عسكرة الموسيقى... إسرائيليون يسرقون ألحان الفلسطينيين ويغنون لإبادتهم

10/07/2024

كتب هيثم الشريف: 

"ليل الخريف يرخي سدوله فوق ساحل غزة

الطائرات تقصف دماراً دماراً

هنا قوات الدفاع تعبر الخط

لتُبيد حاملي الصليب المعكوف

عام آخر، ولن يكون هناك أي شيء

ونعود آمنين إلى بيوتنا".

هذه الكلمات التي تجاهر بإبادة الغزيين لم ينطقها السياسيون الإسرائيليون الذين أسمعوا العالم أجمع مقولاتهم التي تحرض على إبادة غزة وشعبها. بل هي كلمات لأغنية يؤديها أطفال إسرائيليون، بثتها هيئة البث الإسرائيلية "كان"، لمناسبة يوم الطفل العالمي بعد أيام من بدء الحرب على القطاع، ثم حذفتها لاحقاً.

لكنها ليست الأغنية التحريضية الوحيدة، فمع بدء الحرب الشرسة على غزة، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي العديد من الأغاني ذات المحتوى العنيف، والذي يجرد الغزيين والفلسطينيين من إنسانيتهم، ويحط من قيمتهم البشرية ويدعو إلى إبادتهم.

وسواءٌ كانت هذه الأغاني جديدة أم أعيد تقديمها، إلا أنها اتسمت جميعها بالتحريض على القتل والدمار. وجاءت بأساليب موسيقية مختلفة كالراب والبوب، وفي بعض منها تمت سرقة أغان عربية وتغيير الكلام إلى كلام إبادي بالعبرية.

لقد تعثر الفلسطينيون ومتابعون غير فلسطينيين من العالم بفيديوهات لحفلات غنائية لمطربين إسرائيليين أو حفلات أمام قوات الاحتلال في غلاف غزة، أو لجنود يرقصون على هذه الأغاني خلال العمليات العسكرية في غزة وينشرون مقاطعهم عبر وسائل التواصل.

فراجت في أوساطهم أغان مثل "نحتل غزة"، "لن تهزمني"، "عائدون إلى غزة"، و"Harbu "Darbu" التي حصدت 24 مليون مشاهدة، وتقول كلماتها:

"شلة جرذان سفلة تخرجون من جحورهم

"عاملين أبو علي"، حمقى، لن تغفر لكم أي كلمة

هل تفكرون بصراخكم "فلسطين" لن تدفعوا الثمن؟

تفي (بصقة)، يا أبناء عماليق

هوووب، تخريب

يسار يمين يسار… كل الدولة بزي العسكر

من الجليل حتى إيلات"

وفي مقطع آخر تقول:

"أحضرنا لكم كل الجيش ونُقسم أننا لن نغفر

جهزوا أنفسكم. سترحلون. فهذا هو الطيران الحربي"

كيف استمع إليها الفلسطينيون
يؤكد وسام بخاري (33 عاماً) من القدس، لرصيف22 أن الاحتلال الإسرائيلي يتغذى على هذه العنصرية. "نحن نلمسها في الشارع الإسرائيلي وفي حياتنا اليومية. وقد تكون الأغاني أحد أشكالها وتمظهراتها"، يقول.

ويشير إلى أن حجم العنصرية الموجه ضد الفلسطينيين ازداد منذ السابع من أكتوبر، وبدا جلياً في كلمات الأغاني الكثيرة المنتشرة.

"أذكر من بينها أغنية "أنا مجنون" التي يستخدمها الإسرائيليون لشحذ الهمم. ويقصدون فيها جنون وحدات جيش الاحتلال الإسرائيلي حين تُمعن في القتل والدمار"، يضيف وسام.

ويرى أن هذا الشكل من العنصرية هو محصلة طبيعية لأزمة الهوية التي ستبقى مُلازمة للعقلية الإسرائيلية في الأرض العربية التي تحتلها.

وتقول كلمات أغنية "أنا مجنون":

"سيكون من الصعب أن ترى الصور من غزة

لم يتبقى لكم أحياء في غزة

لم تعودوا قادرين على الشرب في غزة

لن تحظوا بدفن الجثث في غزة".

وقد تكون هذه الأغاني مرئية ومسموعة بصورة أكبر في مدينة مثل القدس، التي تعتبر مسرحاً للاحتفالات ومسيرات الأعلام ومسيرات المستوطنين.

يقول لرصيف22 حجازي الرشق (67 عاماً) من القدس إن "ظاهرة استخدام الأغاني التحريضية ليست بجديدة، خاصة على سكان مدينة القدس. عادةً ما يتم ترديد الأناشيد العنصرية والأغاني الاستفزازية في المحافل والمسيرات. وقد تصل في بعض الحالات إلى سب الذات الإلهية وشتم الرسول".

يصادف حجازي أغاني تحريضية كثيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تدعو إلى القتل والإبادة وتمجد القتلة.

"يشعر المرء بالاستفزاز أمام كلمات هذه الأغاني المقززة والمخزية. أضف إلى ذلك أن ثمة أغاني عربية سُرقت ألحانها وتم تحوير كلماتها إلى كلمات عنصرية بالعبرية"، يقول مضيفاً.

ويعتقد حجازي بأن هذه السرقة لا تنفصل عن سياق سعي الإسرائيلي المستمر والحثيث إلى سرقة التراث والحيز الفلسطينيين.

سرقة الألحان العربية
ومن المفارقات الكبيرة، استخدام ألحان أغان عربية معروفة. من بينها، على سبيل المثال، "أنا دمي فلسطيني" للفنان الغزي محمد عساف.

سُرق اللحن واستخدم في أغنية إسرائيلية تحت عنوان "إسرائيل هي أرضي" نشرت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023. وتقول الأغنية: "إسرائيل هي أرضي… والله دائماً معي… الجنود يحمونني… وأنا دمي يهودي".

أما الأغنية الفلسطينية التي تحمل عنوان "إن أن" لضبور وشب جديد، والتي من الممكن أن نعتبرها أغنية "هبة أيار 2021"، فسرق لحنها أيضاً لأغنية إسرائيلية بعنوان "كله تمام". وتقول الأغنية:

"نتحدث معهم بلغة واحدة بالتأكيد سيفهمونها

سيسمعونها من ملاجئهم قبل أن يهربوا ويرفعوا الراية البيضاء

كل كلب بيجي يومه، اليوم يوم الدين، أطفأوا المآذن واركضوا

بعد ما فعلتموه لشعب إسرائيل

جولاني (لواء في الجيش) آت مع بنزين".

ويعقب لرصيف22 الفنان المقدسي ضبور على سرقة اللحن قائلاً: "لا أستغرب سرقة اللحن. فهؤلاء لصوص منذ الأزل. لقد سرقوا البلاد والأرض، فليس غريباً عليهم أن يسرقوا لحن أغنية".

وفي سؤال حول شعوره حين سمع لحن أغنيته في أغنية إسرائيلية تحريضية، أجاب: "لم يهزني سماع الأغنية. أعتبر هؤلاء صعاليك، ويعيشون في القاع فنياً. نحن أعلى قيمة منهم".

كذلك، انتشرت أغنية إسرائيلية تؤديها مغنية أمام جنود الاحتلال، على لحن أغنية أحمد عدوية "يا بنت السلطان". تقول فيها: "يا يحيى السنوار… ليتك تموت غداً، مع نصر الله وجميع من في غزة".

وترى الكاتبة والباحثة في الموسيقى والترفيه في الشرق الأوسط، والحاصلة على درجة الدكتوراه في الدراسات العربية من جامعة السوربون ديانا عبّاني، في حديثها لرصيف22: "أن استخدام الموسيقى العربية أو سرقة الألحان العربية وتحويلها لأغان إسرائيلية تحريضية تدعو للقتل والدمار يساهم في الاستحواذ على المكان والزمان الفلسطينيين لخدمة السردية الإسرائيلية".

وتضيف: "من خلال هذه الإستراتيجية، ثمة محاولة لإضعاف الهوية العربية واستبدالها بسردية تدعم الأيديولوجيا الإسرائيلية وتبرر العنف ضد العرب، وضد الفلسطينيين بشكل خاص".

