
في كل مرحلة من مراحل النضال الوطني، يفرض الواقع سؤالًا حاسمًا يصبح معيارًا للحكم على المواقف والسياسات. واليوم، لم يعد السؤال: مع الانتخابات أم ضدها؟ ولا: مع هذا الفصيل أو ذاك؟ بل أصبح السؤال الوحيد هو: هل يخدم هذا الموقف تعظيم الإنجازات الوطنية أم يساهم في تبديدها؟
هذا هو جوهر الصراع الفلسطيني اليوم.
لقد حقق الشعب الفلسطيني، بتضحياته وصموده، إنجازات سياسية وقانونية وشعبية غير مسبوقة. هذه الإنجازات لم تأتِ نتيجة مفاوضات أو مجاملات دولية، بل كانت ثمرة الدم والصمود والنضال والإرادة الشعبية. والقضية المركزيه اليوم هي في كيفية التعامل مع هذه الإنجازات: هل نحولها إلى قوة سياسية تخدم مشروع التحرر الوطني، أم نسمح بإهدارها تحت عناوين مختلفة؟
من هنا، فإن الموقف من انتخابات المجلس الوطني يجب أن يُقاس بهذا المعيار وحده.
نحن مع الانتخابات، لكننا لسنا مع انتخابات تعيد إنتاج الأزمة أو تمنح شرعية لواقع الانقسام. نحن مع انتخابات تسبقها ضمانات للنزاهة، والشمول، وحماية المشاركين، والاعتراف بنتائجها، لأن الهدف منها يجب أن يكون تعزيز الوحدة الوطنية وبناء قيادة قادرة على استثمار الإنجازات، لا التفريط بها.
الأخطر من خسارة معركة، هو خسارة نتائجها بعد تحقيقها. والتاريخ الفلسطيني مليء بمحطات ضاعت فيها إنجازات سياسية بسبب سوء إدارتها أو بسبب خيارات سياسية لم ترتقِ إلى مستوى التضحيات التي قدمها الشعب.
لهذا، فإن كل موقف وكل حوار، وكل مبادرة، واي انتخابات، وكل برنامج سياسي، يجب أن يخضع لسؤال واحد: هل يعظم الإنجازات أم يبددها؟
أما النقاشات الأخرى، مهما بدت مهمة، فهي تفاصيل إذا غاب هذا المعيار.
إن بناء تجمع وطني واسع، يؤمن بأن حماية الإنجازات وتعظيمها هي أولوية المرحلة، أصبح ضرورة وطنية ومسؤوليه اخلاقية وتاريخيه. فالتغيير الحقيقي يبدأ بتغيير المعيار الذي نحاكم به السياسات، لا بتغيير الأشخاص فقط.
ومن لا يحسن استثمار الإنجازات، لن يستطيع الحفاظ عليها، ومن لا يحافظ عليها، سيجد نفسه يبدد أثمن ما صنعه الشعب الفلسطيني بدمائه وتضحياته.