وادي "الدَّرَجَـــة السفلـــي" رحلـــة أسطوريــة في التجاويــف المائيـــة

29/08/2023

وطن للأنباء- خالـد أبـو علـي

"مناظر خلابة، مشاهد رائعة، وديان سحيقة، صخور عملاقة، تأسرك فيها متعة التحدي وخطورة المغامرة؛ فما تلبث أن تشعر بأن حياة الطبيعة تتغلغل فيك. نعم يا أصدقاء، فهذا المكان هو حقًا مفردة من مفردات الجمال؛ وإن كنتم من عشاق المغامرات الأسطورية؛ عليكم؛ وبلا تردد؛ الانضمام لرحلة لا تُنسى في وادي الدَّرَجَـــة السفلـــي".. ما سبق كان وصفًا مختصرًا على لسان عامر القواسمي، أحد المشاركين في تلك التجربة المثيرة.

من قرية عرب الرشايدة، التي تقع في الجنوب الشرقي لمدينة بيت لحم، مهد السيد المسيح -عليه السلام- في فلسطين، وعلى ارتفاع 512 مترًا فوق سطح البحر، انطلق فريقنا المغامر شرقًا بــ"جيب رباعي الدفع" لمسافة 14 كيلو مترًا في طريق صحراوية، عبر برية بيت لحم، وفي وادي "حصاصة"، لخوض مغامرة هي الأصعب والأخطر والأكثر متعة، لما تحويه من صعود وهبوط في أودية وصخور صعبة، وسباحة داخل المياه، وهبوطٍ بالحبال، وتتطلب غالبًا مهارة ولياقة بدنية عالية.

وادي الدَّرَجَـــة ومغارة المربعات
بعد نحو ساعة من السير بــ "الجيب" في طريق ترابية صعبة مليئة بالحجارة، وصلنا إلى منطقة يصعب الاستمرار فيها إلا سيرًا على الأقدام، فترجلّنا وسار الفريق مسافة 2 كيلومتر في طريق شديدة الصعوبة بين صخور وادي الدَّرَجَـــة العلوي، انتهت بنا إلى منطقة معزولة ووعرة جدًا، تقع فيها مغارة "المربعات" الشهيرة بأسرارها وحكاياتها مع مخطوطات قديمة، كُتبت على جلود الحيوانات البرية.
وتقع المغارة التي شاهدناها في ملتقى رافدي وادي الدَّرَجَـــة العلوي، حيث وادي زعترة الذي يصبّ ويغذي الرافد الشمالي من وادي الدَّرَجَـــة العلوي ووادي تقوع، الذي يمتد شرقًا حتى يلتقي بالرافد الجنوبي لوادي الدَّرَجَـــة العلوي، كما وصفه المرشد والقائد عماد حميد.

بين سفوح الجبال الشاهقة سنجد وادي الدَّرَجَـــة، في موقع جغرافي بيئي فريد من نوعه، وخاصة لمن له نَهَــمٌ في علوم الأرض والتضاريس، التي تجعل المرتاد يقرأ العلامات الجيولوجية بكل يسر.

والدَّرَجَـــة عبارة عن وادٍ صخري عميق ومتعرجً في بعض الأماكن تشكّل عبر ملايين السنين، بسبب جريان المياه الهادرة من شلالات المياه المندفعة في فصل الشتاء، والتي نحتت الصخور إلى أشكال مذهلة، لتحفر طريقًا متعرجًا داخل الوادي، وعرض يتفاوت من مترين إلى ثلاثة أمتار في بعض المقاطع، تحيطه الجبال من جميع الاتجاهات.

عملية التجوية والتآكل في الوادي
استكمل الفريق المغامر رحلته الممتعة وهو يسير بين الصخور المذهلة ذات التشكيلات والأحجام والألوان المختلفة، وكأنها لوحة فنية رائعة ممتلئة بمزيج من الصخور الملونة التي تشبه الأحجار الكريمة، محيطة بالوادي من كل اتجاه، أشبه بسور كبير مرسوم وكأنه عمل فني مبهر.

شاهد الفريق آثار عملية "التجوية والتآكل"، حيث الصخور الضخمة التي تبلغ زنة بعضها أطنانًا، سقطت من المنحدرات العالية مستقرةً في الوادي السحيق، فيما أدى تحطّم هذه الصخور الرخوة عند ضرب الأرض أو فرك بعضها البعض إلى تدحرجها وانزلاقها، لتتقسم إلى أجزاء أصغر جراء عملية التكسير الصخري.

كما ساعدت مياه الفيضانات على هذه الانهيارات الصخرية التي حملت معها الصخور والأتربة وحركتها بعيدًا على طول الوادي، لتشكّل عبر ملايين السنين البِرك والتجاويف الصخرية.

