
لم يعد المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية مجرد سياسة توسع تدريجي أو استجابة لضغوط الأحزاب اليمينية والدينية، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى استراتيجية دولة متكاملة تهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية لفلسطين المحتلة بصورة تجعل أي تسوية سياسية مستقبلية مستحيلة عمليا. فالهدف لم يعد التفاوض من موقع قوة، وإنما إنهاء موضوع التفاوض نفسه عبر خلق حقائق ميدانية لا يمكن التراجع عنها، بحيث يصبح الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة مجرد فكرة نظرية لا تجد لها مكانا على الأرض.
ولهذا، لم يعد قادة الحكومة الإسرائيلية يخفون أهدافهم الحقيقية، بل باتوا يعلنونها بصراحة غير مسبوقة. فقد قال وزير المالية ووزير الاستيطان بتسلئيل سموتريتش، عقب المصادقة على مخطط E1: "اليوم نرسي حقائق تاريخية على الأرض. الدولة الفلسطينية تُمحى من على الطاولة، ليس بالشعارات بل بالأفعال." وأضاف أن هذه الخطوة "تمحو عمليا وهم حل الدولتين." وهذه التصريحات ليست مجرد مواقف أيديولوجية، بل تعكس السياسة الرسمية التي تنفذها الحكومة الإسرائيلية الحالية على الأرض يوما بعد يوم.
ويكتسب مخطط E1 أهمية استثنائية لأنه يستهدف المنطقة الواقعة بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، وهي المنطقة التي تشكل الحلقة الجغرافية التي تربط شمال الضفة الغربية بجنوبها. وإقامة البناء الاستيطاني فيها يعني عمليا تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة، وإحكام السيطرة الإسرائيلية على القدس ومحيطها، وقطع أي تواصل جغرافي يمكن أن تقوم عليه دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وقد بقي هذا المخطط مجمدا سنوات طويلة بسبب الضغوط الدولية، خصوصا الأميركية والأوروبية، التي كانت تدرك خطورته على مستقبل أي عملية سلام. لكن ما جرى خلال الولاية الحالية للحكومة الإسرائيلية تجاوز كثيرا قضية E1 وحدها، إذ شهدت الضفة الغربية أكبر موجة توسع استيطاني منذ احتلالها عام 1967، بعيدا عن الأضواء وفي ظل انشغال العالم بالحرب على غزة والتطورات الإقليمية.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحول. فمنذ عام 1967 وحتى تشكيل الحكومة الحالية، أقامت إسرائيل وسوت الأوضاع القانونية لنحو 127 مستوطنة في الضفة الغربية. أما خلال عمر الحكومة الحالية وحدها فقد صادقت على إقامة أو تسوية أوضاع 103 مستوطنات جديدة، وهو رقم يكاد يوازي كل ما أُقيم طوال أكثر من خمسة عقود من الاحتلال. وهذا يعني أن إسرائيل لا تضيف مستوطنات جديدة فحسب، بل تعيد رسم الخريطة الاستيطانية بوتيرة غير مسبوقة، بما يغيّر طبيعة الصراع نفسه.
ولا يقتصر الأمر على المستوطنات الرسمية، بل يمتد إلى البؤر الاستيطانية التي كانت تُعتبر في السابق "غير قانونية" حتى وفق القانون الإسرائيلي. فهناك اليوم أكثر من 300 بؤرة استيطانية في مراحل مختلفة من التسوية القانونية، وأكثر من نصفها أُنشئ خلال فترة الحرب الأخيرة. وقد أعلن وزير الحرب يسرائيل كاتس أن الحكومة تقترب من تسوية أوضاع نحو 140 بؤرة إضافية، بما يعني تحويلها إلى مستوطنات رسمية تحظى بالخدمات والبنية التحتية والحماية العسكرية الكاملة.
وعندما تُضاف هذه البؤر إلى المستوطنات القائمة، يصبح الحديث عن أكثر من 470 نقطة استيطانية منتشرة في أنحاء الضفة الغربية حقيقة ميدانية تفسر طبيعة المشروع الإسرائيلي. فهذه النقاط ليست تجمعات سكانية عشوائية، وإنما شبكة مترابطة من المواقع العسكرية والمدنية والطرق الالتفافية ومناطق النفوذ الأمني، هدفها إحكام السيطرة على الأرض الفلسطينية ومنع أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني يتمتع بالحد الأدنى من الوحدة الجغرافية والسيادة.
وتزداد خطورة هذا المشروع إذا نظرنا إلى توزيع المستوطنات الجديدة. فهي لا تُقام في الأطراف أو على خطوط التماس فحسب، وإنما في مواقع استراتيجية تتحكم بالمفترقات والجبال والأحواض المائية والأغوار ومحيط القدس والطرق الرئيسية. وبذلك تتحول الجغرافيا الفلسطينية إلى فسيفساء من الجيوب المعزولة التي يربط بينها الاحتلال ويفصل بينها الاحتلال في الوقت نفسه.
