
استوقفني ما كتبه مواطن فلسطيني على صفحته:
"طلعلي تصريح للقدس ليوم واحد، ولا أعرف الطريق إليها."
أغلقت الصفحة، لكن الجملة بقيت مفتوحة في ذهني. لم أستطع التعامل معها كعبارة عابرة كتبها رجل فرح بحصوله على تصريح، ثم سأل عن الطريق. شعرت أنها تختصر حكاية شعب بأكمله، وتختزل عقودًا من الاحتلال والحواجز والعزل في كلمات قليلة.
ليس مؤلمًا أن يجهل الإنسان طريقًا لم يسلكه من قبل، فكل الطرق يمكن تعلمها. لكن المؤلم أن يكون ذلك الطريق يقود إلى مدينة في وطنه، وأن يكون سبب جهله به أن سنوات طويلة من القيود والإغلاقات حالت بينه وبين الوصول إليها، حتى أصبحت المدينة مألوفة في القلب، مجهولة في الواقع.
في أي مكان في العالم، يعرف الإنسان الطريق إلى مدينته الكبرى، إلى عاصمة بلده، إلى الأماكن التي تشكل جزءًا من ذاكرته وهويته. أما في فلسطين، فقد أصبح هذا الأمر استثناءً. فالحواجز العسكرية، والبوابات، والجدار، وسياسات تقييد الحركة، كلها ساهمت في خلق واقع جعل الوصول إلى القدس بالنسبة لكثير من الفلسطينيين أمرًا نادرًا، لا يحدث إلا في ظروف محددة.
لقد اعتدنا أن نتحدث عن مصادرة الأراضي، وعن الاستيطان، وعن الجدار، لكننا لا نتوقف كثيرًا عند أثر آخر لا يقل قسوة؛ وهو تمزيق العلاقة الطبيعية بين الإنسان ومكانه. فالاحتلال لا يسيطر على الأرض وحدها، بل يحاول أن يعيد تشكيل الجغرافيا في الوعي، حتى يصبح الانتقال من مدينة إلى أخرى حدثًا استثنائيًا، ويصبح السؤال عن الطريق إلى القدس سؤالًا منطقيًا.
هناك جيل كامل وُلد وكبر وهو يسمع عن القدس أكثر مما يراها. يعرف قبة الصخرة من الصور، ويحفظ أسماء أبواب البلدة القديمة من المناهج والكتب، لكنه لم يعبرها يومًا، ولم يسر في أسواقها، ولم يجلس في ساحاتها. نشأ على حب مدينة لم تتح له الظروف أن يعيش تفاصيلها.
والمفارقة المؤلمة أن السائح القادم من أقصى الأرض يستطيع أن يخطط لزيارته إلى القدس بسهولة، بينما يقف الفلسطيني، ابن هذه الأرض، مترددًا يسأل: كيف أصل إليها؟ أي مفارقة أقسى من أن يصبح صاحب البيت أقل معرفة بطريق بيته من ضيفه؟
إن أخطر ما يفعله الاحتلال ليس فقط السيطرة على الأرض، بل تحويل العلاقة بين الإنسان ووطنه إلى علاقة موسمية ومشروطة. تصبح زيارة المدينة مرتبطة بتصريح، وتصبح الصلاة في المسجد الأقصى حلمًا مؤقتًا، ويصبح اللقاء بالأقارب في المدينة مناسبة تحتاج إلى موافقات وإجراءات، وكأن الفلسطيني يعبر حدود دولة أخرى، لا ينتقل بين مدن وطنه.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا الواقع يتسلل بهدوء إلى الوعي. فيكبر الأطفال وهم يظنون أن الحواجز أمر طبيعي، وأن التصاريح جزء من الحياة، وأن الوصول إلى القدس امتياز وليس حقًا. وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ حين يتحول الاستثناء إلى عادة، ويصبح غير الطبيعي طبيعيًا في نظر الأجيال.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى القدس لا يُقاس بعدد الكيلومترات، ولا بالحواجز التي تعترضه. فالقدس لم تكن يومًا مجرد مدينة على الخريطة، بل كانت وما زالت قلب الهوية الفلسطينية، وحاضرة في الذاكرة والوجدان، مهما ابتعدت عنها الأقدام.
ذلك المواطن لم يكن يسأل عن طريق في تطبيق خرائط، بل كان، من حيث لا يدري، يكتب شهادة مؤلمة عن واقع يعيشه ملايين الفلسطينيين. لقد اختصر بجملة واحدة ما تعجز عنه تقارير ودراسات طويلة؛ أن الإنسان قد يصبح غريبًا في وطنه، لا لأنه غادره، بل لأن وطنه قُسِّم بالحواجز والقيود حتى فقدت المدن ألفتها.
وما دام الفلسطيني يسأل عن الطريق إلى القدس، فالسؤال الحقيقي ليس: أين الطريق؟ بل كيف وصلنا إلى زمن أصبح فيه الإنسان يحتاج إلى تصريح ليزور مدينته، ثم يحتاج إلى من يدله عليها؟