مأزق المشاركة السياسية والتشاور العام في فلسطين… خبراء: غياب البرلمان وتغوّل السلطات يعيق إشراك المجتمع المدني والمواطنين في صناعة القرار

02/09/2025

وطن للأنباء: ناقش خبراء قانونيون وحقوقيون خلال حلقة خاصة لمركز إعلام حقوقو الإنسان والديمقراطية - شمس عبر شبكة وطن الإعلامية، واقع التشاور العام للمواطنين ومؤسسات المجتمع المدني في صنع السياسات العامة قبل إقرارها، محذرين من أن استمرار تغييب المواطنين عن صناعة القرار يفاقم الأزمات الوطنية، خاصة في ظل تصاعد الهجمة الإسرائيلية.


أشرف أبو حيّة: المشاركة السياسية رهينة نظام سياسي مشوّه
أكد المستشار القانوني لمؤسسة الحق، الأستاذ أشرف أبو حيّة، أن المشاركة السياسية في الأنظمة الديمقراطية تُبنى على عقد اجتماعي واضح يتمثل بالدستور، عبر برلمانات منتخبة، هيئات محلية، واستفتاءات شعبية على القرارات المصيرية. لكن في الحالة الفلسطينية – كما قال – فإن الواقع "غير طبيعي"، إذ تُختزل السلطات في جهة واحدة، ما يجعل المشاركة مغيّبة بشكل شبه كامل.

وأشار أبو حيّة إلى أن غياب البرلمان والمؤسسات التمثيلية يفرغ النصوص القانونية من مضمونها، فالمشكلة ليست في النصوص وحدها بل في طبيعة النظام السياسي القائم، حيث تتداخل صلاحيات الحكومة والرئاسة بشكل مربك وتتجاوز حدود القانون الأساسي.

وأوضح أن هذه البنية تضعف أي عملية لصناعة سياسات عامة بمشاركة مجتمعية، مشيرًا إلى أن منصات التشريع التي أطلقتها الحكومة – رغم أهميتها – ما زالت شكلية ولا تضمن مشاركة حقيقية في اتخاذ القرار.

وأضاف أن ما يجري من تهجير في مخيمات شمال الضفة مثال صارخ على تغييب المواطنين، إذ لم تُجرَ أي مشاورات مع المجتمع المدني أو اللاجئين حول سبل المواجهة، وهو ما يعكس أزمة هيكلية في إدارة الشأن العام.

واعتبر أبو حيّة أن الالتزامات الدولية لفلسطين، خاصة في تقارير حقوق الإنسان، تطرح سؤالًا جوهريًا حول إشراك المجتمع المدني في إعدادها، وهو ما تغفله الحكومة، مؤكدًا أن غياب الحوار مع كافة المكونات يضعف الموقف الفلسطيني أمام المجتمع الدولي.

وختم بالقول إن "المشاركة ليست نصوصًا بل نهج شامل"، داعيًا إلى إعادة صياغة أولويات وطنية تتبنى الحوار والتمثيل، بعيدًا عن الإقصاء، لضمان وحدة الموقف في مواجهة سياسات الاحتلال.

  خديجة زهران: مشاورات شكلية وثقة مهزوزة
من جهتها، شددت مديرة دائرة الرقابة على السياسات والتشريعات في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، خديجة زهران، على أن عملية صياغة القوانين والتشريعات في فلسطين تعاني من ضعف المشاورات المجتمعية، حيث يجري تجاهل استشارة مكونات المجتمع المدني في معظم الأحيان.

وأوضحت أن مبادرات حكومية سابقة، بدعم من منظمات دولية، حاولت وضع آليات للمشاورة، لكن التطبيق ظل هشًا، إذ تصدر القرارات أحيانًا من مراكز الحكم دون المرور بلجان تشاورية أو نقاش مجتمعي واسع.

وأكدت أن غياب جسم مركزي يتولى صناعة التشريع يفتح الباب أمام تعددية المرجعيات، ما يؤدي إلى إصدار قوانين أو قرارات دون مشاركة حقيقية، وهو ما يضعف ثقة المواطنين بالحكومة ويجعل المجتمع المدني في موقع رد الفعل فقط.

وأضافت أن المشاورات القائمة تظل رهينة توجهات فردية لبعض الوزراء أو المؤسسات، بينما يغيب النهج المؤسسي، على الرغم من أن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يُلزم السلطة الفلسطينية بتعزيز المشاركة في وضع السياسات والقوانين والموازنات.

ورفضت زهران فكرة أن المجتمع المدني عاجز عن لعب دوره، مشيرة إلى أن النقابات والاتحادات ومجالس الطلبة أثبتت قدرتها على خوض معارك ضد قرارات غير تشاركية، من خلال الاحتجاجات والإضرابات والتواصل المباشر مع الجمهور.

وختمت زهران برسالة للحكومة الفلسطينية، معتبرة أن "الفرصة ما زالت سانحة لإعادة بناء الثقة بين المواطن وصانع القرار"، عبر إشراك كافة المكونات في صياغة السياسات، بما يعزز الوحدة الداخلية ويقوي قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحديات.

عزمي الشعيبي: مواجهة جماعية للهجمة الإسرائيلية
أما مستشار مجلس إدارة ائتلاف أمان لشؤون مكافحة الفساد، الدكتور عزمي الشعيبي، فاعتبر أن المشاركة السياسية ليست ترفًا، بل ضرورة لمواجهة الهجمة الإسرائيلية التي تستهدف طمس الهوية الوطنية وتفكيك فكرة الدولة الفلسطينية.

وأوضح أن القانون الأساسي الفلسطيني نص بوضوح على أن الشعب هو مصدر السلطات، لكن غياب البرلمان أفقد الحكومة شرعيتها، كما أن ضعف المشروعية ناتج عن تراجع رضا الناس عن السياسات العامة، وغياب دور المجتمع المدني في صياغتها.

وكشف الشعيبي أن محاولات سابقة لوضع سياسة واضحة للعلاقة بين الحكومة والمجتمع المدني فشلت بفعل تدخلات أمنية وضغوط خارجية، ما جعل الأمر متروكًا لاجتهادات الوزراء بشكل فردي.

وأشار إلى أن الفجوة بين المواطنين والطبقة السياسية آخذة في الاتساع، رغم إدراج أهداف إصلاحية في أجندات الحكومة، مؤكدًا أن ذلك جاء استجابة لشروط المانحين أكثر من كونه نابعًا من قناعة وطنية.

وشدد على أن استراتيجية المواجهة تتطلب إشراك أوسع للمجتمع المدني، بما يشمل النقابات والاتحادات والهيئات المحلية، محذرًا من تكرار تجربة غزة حيث أدى انهيار النظام المركزي إلى فوضى وظهور "تجار الحروب".

وذكّر الشعيبي بتجربة اللجان الوطنية في السبعينيات التي ضمت البلديات والنقابات والجمعيات الخيرية، والتي نجحت في مواجهة القبضة الحديدية للاحتلال بفضل مشاركة جماعية شاملة، معتبرًا أن استعادة هذه الروح ضرورة ملحة اليوم.

وختم بالدعوة إلى وحدة بين العمل الأهلي والنقابات والحكومة، تقوم على مبدأ الشراكة في المواجهة، لا مجرد الاستشارة، لأن ما يواجهه الفلسطينيون هو معركة وجود تتطلب إدارة جماعية للمخاطر والتحديات.