الملهية العسكرية وتبرير القتل
توضح عبّاني أن للموسيقى والأغاني بشكل عام دوراً حيوياً في الحروب، وأنها وسيلة فاعلة لنشر الدعاية وتشكيل الوعي الجماعي والرأي العام، والتعبئة العاطفية والنفسية للمجتمعات، وتعزيز الروح المعنوية بين الجنود والمدنيين.

وتبيّن استغلال هذا الدور بشكل إستراتيجي في الحالة الإٍسرائيلية، من أجل تعزيز الإجماع الوطني على تدمير غزة والقتل الممنهج والتطهير العرقي ودعم السياسات العسكرية خلال الحرب على غزة. "يتم تصوير الصراع كصراع وجودي وملح، وذلك بتقديم الحرب على الفلسطينيين ضمن التهديد الأبدي والتاريخي الذي يتعرض له اليهود باستمرار. وعليه، يستوجب هذا الصراع الرد العسكري العنيف"، تقول عبّاني.

وتردف: "وفي هذا الرد تشكيل واضح لصورة الفلسطينيين العدائية، وتنميطهم كأعداء وتجريدهم من إنسانيتهم بشكل منهجي ووصفهم بالجرذان أو حيوانات بشرية أو إرهابيين أو أبناء عماليق".

إن هذه الصورة التي تُرسم في أذهان الإسرائيليين، بحسب عبّاني، تبرر العنف وتزيل أي حواجز أخلاقية قد تحول دون تأييد أعمال القتل.

ولكونها تحظى بشعبية واسعة بين الإسرائيليين وبهذا الرواج، فتعد الأغاني جزءاً من "الملهية العسكرية" التي تجمع بين الترفيه والأيديولوجيا العسكرية.

"إذ تحتفل الأغاني بالجنود والإنجازات العسكرية، وتروج للعدوان وتشجع له كوسيلة لتحقيق الأمن والاستقرار. ثمة ما يهزأ أيضاً بمعاناة الفلسطينيين وآلامهم، وهو ما عزز القومية المتطرفة التي ترى العنف كوسيلة مشروعة لحل الصراعات"، تضيف عبّاني.

كما تتطرق إلى استخدام أغنية أطفال إسرائيلية بعنوان "ميني مامتيرا"، في فيديو يُظهر جنوداً إسرائيليين في الأيام الأولى للحرب، يُسمعون الأغنية لأسرى فلسطينيين لساعات طويلة متواصلة.

تعلق عبّاني: "يُظهر الاستماع المستمر لهذه الأغنية وأعمال الإذلال الأخرى كتكرار عبارة "تحيا إسرائيل" أو حمل العلم الإسرائيلي، كيف يتم تجريد الأسرى من إنسانيتهم. إذ وصفت الوسائل الإعلامية الإسرائيلية استخدام الأغنية بأنه "سلاح إسرائيل السري".

وحول أسباب التوجه لمثل هذه الأساليب، يقول لرصيف22 أستاذ علم الاجتماع د. محمد فرحات: "في لحظات الهيجان الجماعي عند المجتمعات، تعود هذه إلى غرائز أولية بالغة السلبية والعدوانية. ويحصل نوع من الانسياق الذي يجرف في طريقه كل شيء، فيحصل انفلات غرائزي يعبر عن نفسه بصيغ عدة في ممارسات وتعبيرات ومواقف وأصوات وأغاني".

ويتابع: "وهذا ما يحدث في دولة الاحتلال على نطاق واسع. علما أن لهذا الهيجان ضحايا حقيقيين ومعنويين من الجماعات الأخرى التي يوجه ضدها".

استغلال الأطفال وعسكرتهم
وحول استغلال الأطفال للظهور في هذه الأغاني التحريضية، تعقب عبّاني قائلةً: "إن استخدام الأطفال يكسب هذه الأغاني قوة عاطفية أكبر وتأثيراً أعمق على المجتمع الإسرائيلي، غير أن استغلالهم فيها يُعد إستراتيجية مقصودة لتعزيز السردية الوطنية منذ الصغر، سردية تعمل على تنشئة جيل جديد يحمل نفس الأفكار والمعتقدات المتطرفة".

