
غزة- وطن للأنباء: نغم كراجة: حين وضعت صابرين الخيري لمسة الورد الأخيرة على فستان زفافها المطرز وعلّقته قرب باب الخزانة، لم تكن تدري أن هذه القطعة البيضاء ستظل معلقة وحدها إلى الأبد، وأنها لن ترتديه إلا في أحلامها المبتورة كما قدمها. بعد رحلة نزوح قاسية استمرت لعامٍ ونصف، عادت في الثاني من فبراير إلى حي الشيخ رضوان في مدينة غزة، ظنّت أن الألم قد طوى صفحاته، وأنها أخيرًا ستبدأ فصلاً جديدًا من حياتها، لكن القدر رسم لها مسارًا آخر، أكثر وجعًا من كل ما مضى.
لكن ليل السابع عشر من مارس لم يكن عاديًا. بعد هدنة دامت خمسين يومًا، عاد القصف ليضرب المدينة مجددًا. كانت صابرين قد قررت قضاء تلك الليلة في بيت ابنة عمها في حي تل الهوا، تلبية لدعوة بسيطة من أجل السهر والحديث، بعيدًا عن ضغط التحضيرات للزفاف.
في تمام الواحدة والنصف فجرًا، انفجر صاروخ حربي في المنزل، ارتجّ المكان كله، وتحولت جدرانه إلى كتل من الغبار والحجارة المتطايرة. ألقت قوة الانفجار بصابرين من الطابق الثاني إلى الشارع، وجدت نفسها على الأرض غير قادرة على الحركة.
تتذكر أنها لم تشعر بالألم فورًا، ولم تدرك خطورة ما حدث، لكن لسانها نطق برجاء خافت: "أرجوكم، لا تبتروا قدمي... بالله عليكم لا تفعلوا بي ذلك."
كان جسدها غارقًا في الدماء، وقدمها اليمنى مهشّمة تمامًا، نُقلت على الفور إلى المستشفى الأردني غرب غزة، وهناك أُجري لها البتر، إذ لم يكن بالإمكان إنقاذ الساق بسبب التهتك الكبير.
بصوت منخفض ونظرة شاردة إلى السقف، قالت: "كنت أحلم بفستان زفافي، بغرفتي الجديدة، بمستقبلٍ أشارك فيه زوجي الحياة... لكن بدلًا من أن أبدأ أول أيامنا تحت سقف منزل، وجدت نفسي على سرير في مستشفى، لا أستطيع أن أرفع ظهري، وأشعر أنني فقدت جزءًا من هويتي."
في زاوية أخرى من المشهد، كان تامر الديب يعيش لحظات من الهلع والانتظار الثقيل، يقول بصوتٍ مخنوق وهو يضم كفيه المرتجفتين معًا: "في منتصف الليل كنت أتحدث معها عبر الهاتف، حديثًا عاديًا، نضحك ونتبادل بعض التفاصيل عن ترتيبات الزفاف... أغلقت المكالمة في الثانية عشرة..وبعد ساعة فقط، دوى انفجار عنيف..لم أتخيّل أن الضربة كانت في المنزل الذي كانت فيه صابرين لكن حينما ظهرت صور المنزل على قناةٍ إخبارية، شعرت وكأن دمي تجمّد."
صمت تامر لحظة، ثم تابع وهو ينظر إلى الأرض: "ركضت في الشارع كالمجنون، اتصلت بها مرارًا، لكن الهاتف كان مغلقًا..وصلت إلى المكان فوجدت فرق الدفاع المدني تنقل الجرحى من تحت الركام..علمت أن صابرين نقلت إلى المستشفى الأردني، هرعت إلى هناك فورًا..وجدتها شبه غائبة عن الوعي، ممددة على السرير بقدم واحدة، ووجهها شاحب كأن الحياة خرجت منه للتو. أمسكت يدها، همست لها: 'أنا هنا... لن أتركك مهما حدث'."
يرتجف صوته وهو يستعيد السؤال الأول الذي نطقت به: "قالت لي: هل بتروا قدمي؟ لم أستطع أن أقول لها الحقيقة..قلت: لا، الأمور بسيطة، المهم أنك بخير..لم يكن كذبًا بقدر ما كان رغبة في منحها لحظة راحة وسط العاصفة."
يؤكد تامر أنه رافقها خلال تنقلها بين المستشفيات، من الأردني إلى المعمداني، ثم إلى مستشفى الوفاء للتأهيل، بعد أن تعذّر توفر المسكنات والمضادات الحيوية اللازمة لحالتها..كانت تشكو من ألم دائم في الظهر بسبب الكسور الناتجة عن السقوط، ومعاناة مستمرة بعد البتر.
ورغم الجراح، يصرّ تامر على المضي قدمًا في مشروع الزواج، وإن تغيّر شكله وظرفه، اليوم، تتابع صابرين علاجها داخل مستشفى الوفاء، وتنتظر الموافقة على مغادرة القطاع لتركيب طرف صناعي، علّها تعود إلى الوقوف من جديد..بجانب سريرها، تضع رواية كانت قد بدأت بقراءتها قبل أيام من إصابتها، وكلما قلّبت صفحة، غرقت عيناها بالدموع.
وتختتم صابرين حديثها قائلةً: "كنت أحلم أن أقرأ هذه الرواية في بيتنا الجديد، على أريكة صغيرة اشتريتها خصيصًا، واليوم أقرؤها فوق سرير أبيض تملؤه رائحة المحاليل والدم، ولا أستطيع حتى الجلوس".