
رام الله – وطن للأنباء: في تحول وصفه مراقبون بأنه من أبرز التحولات داخل الأوساط الكنسية الغربية منذ عقود، صوّت المجمع العام لكنيسة إنجلترا بأغلبية ساحقة لصالح التفاعل مع وثيقة "لحظة الحقيقة: الإيمان في زمن الإبادة الجماعية" الصادرة عن حركة كايروس فلسطين، في خطوة اعتُبرت اعترافًا رسميًا بالرواية المسيحية الفلسطينية، وكسرًا لسنوات طويلة من هيمنة الرواية الإسرائيلية داخل المؤسسات الكنسية الغربية.
ويأتي هذا التصويت في وقت تتواصل فيه الحرب على قطاع غزة، وتتصاعد اعتداءات الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية بما فيها القدس، ما يمنح القرار أبعادًا سياسية وأخلاقية تتجاوز الإطار الكنسي، ويطرح تساؤلات حول إمكانية ترجمة هذا الموقف إلى ضغوط حقيقية على الحكومات الغربية الداعمة لإسرائيل.
وقال راعي الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في رام الله وعضو مجلس إدارة المبادرة المسيحية الفلسطينية "كايروس فلسطين"، القس الدكتور منذر إسحاق، خلال برنامج شد حيلك يا وطن، إن التصويت "ليس مجرد موقف رمزي، بل مؤشر واضح على تحول عميق في نظرة الكنائس العالمية لما يجري في فلسطين".
وأضاف أن "تصويت 235 عضوًا لصالح التفاعل مع الوثيقة، مقابل غياب أي معارضة، يعكس تغييرًا جذريًا في الوعي الكنسي، ويؤكد أن صوت المسيحيين الفلسطينيين لم يعد بالإمكان تجاهله".
الرواية الفلسطينية تدخل المؤسسات الكنسية
وأوضح القس إسحاق أن أهمية القرار لا تكمن فقط في الاعتراف بالوثيقة، وإنما في مضمونها، إذ تتناول القضية الفلسطينية بمصطلحات يعتبرها أكثر دقة، مثل الاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري، والإبادة الجماعية، بعيدًا عن اللغة الدبلوماسية التقليدية التي ميزت مواقف كثير من الكنائس خلال العقود الماضية.
وقال إن الوثيقة "تدعو إلى تسمية الأمور بمسمياتها، وإلى تبني أدوات عملية، مثل المقاطعة وسحب الاستثمارات، وترفض التعامل مع ما يجري باعتباره مجرد صراع بين طرفين متكافئين".
وأكد أن الكنيسة في إنجلترا لم تصوّت على تبني الوثيقة بالكامل، لكنها وافقت على دراستها والتفاعل معها ضمن برامج ومؤتمرات وورش عمل، وهو ما اعتبره "خطوة كبيرة تمنح اللاهوت الفلسطيني شرعية داخل واحدة من أكبر الكنائس في العالم".
"الصهيونية المسيحية"؟
ووجّه إسحاق انتقادًا لما يسمى بـ"الصهيونية المسيحية"، معتبرًا أنها تتناقض مع جوهر الرسالة المسيحية.
وقال: "لا يمكن الجمع بين المسيحية والصهيونية، فالمسيحية تقوم على العدالة والمحبة والمساواة، بينما تقوم الصهيونية على الامتياز والتمييز والاستعمار."
وأضاف أن بعض التيارات المسيحية الغربية قدمت خلال سنوات طويلة دعمًا غير مشروط لإسرائيل، لكنه رأى أن هذا الواقع بدأ يتغير بفعل حجم الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي مكنت الفلسطينيين من نقل روايتهم مباشرة إلى العالم.
وأشار إلى أن الكنائس باتت تدرك بصورة متزايدة أن "الحياد في ظل الإبادة الجماعية ليس موقفًا أخلاقيًا، بل انحيازًا للظلم".
غزة غيّرت المزاج الكنسي العالمي
ورأى إسحاق أن ما يجري في قطاع غزة شكّل نقطة تحول رئيسية في المواقف الدولية، موضحًا أن الصور القادمة من القطاع، إضافة إلى شهادات الضحايا، ساهمت في تغيير قناعات قطاعات واسعة داخل المجتمعات والكنائس الغربية.
