* د. مروان طوباسي يكتب لوطن: معركتنا ليست على من يحكم غزة ... بل على مستقبل المشروع الوطني التحرري

26/06/2026

 أثارت الدعوات المتداولة لما سُمّي بـ"حراك 26 حزيران" في قطاع غزة جدلاً واسعاً بين ابناء شعبنا ، بين من اعتبرها تعبيراً عن حالة الاحتقان التي يعيشها شعبنا بعد أكثر من عشرين شهراً من حرب الإبادة والدمار ، وبين من رأى فيها محاولة لتوظيف المعاناة الإنسانية في خدمة أجندات سياسية تتقاطع مع مشاريع "اليوم التالي" التي يجري الحديث عنها إقليمياً ودولياً .

وبغض النظر عن الجهة التي تقف وراء هذه الدعوات أو حجم الاستجابة لها ، فإن الانشغال بالسجال حولها لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكثر أهمية وهو ، ما هي طبيعة المرحلة الفلسطينية المقبلة ؟ وهل بات الصراع يختزل في مسألة من يدير غزة ، بينما تتسارع في المقابل عملية استكمال المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس ، وتتواصل حرب الإبادة والتجويع والتهجير في قطاع غزة ومخيمات الضفة ؟

إن الأولوية الوطنية اليوم يجب أن تبقى واضحة ، وهي وقف العدوان وإنهاء الأحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة ، وإفشال المخططات الرامية إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية أو فرض ترتيبات سياسية وأمنية تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية . لكن هذه الأولوية لا تعني تجاهل الأزمة الداخلية ، ولا القبول باستمرار حالة الأنقسام أو بقاء حكم الأمر الواقع ، الذي أثبت خلال السنوات الماضية أنه أضعف النظام السياسي الفلسطيني ، وأتاح للقوى الخارجية التدخل بصورة أوسع في الشأن الفلسطيني .
لقد بات واضحاً أن إسرائيل ، بقيادة حكومة نتنياهو ، لا تسعى فقط إلى إدارة الحرب ، بل إلى استثمار نتائجها لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يخدم مشروعها الاستيطاني الإستعماري في فلسطين والمنطقة ، مستفيدة من الانقسام الداخلي ومن محاولات فرض صيغ سياسية جديدة تحت عناوين مختلفة ، سواء سُمّيت "اليوم التالي" أو "أدارة غزة بإشراف مجلس السلام" أو غير ذلك من المبادرات التي تُطرح بعيداً عن الإرادة الوطنية الفلسطينية .

ومن هنا ، فإن مواجهة هذه المشاريع لا تكون بمجرد رفضها ، بل بتقديم بديل وطني فلسطيني واضح ، بما يبدأ بحوار وطني شامل وواسع ومسؤول ، يهدف إلى إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي ، وإعادة الإعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وكصاحبة الولاية السياسية والجغرافية على قاعدة وحدة الأرض والشعب ، مع مواصلة إصلاحها وتطوير مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتشاركية .
وفي هذا السياق ، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني انتقالية ، تتولى فرض مسؤولياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وتعمل على توحيد المؤسسات المدنية والإدارية ، والإشراف على جهود الإغاثة وإعادة الإعمار ، والتحضير لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ، كما وانتخابات للمجلس الوطني ، فور توافر الظروف التي تضمن نزاهتها ومشاركة جميع أبناء شعبنا فيها .

إن القضية اليوم ليست مجرد ترتيب إداري لإدارة قطاع غزة ، بل إعادة تعريف المشروع الوطني التحرري الفلسطيني برمته . فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط حول إدارة الأرض ، بل حول حماية القرار الوطني المستقل ، ومنع تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إنساني أو أمني يُدار وفق حسابات بعض القوى الإقليمية والدولية .

كما أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي تفتح ، رغم تعقيداتها ، فرصاً جديدة أمامنا نحن الفلسطينيين إذا أحسنا توظيفها من خلال رؤية وطنية موحدة ، وسياسة خارجية أكثر انفتاحاً وتوازناً ، تستثمر تعددية مراكز القوى الدولية وحركة شعوب العالم بما في ذلك بالولايات المتحدة ، وتحولها إلى عناصر دعم لنضال شعبنا التحرري ، بدلاً من انتظار حلول تُصاغ خارج الإرادة الفلسطينية .

إن معركتنا الحقيقية ليست على من يدير غزة ، بل على طبيعة المرحلة الفلسطينية المقبلة بأكملها ، إنها معركة تتعلق بإعادة بناء الوحدة الوطنية الواسعة ، وتجديد شرعية النظام السياسي ، وإعادة تعريف المشروع الوطني التحرري بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية ، ويحصّن القرار الفلسطيني من الوصايات والإملاءات الخارجية .

فإذا لم نبادر نحن الفلسطينيون إلى صياغة مشروعنا الوطني بأنفسنا ، فإن الآخرين سيواصلون محاولة صياغته عنا ، وهذه هي المعركة التي تستحق أن تُخاض اليوم ، لأنها معركة حماية الهوية الوطنية والقرار المستقل ، واستعادة المبادرة السياسية ، وفتح الطريق نحو الحرية والأستقلال الوطني والعدالة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة .

* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح"