
كانت بنت الصبح تقف على حافة الضوء، تحمل في يدها مرآةً لا تعكس الوجوه، بل تكشف ما تراكم في الأرواح من غبار الهزائم.. لم تكن شاهدةً عابرةً على زمنٍ تتبدل فيه الخرائط، بل كانت ضمير الحكاية، والصوت الذي ظل يخرج من بين أنقاض المدن كلما حاول الصمت أن يفرض سيادته. كانت تدرك أن الأرض تحفظ أسماء أصحابها، وأن الأشجار التي ارتوت بدم الشهداء لا تخطئ طريقها إلى الذاكرة، مهما تعاظمت الرياح القادمة من قصور الغفلة...
قالت بنت الصبح إن الحكايات القديمة لم تمت، وإنما بدلت أثوابها فحسب... فشهريار لم يعد ذلك الملك الذي كان يقتل كل صباح امرأةً خوفًا من الخيانة، بل غدا صورةً لكل سلطة تخشى الحقيقة فتطاردها، ولكل عقلٍ يرتعب من السؤال فيحاصر الكلمة. أما شهرزاد فلم تعد امرأةً تنجو بالحكاية وحدها، بل أصبحت تروي كل ليلة للعالم قصةً جديدة عن الأرض المباركة، لعل العالم يستيقظ ذات صباح، فيدرك أن الدم لا يمكن أن يصبح خبرًا عاديًا، وأن الطفل الذي ينام تحت الركام ليس رقمًا في نشرات الأخبار، بل مستقبل الإنسانية بأسرها...
وكانت شهرزاد تعلم أن شهريار هذا العصر لا يكتفي بقطع الأعناق، بل يسرق الحكاية أيضًا. يبدل أسماء الأمكنة، ويغير ملامح الحجر، ويزرع في الذاكرة رواياتٍ مفصلة على مقاس القوة. غير أن الحكاية الأصيلة كانت تجد سبيلها دائمًا، لأن الزيتونة تحفظ اسم من غرسها، ولأن البحر يعرف أصحاب المراكب الأولى، ولأن السماء لا تخطئ في عد النجوم التي تساقطت فوق مدينة السلام الجريحة، وسيدة التلال، تلك التي بقيت شاهدةً على تعاقب الغزاة ورحيلهم.
ثم رفعت بنت الصبح رأسها نحو المشرق البعيد، وقالت إن قابيل ما زال يمشي بين الناس. لم يندم كما ظن بعضهم، وإنما تعلم كيف يخفي آثار الجريمة تحت ركام الكلمات البراقة. صار يرتدي ثياب الدبلوماسية حين يشاء، ويصافح بيدٍ ملوثة بالدم كلما اقتضت المصالح ذلك. يبتسم للكاميرات، بينما يواصل دفن هابيل في كل أرض تنطق بالحق...
أما هابيل فلم يكن شخصًا واحدًا... كان طفلًا يحمل حقيبته إلى مدرسةٍ لم يبلغها. وكان أمًّا تبحث بين الأنقاض عن رغيف خبز. وكان شيخًا يفتح باب المسجد فلا يجد سوى رائحة الحريق. وكان شجرة زيتون اقتلعها جندي لأنه يخاف جذورها أكثر مما يخاف البنادق. صار هابيل اسما لكل بريء، بينما ظل قابيل يبحث عن شهادة حسن سيرة من محاكم القوة، ويجدها في كل مرة، لأن ميزان العالم فقد إحدى كفتيه.
قالت بنت الصبح إن أكثر ما يوجع الأرض ليس وجود قابيل، فالتاريخ عرف القتلة منذ فجره، وإنما أن بعض إخوة هابيل صاروا يجلسون إلى موائد قابيل، يتبادلون معه الخبز والابتسامات، ويصفون ذلك بأنه حكمة العصر... صار الاحتلال، عند بعض من ينطقون بلغة الضاد، ضيفا مرحبًا به، وصارت الدولة التي قامت على اقتلاع الكنعاني تُقدم بوصفها شريكًا في المستقبل، فيما تُركت الذاكرة وحيدةً تبحث عمن يصغي إليها...
