مشروعا سياسيا يجعل الشعب يرى أن تضحياته ليست هدراً، وأن دماء شهدائه طريق إلى التحرير، لا مجرد ثمن يدفع بلا أفق.
لقد أثبت الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات، أنه مستعد لتحمل ما لم يتحمله شعب آخر في العصر الحديث. لكنه لا ينبغي أن يبقى وحده يحمل هذا العبء.
لقد أثبتت الآونة الأخيرة ان الشعب الفلسطيني سبق قياداته في كثير من المحطات؛ في صموده الأسطوري في غزة، وفي رباطه في القدس، وفي ثباته في الضفة، وفي حفاظه على هويته في الداخل، وفي حضوره الدائم في المنافي. وحين يسبق الشعب قيادته، تصبح مسؤولية هذه القيادة أن تلحق بشعبها، لا أن تطلب من شعبها أن ينتظرها.
إن المقاومة التي أبدعت في الميدان مطالبة اليوم بأن تبدع بالقدر نفسه في السياسة، وفي التنظيم، وفي المبادرة، وفي قيادة المجتمع. فالمقاومة ليست بندقية فقط؛ إنها رؤية، وقيادة، وتنظيم، وإدارة شاملة للصراع في كل ميادينه.
الشعب الذي يقدم أبناءه كل يوم، ويصمد فوق الركام، ويحرس أرضه، ويحمي هويته، لا يحتاج إلى من يشهد على بطولته، بل إلى قيادة ترتقي إلى مستوى هذه البطولة، وتقودها نحو هدف واضح.
فالمعركة اليوم ليست فقط كيف نقاوم، بل كيف نقود شعباً يقاوم... حتى ينتصر.