ناصر السهلي يكتب لوطن عن حركة فتح التي تشيخ… أحاديث الناس في المنافي

15/05/2026

 بين مئات آلاف الفلسطينيين في المنافي الأوروبية ومخيمات الشتات العربي، يصعب أن تجد بيتاً لم يخرج منه يوماً من انتمى إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح". جيل كامل تربّى على أناشيد "العاصفة"، وعلى الهتاف: "أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها"، حين كانت الحركة تُختصر في الوعي الفلسطيني بوصفها العمود الفقري للثورة المعاصرة.

لكن الجلوس اليوم مع كثير من "فتحاويّي" تلك المرحلة يكشف لغة مختلفة تماماً؛ لغة يغلب عليها الأسى والاستنكار والغضب أحياناً. يستعيدون زمن أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد، ومعهم جورج حبش ونايف حواتمة وأبو العباس، ثم يسألون بمرارة: كيف وصلت الحركة إلى هذا المآل؟

ثمة شعور واسع بأن "فتح" فقدت تدريجياً صورتها كحركة تحرر وطني، منذ تحولت إلى حزب سلطة. تبدلت البوصلة، وتراجع الخطاب الوطني الجامع لصالح حسابات النفوذ والإدارة والامتيازات، بينما كانت إسرائيل تنزاح أكثر نحو الصهيونية الدينية والتطرف الاستيطاني.

منذ "أوسلو"، دخل الفلسطينيون زمناً طويلاً من الانتظار. ثلاثون عاماً من الوعود والرهانات على “العملية السلمية”، فيما كانت الوقائع على الأرض تسير في الاتجاه المعاكس تماماً: استيطان يتوسع، وتهويد يتسارع، واحتلال يزداد شراسة، مقابل خطاب فلسطيني يزداد تمسكاً بمفردات “الاعتدال” و”العقلانية”، حتى بدا أحياناً كأنه منفصل عن طبيعة الصراع نفسه.

في المقابل، لم يعد المعسكر الصهيوني يخفي شيئاً. وزراء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش يتحدثون علناً عن دفن "أوسلو"، وعن فرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية، فيما لا يزال جزء من القيادة الفلسطينية يتعامل مع الاتفاق بوصفه المرجعية المقدسة الوحيدة الممكنة.

في أحاديث الشتات، ثمة مقارنات لا تتوقف. يتذكر الناس زمناً كانت فيه الصهيونية مصنفة في الأمم المتحدة كحركة عنصرية، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. أما اليوم، فيرون أن التطبيع بات يُقدَّم كأمر طبيعي، فيما يُصنَّف مجرد انتقاد الصهيونية أحياناً باعتباره "معاداة للسامية".

ومع ذلك، فإن المفارقة الكبرى تظهر في الغرب نفسه، حيث تتوسع حركات التضامن مع فلسطين بوتيرة غير مسبوقة، خصوصاً بعد حرب الإبادة على غزة. هناك، لعبت الأجيال الفلسطينية الشابة، ومعها ناشطون ومتضامنون، دوراً بدا أحياناً أكثر تأثيراً من الأداء الرسمي الفلسطيني، سواء إعلامياً أو سياسياً.

مجرد مقارنة أداء منظمة التحرير اليوم بما كانت تقوم به في ذروة العمل الوطني منذ أواخر الستينيات، تكشف حجم التحول. آنذاك، كان الإعلام الفلسطيني جزءاً من مشروع تحرري واضح المعالم، وكانت الرواية الفلسطينية حاضرة بقوة. أما اليوم، فيبدو الحضور الرسمي باهتاً، باستثناء جهود فردية متناثرة لسفراء أو شخصيات تعمل غالباً خارج إطار مؤسسي فعّال.

الغضب الأكبر داخل الأوساط الفلسطينية لا يتعلق فقط بالسياسة، بل أيضاً بالإحساس بأن الحركة لم تعد تنصت جيداً إلى شعبها، خصوصاً الأجيال الشابة. ففي وقت يعيش فيه الفلسطينيون واحدة من أكثر مراحلهم قسوة، ينشغل كثير من النقاش الداخلي بصراعات المواقع والوراثات السياسية وتوزيع النفوذ داخل سلطة محدودة الصلاحيات، بينما يواصل الاحتلال تفكيك ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية.

لا يطالب الفلسطينيون بإعلان حرب شاملة غداً، لكنهم يسألون سؤالاً بسيطاً: ما المشروع الوطني اليوم؟ ما الهدف؟ وما هي الوسائل والأدوات؟ وهل لا يزال "حل الدولتين" مشروعاً قابلاً للحياة في ظل الوقائع التي يفرضها الاحتلال يومياً؟

ثمة من يطرح أسئلة أبعد: هل تملك الحركة الوطنية تصوراً جديداً، أم أن الخطاب السياسي لا يزال يدور داخل اللغة نفسها التي استُهلكت منذ ثلاثة عقود؟

المشكلة، بالنسبة لكثيرين، ليست في الدبلوماسية أو السياسة بحد ذاتها، بل في تحولهما إلى بديل عن الفعل الوطني، لا امتداداً له. فالتجارب التحررية الكبرى لم تنجح بالمفاوضات وحدها، بل بامتلاك مشروع واضح، وإرادة سياسية، وقدرة على تحويل التضحيات الشعبية إلى قوة ضغط حقيقية.

في النهاية، لا يتعامل أبناء الشتات مع "فتح" كتنظيم عادي، بل كجزء من ذاكرتهم الشخصية والجمعية. ولهذا يبدو الغضب عليها مختلفاً: غضب من يعتبر أن الحركة لم تكن ملكاً لأصحاب النفوذ، بل لشعب كامل دفع أثماناً باهظة باسمها وباسم فلسطين.

ويبقى السؤال معلقاً: هل لا تزال الحركة قادرة على تجديد نفسها واستعادة معناها كحركة تحرر وطني، أم أنها تواصل الشيخوخة داخل سلطة تتآكل، فيما يتغير العالم من حولها بسرعة؟. لا شك أن من يتوجسون من أسئلة البدائل، التي يطرحها البعض، لا يكفيهم التوجس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في واقع فلسطيني مأزوم بالانقسام والتشظي والمنفعية الذاتية، الفردية والشللية.