من جانبه، يعتبر عايد أبو قطيش، مدير برنامج المساءلة في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، أن هذه العسكرة تجلت سابقاً من خلال استخدام الأطفال في الأغاني وتصويرهم وهم يرسمون ويكتبون أسماءهم فوق الصواريخ التي تُطلق نحو قطاع غزة. و"هذا انتهاك من قبل الاحتلال الاسرائيلي بحق الأطفال الإسرائيليين"، يقول لرصيف22.

يرى د. علي الشعار، عضو اللجنة التنفيذية للهيئة الدولية للطفولة ومدير المعهد الفلسطيني للطفولة في جامعة النجاح، أنه يتم غرس ثقافة الاحتلال، التي تنزع عن الفلسطيني آدميته، عند الأطفال، كي تترسخ لديهم القناعة عند الكبر بأن قتل الفلسطيني أمر عادي بما أنه ليس إنساناً. وأن التشريعات الدينية والعقائدية تبرر ذلك كون الشعب الإسرائيلي هو شعب الله المختار.

ويقول الشعار : "القانون الدولي يجرم استخدام الأطفال أثناء الحرب. ليس إن استُخدموا كجنود أو محاربين في النزاعات المسلحة وحسب وإنما أيضاً في حالة استخدامهم كمحرّضين".

ويضيف: "نرى ذلك من خلال التباهي بتصوير الأطفال وهم يقومون بكتابة أسمائهم فوق الصواريخ التي تُطلق نحو قطاع غزة، أو من خلال إشراكهم بالأغاني التي تبث العنف وتبارك التدمير".

ويرى الشعار أن "استخدام الأطفال الإسرائيليين في الأغاني ليس هو ما يفضح ويعري وحشية وجرائم الاحتلال، وإنما مشاهدة عشرات آلاف الأطفال الذين يقتلون ويُشوّهون ويشردون في غزة. وبالتالي، فإن هذا البعد الإنساني الذي فشلت فيه إسرائيل والبشرية جمعاء هو الذي يجب استخدامه من أجل فضحهم وإعلاء كلمة وصورة الطفل الفلسطيني".

ضوء أخضر من المنصات الرقمية
لا يمكن إغفال المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر هذه الأغاني ولا تفرض أي رقابة عليها.

فقد أشار مركز صدى الاجتماعي، المتخصص في رصد الانتهاكات الرقمية ضد المحتوى الفلسطيني، في منشور له، إلى مسألة ازدواجية المعايير في التطبيقات الصوتية، جاء فيه: "أن منصات مثل "سبوتيفاي" و"ساوند كلاود" و"يوتيوب" سمحت بانتشار أغنية إسرائيلية تدعو إلى حرق غزة وقتل الفلسطينيين والمتضامنين معهم، بشكل واضح وصريح، دون أن تتخذ أي إجراءات لحذفها، في وقت حذفت فيه مقاطع صوتية فلسطينية ومرئيات وبودكاست ومواد إعلامية أصيلة أنتجتها مؤسسات الأخبار الفلسطينية، ودون أي إنذار مسبق".

ودعا المركز الذي عبّر عن تخوفه من أثر استهداف السردية الرقمية الفلسطينية، على الأرشيف الصوتي الفلسطيني الى جانب الصوت والصورة إلى حذف المحتوى المسيء والذي قالت إنه يتجاوز جميع قيم المجتمع على مختلف المنصات الرقمية، وأهمية العدالة في التعامل.

وبحسب مركز صدى، فإن 55% مما رصده المركز من المحتوى التحريضي خلال الأشهر الأربعة الأولى من الحرب، نُشر عبر منصة تيك توك، وأن المنصة رفضت طلباً تقدم به المركز لحذف الأغنية العبرية التحريضة "Harbu darbu"، سامحة بتدفقٍ كبير للمقاطع الإسرائيلية التحريضية، من بينها مقاطع كثيرة لجنود إسرائيليين يحملون السلاح ويرقصون في غزة، من دون اتخاذ أي إجراءات لمنع انتشارها.

المصدر:"رصيف22"