إن هذه السياسة تعكس انتقال إسرائيل من مرحلة إدارة الاحتلال إلى مرحلة الضم الفعلي، حتى لو لم يصدر إعلان رسمي بذلك. فالضم لا يبدأ بإصدار قانون في الكنيست، بل يبدأ بإقامة الطرق، وربط المستوطنات بشبكات الكهرباء والمياه، ونقل الصلاحيات إلى الوزارات المدنية، وإضفاء الشرعية القانونية على البؤر، ثم زيادة أعداد المستوطنين بصورة تجعل أي انسحاب مستقبلي مستحيلا سياسيا واجتماعيا.
وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار المالي أحد أهم أدوات المشروع الاستيطاني. فوفق معطيات حركة "السلام الآن"، استثمرت الحكومة الحالية ما لا يقل عن 19.8 مليار شيكل في تطوير المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها. وهذه الأرقام لا تعكس مجرد إنفاق على الإسكان، وإنما تمويلا لمشروع استراتيجي طويل الأمد يشمل شق الطرق والجسور والأنفاق، وتوسيع شبكات المياه والكهرباء، وإنشاء المناطق الصناعية والتعليمية والخدمات الصحية، بما يحول المستوطنات إلى مدن متكاملة ومراكز جذب سكاني واقتصادي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. ففي الوقت الذي كان فيه المجتمع الدولي يتحدث عن ضرورة إحياء عملية السلام بعد الحرب، كانت إسرائيل تنشغل بإزالة الأساس الجغرافي الذي يمكن أن تقوم عليه تلك العملية. فالمفاوضات، مهما بلغت مرونتها، تحتاج إلى أرض يمكن التفاوض عليها، أما إذا أصبحت هذه الأرض مقطعة ومجزأة ومليئة بالمستوطنات والطرق العسكرية، فإن أي حديث عن دولة فلسطينية يتحول إلى مجرد شعار سياسي لا سند جغرافيا له.
ومن الواضح أيضا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا ترى في ردود الفعل الدولية عائقا حقيقيا. فقد اعتادت على بيانات الإدانة الأوروبية، كما تعلم أن الولايات المتحدة، رغم اعتراضها اللفظي على بعض المشاريع الاستيطانية، لم تستخدم أدوات ضغط فعلية توقف هذا المسار. ولذلك تمضي في تنفيذ مشروعها وهي تدرك أن الكلفة السياسية محدودة مقارنة بالمكاسب الاستراتيجية التي تحققها على الأرض.
والأخطر من ذلك أن المشروع الاستيطاني لم يعد يُسوَّق داخل إسرائيل باعتباره قضية أمنية، بل باعتباره مشروعا قوميا وتاريخيا ودينيا يحظى بإجماع متزايد داخل اليمين الإسرائيلي. وهذا يعني أن تغيّر الحكومات مستقبلا قد لا يؤدي إلى تغيير جوهري في الاتجاه العام، لأن البنية الاستيطانية التي تُقام اليوم ستصبح جزءا من الواقع الذي يصعب تفكيكه.
أما فلسطينيا، فإن استمرار هذا المسار يفرض إعادة النظر في مجمل الاستراتيجية السياسية التي قامت طوال العقود الماضية على افتراض إمكانية الوصول إلى حل الدولتين عبر التفاوض. فحين يعلن قادة إسرائيل صراحة أنهم يدفنون هذا الحل، ويترجمون ذلك إلى مشاريع وميزانيات ومستعمرات وشوارع وجدران، فإن التعامل مع الأمر بوصفه مجرد مناورة تفاوضية يصبح نوعا من تجاهل الواقع.
لقد دخل المشروع الاستيطاني مرحلة جديدة عنوانها الحسم الجغرافي قبل أي حسم سياسي. ولم تعد إسرائيل تنتظر نتائج المفاوضات لتحدد مستقبل الضفة الغربية، بل تعمل على فرض هذا المستقبل بنفسها من خلال الخرسانة والجرافات والموازنات والقوانين. وما يجري اليوم ليس توسعا استيطانيا بالمعنى التقليدي، بل إعادة هندسة كاملة للمشهد الجغرافي والسياسي في الضفة الغربية.
وإذا استمر هذا المسار بالمعدلات الحالية، فإن السؤال لن يكون: هل ما زالت هناك فرصة لإقامة دولة فلسطينية؟ بل سيصبح السؤال الأكثر إلحاحا: كيف يمكن التعامل مع واقع جديد تكون فيه الأرض نفسها قد أُعيد تشكيلها بطريقة تجعل العودة إلى خرائط الأمس أمرا بالغ الصعوبة، وربما مستحيلا. فإسرائيل لا تكتفي بتغيير الوقائع على الأرض، بل تسعى إلى تغيير حدود الممكن سياسيا، بحيث يصبح ما كان يُعدّ حلا بالأمس خارج نطاق الواقع غدا.