السيق الفلسطيني الوردي
سار الفريق في الوادي السحيق بين الأماكن الطبيعية التي حباها الله بجمال منقطع النظير، وفي جو مفعم بالإثارة والمتعة، ومع كل انحدار وسط الصخور الجرداء الوردية والحمراء والبيضاء، كانت أنفاسنا تتلاحق ودقات قلوبنا تخفق بقوة، للبدء في مغامرة تسلق الصخور، والهبوط عبر الحبال نحو البرك المائية العميقة.

ذُهل الفريق وهو يسير عبر ممر صخري ضيق، أطلق عليه عماد حميد ابن بلدة تقوع اسم "السيق الفلسطيني الوردي".
وضمّ الممر مجموعة من الصخور العظيمة التي تحيط بالوادي من كل اتجاه، تمر في مضيق متعرج، وهي مؤلفة من صخور سينومية – باليوسينية، يغلب عليها الحِوَر والصوان والكلس، وهي الصخور السائدة في المنطقة وتليها صخور سينومانية – تورونية مؤلّفة من الحجر الكلسي و"الدولوميت"، حيث تظهر في بعض المقاطع، وتراوح عرض الممر في بعض الأماكن بين متر وبضعة أمتار، فيما ترتفع الصخور الملونة على جانبي السيق لتصل حتى 200 متر.

وادي الدَّرَجَـــة السفلي
الفريق المغامر تكوّن من د. محمد فرارجة، وخالد جاد الله، وإبراهيم سليمان، وعامر القواسمي، وخالد أبو علي، بقيادة المرشد والدليل البيئي عماد حميد.

سار الفريق في وادي الدَّرَجَـــة الذي يعد إحدى الوجهات السياحية المتميزة في "برّية بيت لحم" التي نالت عدة مواقع سياحية متميزة فيها شهرة واسعة، وتنوعت بين السياحة الترفيهية والأثرية والتاريخية، فضلًا عن جمال الطبيعة المبهر فيها.
ويعد "الدَّرَجَـــة السفلي" واحد من الأماكن السياحية النادرة للتجوالات البيئية التي لم يتدخل فيها صنع الإنسان، فأخذت الصخور شكلًا مدهشًا، وتتنوع أنواع الترفيه داخل هذا الوادي بين السباحة في تجاويفه الصخرية التي حفرتها المياه عبر آلاف السنين، والنزول عبر الحبال، وتسلق الجبال الشمّاء في بعض المقاطع، والاستمتاع بالتقاط الصور التذكارية، ومشاهدة الطبيعة الأخاذة.

البِرك الخمسون في الوادي
واصل الفريق رحلته داخل الوادي، بالسير في انحدار شديد، بمسافة ستة كيلومترات، داخل ممرات مائية وتجاويف صخرية عبارة عن برِك مليئة بالمياه، قُدّر عددها بــ 50 بِركة، تختلف أعماقها من متر إلى ثلاثة أمتار، تشكلّت بسبب شلالات الوادي التي تنساب من أعلى، وتصب في شاطئ البحر الميت، ونتيجة لعوامل النحت الناتجة من السيول الغزيرة تكوّنت هذه البرك التي تتوزع على طول الوادي.

مياهها الباردة جدًا هي أهم ما يميزها، وذلك حتى في وقت الصيف نتيجة ارتفاعها ومَيلان الشمس عنها، فبعض البِرك أشبه بالكهف، ويعد هذا المكان نظيفًا بسبب قلة الزائرين، وصعوبة الوصول من غير دليلٍ يقودك إليه أو حتى خريطة، مع أن هنالك أرقامًا مثبّتة على لوحات معدنية صغيرة، تبدأ من رقم 30 وتنتهي برقم واحد، وبعض العلامات واللوحات الإرشادية.

وما ساعد الفريق على السير في الوادي هو وجود المقابض الحديدية المثبتة على الصخور في بعض المقاطع، التي سهلّت عملية الإنزال والمشي، وبخاصة في الأماكن التي يمر بها الوادي عند المنحدرات العميقة.

وقال لنا المرشد والدليل البيئي عماد حميد "تبقى المياه الراكدة في هذه البِرك طوال العام، وفي الغالب لا تصل إليها أشعة الشمس، وتصلح للسباحة حتى فترة تُقدّر بشهرين من آخر جريان لمياه الأمطار عبر الوادي".
وأشار حميد إلى أن المغامر لا يستطيع الانتقال من منطقة إلى أخرى دون الدخول عبر جميع هذه البِرك والسباحة فيها، ويحتاج نصفها إلى استخدام الحبال للنزول فيها وتجاوزها.

علمًا أن نظام الأمطار متوسطي في وادي الدَّرَجَـــة، فهو يقتصر على فصل الشتاء والفصلين الانتقاليين، وعادة ما تهطل الأمطار غزيرة عاصفية في فترات قصيرة، ما يؤدي إلى تشكل السيول والفيضانات المؤقتة في بطن الوادي وروافده، فتسيل هادرة سريعة إلى البحر الميت لشدة انحدار المجرى الطولي، وتعمل على زيادة حفر الوادي وتعميقه رأسيًا لتظهر بِرك جديدة فيما تختفي أخرى بين الطمي والحجارة.

