
غزة – وطن للأنباء: في وقتٍ تحوّلت فيه مئات المدارس في قطاع غزة إلى ركام، وتبدّلت فيه حقائب الطلبة بطوابير المياه والطعام، تقود نساء فلسطينيات مبادرات تعليمية استثنائية تحاول إنقاذ ما تبقى من حق الأطفال في التعلّم، وتمنع جيلاً كاملاً من السقوط في هوّة الجهل والصدمة النفسية التي خلّفتها الحرب.
قصتان من قلب غزة، تقف وراءهما المعلمتان مريم حسين محمد أبو شنب وغدير محمود أبو عودة، تكشفان كيف تحوّل التعليم من خدمة أساسية إلى معركة يومية من أجل البقاء، وكيف أصبحت الخيام والبيوت المدمرة والمساحات الضيقة فصولاً دراسية بديلة تحتفظ للأطفال بشيء من الأمل والمستقبل.
حين يصبح الدفتر ترفاً... أطفال يمحون دروسهم ليكتبوا من جديد
من أكثر المشاهد إيلاماً التي روتها مريم أبو شنب خلال مشاركتها في منصة "مواطنات" التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، اضطرار أطفال إلى محو ما كتبوه في دفاتر قديمة استخدمت قبل الحرب، لإعادة الكتابة عليها من جديد بسبب عدم قدرتهم على شراء دفاتر جديدة.
تقول أبو شنب إن بعض الطلبة كانوا يحضرون بدفتر واحد يضم أربع مواد دراسية، ويتجنبون كتابة الواجبات المدرسية خوفاً من نفاد صفحاته، بينما يلجأ آخرون إلى مسح الدروس السابقة بالكامل حتى يتمكنوا من استخدام الدفتر مرة أخرى.
هذه التفاصيل الصغيرة تعكس حجم الكارثة التعليمية التي يعيشها أطفال غزة، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على الوصول إلى المدرسة، بل امتد إلى توفير أبسط الأدوات التعليمية.
من خيمة صغيرة إلى مدرسة تضم 1200 طالب
أما غدير أبو عودة، فبدأت مبادرتها التعليمية من خيمة نزوح في رفح، حيث كانت تجمع الأطفال حولها لتعليم المهارات الأساسية وتحفيظ القرآن الكريم.
ومع تزايد أعداد الأطفال المحرومين من التعليم، توسعت المبادرة تدريجياً لتتحول إلى "مدرسة الكرامة التعليمية"، التي استوعبت في إحدى مراحلها نحو 1200 طالب وطالبة في شمال غزة، قبل أن تتعرض للتدمير الكامل جراء الحرب.
ورغم النزوح المتكرر والخسائر الكبيرة، عادت أبو عودة لتبدأ من جديد بخيمتين صغيرتين، قبل أن تتمكن من إعادة تشغيل المدرسة واستقبال مئات الأطفال الباحثين عن مكان يعيد لهم شعورهم الطبيعي بالحياة.
نساء في الصفوف الأمامية لمعركة التعليم
تكشف التجربتان أن النساء لم يكنّ مجرد مشاركات في مواجهة آثار الحرب، بل تصدّرن جهود حماية العملية التعليمية في غزة.
فالمبادرتان تقودهما معلمتان متطوعتان آمنتا بأن التعليم لا يقل أهمية عن الغذاء والمأوى، وأن حماية الأطفال من الانقطاع الدراسي الطويل تمثل ضرورة إنسانية ووطنية.
وتؤكد المشاركتان أن وجود الأطفال داخل المساحات التعليمية لا يقتصر على تلقي العلوم الأساسية، بل يشمل برامج للدعم النفسي والاجتماعي والأنشطة الترفيهية التي تساعدهم على تجاوز آثار القصف والنزوح وفقدان الأحبة.
الخيام التعليمية... ملاذ نفسي قبل أن تكون صفوفاً دراسية
في ظل الحرب المستمرة، تحولت المبادرات التعليمية إلى مساحات آمنة نسبياً للأطفال، توفر لهم قدراً من الاستقرار النفسي وتعيد بناء روتين حياتهم اليومية.
وتوضح المعلمتان أن الأطفال الذين عايشوا المجاعة والنزوح والقصف يحتاجون إلى أكثر من تعليم أكاديمي، فهم بحاجة إلى من يستمع إلى قصصهم ومخاوفهم، ويمنحهم فرصة لاستعادة شعورهم بالأمان والانتماء.
كما ساهمت هذه المبادرات في الحد من الفاقد التعليمي الكبير الذي أصاب آلاف الطلبة بعد أشهر طويلة من الانقطاع عن الدراسة.
مدارس دمرها الاحتلال... ومبادرات تبحث عن الحياة
يأتي هذا الحراك المجتمعي في وقت تعرض فيه قطاع التعليم في غزة لضربات غير مسبوقة، تمثلت في تدمير واستهداف عدد كبير من المدارس والمؤسسات التعليمية، ما جعل المبادرات المحلية أحد الخيارات القليلة المتاحة أمام الأطفال لمواصلة تعلمهم.
ورغم نجاح هذه المبادرات في الوصول إلى مئات الطلبة، إلا أن القائمات عليها يؤكدن أن استمرارها بات مهدداً بسبب نقص التمويل وغياب الدعم المؤسسي.
ما الذي تحتاجه هذه المبادرات؟
تجمع المعلمتان على أن تطوير المبادرات التعليمية في غزة يتطلب دعماً عاجلاً يشمل:
• توفير الخيام والمساحات التعليمية الآمنة.
• تزويد الطلبة بالدفاتر والقرطاسية والحقائب المدرسية.
• توفير مقاعد وطاولات ووسائل تعليمية مناسبة.
• دعم برامج الصحة النفسية للأطفال.
• تمويل رواتب رمزية للمعلمين والمعلمات المتطوعين.
• توفير المياه والخدمات الأساسية داخل المراكز التعليمية.
• توسيع المبادرات لتشمل مراحل دراسية أكبر وعدداً أكبر من الأطفال.
القلم كشكل من أشكال الصمود
في غزة، حيث دُمّرت المدارس وتفرقت العائلات بين الخيام ومراكز النزوح، تواصل نساء مثل مريم أبو شنب وغدير أبو عودة حمل رسالة التعليم بإمكانات شبه معدومة، مؤمنات بأن إنقاذ طفل من الجهل واليأس لا يقل أهمية عن إنقاذ حياته.
وبين دفاتر يُعاد محوها مرات عدة، وخيام تحولت إلى فصول دراسية، يواصل أطفال غزة كتابة مستقبلهم بأقلام بسيطة، بينما تثبت هذه المبادرات النسوية أن التعليم ما زال أحد أكثر أشكال الصمود قوة في مواجهة الحرب والدمار.