وكانت حواضر أبناء عدنان وقحطان تشبه عقدا انفرطت حباته. فمدينة الياسمين تبكي وحدها، ومدينة النخيل تراقب النهر وهو يحمل وجعه إلى البحر، ومدينة القيروان القديمة تتساءل عن موعد عودة الفرسان، ومدينة الأرز تصغي إلى صدى الانقسامات، ومدينة الكنانة تقلب صفحات
التاريخ بحثًا عن زمنٍ كانت فيه القبلة واحدة حين يتعلق الأمر بأرض الإسراء والمعراج. لم تعد الجغرافيا تجمع القلوب كما كانت، بل غدت المسافات النفسية أوسع من الصحارى، وأشد قسوةً من الحدود التي خطها الغرباء.
وفي قلب هذه الفوضى، كانت عاصمة الله على الأرض، المدينة التي يسميها العارفون مدينة السلام، تحمل صليبها وحدها، وتنتظر أن يتذكر أبناء عدنان وقحطان أن للقبلة الأولى حقًا في أعناقهم. لم تكن تطلب المستحيل، وإنما كانت تسأل سؤالًا بسيطًا .. كيف يصبح من يحتل البيوت صديقًا، ومن يدافع عن بيته عبئًا سياسيًا ..؟
ابتسمت بنت الصبح ابتسامةً حزينة، وقالت إن زرقاء اليمامة ما زالت ترى أبعد من الجميع. كانت تصرخ منذ زمن بعيد بأن الأشجار التي تتحرك في الأفق ليست غابة، بل جنودًا يتخفون خلف الأغصان، غير أن أحدًا لم يصدقها حتى بلغت النار البيوت. واليوم تعود زرقاء اليمامة لتقول إن الخطر الحقيقي لا يسير على الدبابات وحدها، بل يدخل عبر الأبواب المفتوحة، ويجلس إلى موائد الاحتفال، ويتحدث بلسان السلام، بينما يخفي في جيبه خرائط جديدة للمحو والاقتلاع...
ورأت زرقاء اليمامة أن أمة الضاد لم تعد تخسر الأرض وحدها، بل أخذت تخسر البوصلة أيضًا. نجح العدو في إعادة تعريف نفسه، حتى بدا لبعض الناس شريكًا حضاريًا، بينما تحول الضحية إلى متهم يحتاج في كل يوم إلى إثبات حقه في الحياة. ولم تكن تلك هزيمةً عسكريةً فحسب، بل هزيمةً في الوعي، يوم يصبح الاحتلال وجهة نظر، ويغدو الدفاع عن الوطن تهمةً تحتاج إلى تبرير...
وكانت بنت الصبح تمضي بين المدن، تصغي إلى أصوات الأطفال، فتدرك أن المستقبل ما زال يقاوم. كل طفل يحفظ اسم قريته المهجرة هو شهرزاد جديدة. وكل أم تغرس شتلة زيتون فوق ركام بيتها هي شهرزاد جديدة. وكل شاعر يكتب للأرض السمراء دون أن يبيع كلماته في أسواق المصالح هو شهرزاد جديدة، تواصل تأجيل موت الحقيقة ليلةً بعد أخرى...
وكان شهريار هذا العصر يملك جيوشًا، وإعلامًا، وأموالًا، وتحالفات، لكنه يعجز عن امتلاك الحكاية. كان يعلم أن الرواية هي المعركة الأخيرة، ولذلك يحاصر الكتب كما يحاصر المدن، ويخشى الصورة كما يخشى الصاروخ، لأن الحقيقة إذا خرجت من بين الأنقاض غدت أقوى من كل أسوار الحديد...
في السهل الممتد بين البحر والجبل، كانت بنت الصبح تسمع همس الشهداء. لم يكونوا يطلبون البكاء، بل كانوا يوصون الأحياء ألا يسمحوا للذاكرة أن تنام. كانوا يدركون أن الاحتلال يبدأ حين تغيب البنادق، لكنه يكتمل حين تغيب الذاكرة. لذلك ظلوا يزرعون أسماءهم في حجارة الطرقات، وفي دفاتر الأطفال، وفي أغاني الجدات، حتى يبقى الوطن حاضرًا، مهما تبدلت الخرائط وتعاقبت الأزمنة...