الحياة البرية في الوادي
للوهلة الأولى قد يبدو وادي الدَّرَجَـــة قاحلاً ومشابهًا في المظهر لمعظم الوديان الصحراوية الموجودة في فلسطين، ولكنه في الواقع موطن للحياة البرية لا سيما الثعالب الحمراء، والضبع المخطّط.

شاهدنا بين الصخور، الوبر الصخري، والوعل النوبيّ أو البُدن أو وعل الجبل (Nubian ibex (Capra nubiana.
وقادتنا آثار الحيوانات إلى مشاهدة الذئب العربي في موقعين مختلفين في منطقة "عين جدي"، قرب مطلات البحر الميت، والاسم العلمي له Canis lupus arabs وهو أصغر سلالات الذئب الرمادي، التي تتواجد اليوم في بضعة جيوب معزولة في فلسطين، ويعود السبب وراء تناقص أعداد هذه الذئاب إلى حد كبير وملحوظٍ في الآونة الأخيرة، إلى الصيد الجائر والملاحقة بالسيارات والقتل العمد لها، وتُعرف هذه الحيوانات محليّا في الدول التي تقطنها باسم الذيب أو الديب (جمعها ذياب أو دياب).
كما شاهد الفريق أنواعًا كثيرة من الطيور المحلية منها "السوادية" أو زرزور البحر الميت، الذي يتميز باللون البرتقالي على جناحيه عند الطيران، ويبني أعشاشه بين تجاويف الصخور، والأبلق الحزين، والغراب الأبقع، وأبلق أسود الذيل، إضافة إلى بعض الطيور الجارحة التي كانت تحلّق في سماء الوادي مثل العويسق.

وأيضًا، تتنوع داخل الوادي النباتات المختلفة ومنها الملوّح والكبار واللوف، وبعض النباتات المزهرة وأشجار الرتم، فيما شاهدنا شجرة سدر وحيدة في بداية المسار مليئة بثمار النبق الناضجة.

مَطلّات البحــر الميــت
بمجرد وصول الفريق الى نهاية المسار الذي استمر نحو تسع ساعات، وبطول 36 كيلومتراً ذهابًا وإيابًا بركوب "الجِيب" والسير في الوادي، شعرنا وكأننا قد نُقِلنا من قلب الطبيعة الى عالم آخر، حيث الإطلالات الجميلة على البحر الميت، والهواء المنعش والمناظر الخلابة، وسواء كنت رياضيًا تريد المشي أم التسلق أم أنك ببساطة تحب الطبيعة وتريد الاستمتاع بيومك بعيدًا عن المدينة وصخبها، فعليك بمُطِلّات البحر الميت، حتمًا هي المكان الأمثل لك.
وتعد المُطلّات وجهة معروفة للفلسطينيين الراغبين في الابتعاد عن صخب الحياة اليومية، والباحثين عن الاسترخاء في أحضان الطبيعة.

كما أنها وجهة مميزة لمراقبي الطيور ومشاهدة الوعل النوبي عن قرب وبأعداد كبيرة، وقد أضحت المطلات مشهورة للغاية عند عشاق ركوب الدراجات وسيارات الدفع الرباعي، لقضاء يوم أو يومين على الأقل في التجول في المنطقة.
ويمكن تنظيم رحلات آمنة وبسيطة نسبيًا لأولئك الذين يفضلون الاستكشاف سيرًا على الأقدام، وتُوفر معظم المسارات ذائعة الصيت إطلالات على شواطئ البحر الميت، وفي الأيام الصافية خصوصًا، يمكن للزوار رؤية حمامات ماعين، والمنتجعات المقامة على الأراضي الأردنية، في الجانب الآخر من البحر الميت.

ملاحظة: 
مسار وادي الدَّرَجَـــة السفلي من أخطر وأصعب وأجمل المسارات التي شاركت فيها، لذا أنصح كل محبي السياحة البيئية والتجوال وهواة المغامرات بعدم السير فيه دون دليل أو مرشد سياحي يعرف المكان جيدًا، ولديه التجربة والخبرة الكافية للتعامل مع مختلف الظروف الطارئة، ويمتلك معدات وأدوات سلامة وأمان وبخاصة الحبال التي تساعد على التسلق والإنزال، وكذلك الأحذية المخصصة للمناطق الجبلية، ففي الوادي صخور ملساء وضيقة جدًا قد لا تزيد على موضع قدم، فضلًا عن المقدرة على السباحة، واللياقة البدنية العالية، واعلموا أن في هذا الوادي لا مجال للكسل والتراخي، كونه يتطلب صبرًا وقوة تحمل، وإرادة لا تلين.

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية