يَقين.. طفلة كانت بأُمّة

01/06/2025

كتبت: رغد صلاحات

"هنا ترى غزة كما لم تراها من قبل"، جملة بسيطة كتبتها الطفلة يقين في وصف صفحتها على إنستغرام، ودون أن تشعر، كانت تلك الجملة تُلخِّص ما أرادت توصيله للعالم فعجز عن رؤيته.

لم تكن الطفلة يقين حمّاد ذات الثالثة عشر ربيعاً، تبحث عن شهرة أو مال، بل عن نافذة تطل من خلالها على العالم لتنقل وجه غزة الآخر؛ الأطفال الذين يزرعون الأمل في حقول الدمار، ويحملون آيات القرآن في صدورهم رغم الحصار والخذلان.
في مساء يوم الجمعة 23 مايو 2025، أُغلقت تلك النافذة، واستُشهدت يقين في قصف إسرائيليّ استهدف خيام النازحين في دير البلح.

وجه غزة الآخر
كانت يقين الوجه الآخر لغزة، ناشطة في العمل التطوعيّ، مشارِكة في حملات فريق "عوناً" مع شقيقها الأكبر محمد، تظهر في الفيديوهات بوجه مبتسم، توزع المساعدات، توثّق حياة المخيمات، تزرع كلمات القوة والتحفيز، وسط طائرات تزرع النار..!
في إحدى مقاطعها ظهرت وهي تقول: "أنا بحاول أفرّح الأطفال، يمكن ننسى الحرب شوي"، لكن الحرب لم تنسها.

رفيقة المستشار
ما بين أيديهم المتعبة، وقلوبهم الكبيرة، سارت يقين مع شقيقها محمد المُلقب بالـ "المستشار" كأنهما جيش صغير يحمل رسالة عظيمة، تقاسما كل شيء، حتى اللقب! كان يناديها بالـ "المستشارة"، ركضا معاً وسط القصف، يبنيان خيام النازحين، يوزعان الطعام، يحفران لآبار المياه، يزرعان الأمل في قلوب الناس.
تحمل معها الكاميرا بيد، واليد الأخرى مشغولة بحمل القرآن، توثّق وتعمل، تحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، حتى أصبح أخيها يردد معها شعار "صانعات الأجيال"!
خاطبت جمهورها يوماً قائلة: "انهضوا، امضوا، اسعوا، ولا تتخذوا من صعوبات الحياة ذريعة للوهن والتقاعس"
لم تكن تواسي وتخفف فحسب، بل كانت تقود!
غياب يقين آلم جمهورها، فمكانها لم يملأه أحد! فكيف بأخيها الذي تقاسم معها الحلم والدرب؟ وكان يرى فيها روحه الثانية!


الطفولة المستهدفة
استشهاد يقين لم يكن حادثاً منفصلاً، بل فصلاً جديداً في تاريخ حافل من استهداف الطفولة في غزة.
ومنذ بداية حرب الإبادة على القطاع، تحولت أجساد الأطفال إلى أهداف مفتوحة، لا تحميهم المدارس ولا المخيمات! واستشهاد اكثر من 16 ألف طفل في غزة منذ بداية الحرب خير دليل، في جرائم وثّقتها وزارة الصحة وأكدتها تقارير أممية. 
هؤلاء الأطفال لم يكونوا جنوداً ولا يحملون سلاحاً، بل كانوا مثل يقين: يحملون القرآن ويزرعون الأمل.
في غزة كل لحظة حياة يمكن أن تتحول إلى مشهد وداع..

صوتٌ لن يغيب
رحلت يقين، لكنّ أثرها ممتداً، وصوتها لا يزال حياً
كلماتها، ضحكاتها، مقاطعها... كلها بقيت تُعيد رسالتها التي كتبتها منذ البداية: "هنا ترى غزة كما لم ترها من قبل"
اليوم، نراها كما أرادتها أن تكون
نراها... بيقين.