كان العالم الذي يتغنى بحقوق الإنسان يبدو مرتبكًا أمام الأرض المباركة. يقيس الدم بمكيالين، ويزن العدالة بميزان المصالح. يفتح أبوابه للاجئين في موضع، ويغلق قلبه أمام لاجئي أرض الرباط في موضع آخر. يتحدث عن القانون الدولي حين يخدم الأقوياء، ثم ينساه حين يطرق ابن الأرض السمراء بابه حاملًا وثائق حقه. وهكذا غدا الزمن مثقلًا بالمفارقات، حتى كادت الكلمات تفقد معانيها، وكادت العدالة تصبح لفظًا يتيمًا في معاجم السياسة.
وفي خضم هذا المشهد، بدت أمة الضاد، بأبنائها من عدنان وقحطان، كقافلة أضاعت دليلها. تكاثرت الرايات، وتعددت الشعارات، وتفرقت السبل. انشغل كثيرون بخلافاتهم الصغيرة، فيما كان الجدار يزداد ارتفاعًا حول أرض الإسراء. وتنافس بعضهم على النفوذ، بينما كانت الأرض المباركة تخسر كل يوم شبرًا جديدًا من صبرها. تبدلت الأولويات، وأصبح الحديث عن التنمية والازدهار منفصلًا عن سؤال الكرامة، كأن الأوطان تُشاد بالإسمنت وحده، لا بالعدل والحرية وصيانة الإنسان.
غير أن بنت الصبح لم تكن يومًا تدعو إلى اليأس، لأنها كانت تؤمن أن الليل، مهما طال، لا يملك أن يحتجز الفجر. وكانت على يقين بأن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها لا تفقد أبدًا فرصة النهوض. وكانت ترى في كل حجر من حجارة الأرض السمراء رسالةً تقول إن الحق قد يتأخر، لكنه لا يضيع، وإن الغزاة جميعًا يرحلون، بينما تبقى الأرض تحفظ أسماء أصحابها الحقيقيين، كما حفظتها منذ أن خطت الحضارات الأولى حروفها على ترابها....
وقبل أن تغيب خلف أول خيط من الشمس، التفتت بنت الصبح إلى أبناء عدنان وقحطان جميعًا، وقالت ... لا تخافوا من كثرة شهريارات هذا الزمن، فكلهم يظنون أن السيف أطول عمرًا من الحكاية، ثم يكتشفون متأخرين أن الحكايات هي التي تكتب أسماء الملوك في دفاتر النسيان أو في سجلات الخلود. ولا تنسوا أن قابيل، على كثرة ما امتلك من قوة، ظل يحمل لعنة الدم إلى آخر الدهر، وأن هابيل، على الرغم من موته، صار رمزًا لكل براءة لا تموت. ولا تغفلوا عن صرخة زرقاء اليمامة وهي تشير إلى الخطر القادم، لأن الأمم التي تفقد بصيرتها قبل بصرها تصبح فريسةً يسيرة لكل طامع.
وتذكروا أن الأرض المباركة ليست حكاية حدود، بل حكاية ضمير، وأن الضمير إذا مات في أمة، فلن تستطيع كل قصور الدنيا أن تمنحها الحياة من جديد. وتذكروا أن الحكايات العظيمة لا تُكتب بالحبر وحده، بل يكتبها الصابرون بدموعهم، ويختمها الشهداء بدمائهم، وتحفظها الأمهات في صدورهن، ويرددها الأطفال جيلاً بعد جيل، حتى إذا ظن الناس أن الليل قد انتصر، خرج الفجر من بين الحجارة، يحمل للعالم الحكاية ذاتها، ولكن بصوتٍ لا يستطيع شهريار، مهما أوتي من سلطان، أن يخنقه أو يبدل معناه.