وقال إن الفلسطينيين، رغم ما يتعرضون له، تمكنوا من إيصال الحقيقة إلى العالم، مضيفًا أن "احتكار وسائل الإعلام التقليدية للرواية لم يعد قائمًا كما كان في السابق".
وأشار إلى أن العديد من المؤثرين والصحفيين ورجال الدين في أوروبا والولايات المتحدة باتوا يتحدون الرواية الإسرائيلية، الأمر الذي انعكس تدريجيًا على مواقف الكنائس.
دعوات لزيارة فلسطين ورؤية الواقع
وأكد إسحاق أن حركة "كايروس فلسطين" تعمل منذ سنوات على تنظيم زيارات لوفود كنسية أجنبية للاطلاع المباشر على الواقع الفلسطيني، من خلال لقاء العائلات الفلسطينية، وزيارة المخيمات، والجدار، والقرى المتضررة من الاستيطان، وليس فقط الأماكن المقدسة.
وأوضح أن هذه الزيارات أسهمت في تغيير قناعات عدد من القيادات الكنسية، لافتًا إلى أن رئيسة الأساقفة في كنيسة إنجلترا زارت فلسطين قبل التصويت بأسابيع، وجلست مع عائلات أسرى مسيحيين فلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية وعائلات فلسطينية وعادت لتؤكد أمام المجمع أنها شاهدت الظلم بنفسها، وهو ما ساهم في تغيير المزاج داخل الكنيسة.
الصمود... لكنه مكلف
وتحدث د. إسحاق عن مفهوم "الصمود المكلف" الذي تطرحه وثيقة "كايروس فلسطين"، موضحًا أن البقاء في الأرض الفلسطينية أصبح يحمل أثمانًا باهظة، في ظل الاستيطان والعنف والحواجز والضغوط الاقتصادية.
وقال إن الوثيقة تتحدث أيضًا عن "التضامن المكلف"، في إشارة إلى الثمن الذي يدفعه المتضامنون مع فلسطين في الغرب، سواء عبر فقدان وظائفهم أو تعرضهم للملاحقة أو التشهير.
وأضاف: "كل نجاح تحقق اليوم سبقه أشخاص دفعوا أثمانًا شخصية كبيرة دفاعًا عن العدالة في فلسطين."
تحذير من تراجع الوجود المسيحي
وفيما يتعلق بالوجود المسيحي في فلسطين، حذر إسحاق من استمرار الهجرة، مؤكدًا أن القضية لا تخص المسيحيين وحدهم، بل ترتبط بغياب حل سياسي عادل ينهي الاحتلال.
وقال إن معالجة هجرة المسيحيين لا يمكن أن تتم بمعزل عن معالجة واقع الفلسطينيين جميعًا، مضيفًا أن "المسيحي الفلسطيني يهاجر للأسباب ذاتها التي تدفع أي فلسطيني للهجرة، وفي مقدمتها الاحتلال وانعدام الأفق".
وشدد على أن الحضور المسيحي لا يقاس بالأعداد فقط، وإنما بالدور الذي تؤديه المؤسسات المسيحية في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
من التضامن إلى الفعل
واعتبر إسحاق أن ما حدث في كنيسة إنجلترا يمثل بداية مرحلة جديدة، لكنه شدد على أن المطلوب هو تحويل هذا الاعتراف إلى خطوات عملية تضغط على الحكومات الغربية لوقف الحرب وإنهاء الاحتلال.
وقال: "التصويت إنجاز مهم، لكنه ليس نهاية الطريق. ما زلنا بحاجة إلى أن تتحول هذه المواقف إلى سياسات وإجراءات تؤثر في مواقف الحكومات."
وأكد أن "كايروس فلسطين" ستواصل التواصل مع الكنائس حول العالم، وتنظيم المؤتمرات والحوارات لتعزيز حضور اللاهوت الفلسطيني داخل المؤسسات الدينية الدولية، وترسيخ الرواية الفلسطينية في مواجهة الخطاب الداعم للاحتلال.
وختم بالتأكيد أن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضًا على الرواية، مضيفًا أن "إيمان الفلسطينيين بعدالة قضيتهم، وقدرتهم على إيصال صوتهم، يمكن أن يحدثا تغييرًا حقيقيًا، حتى وإن كان هذا التغيير يحتاج إلى وقت ونَفَس طويل".