التعليم التحرري.. التعليم الذي نريد

31/03/2023

كتبت: سامية عمر الديك

يعد التعليم القوة الدافعة لنهضة المجتمع، وتحقيق تقدمه وأساسا لبقائه وتميزه، ومطلب من مطالب التنمية ، فهو السمة المميزة للمجتمعات الانسانية المتقدمة، التي تتحدد قوتها بجودة مخرجاتها، وما تقوم به من استثمار امثل لمواردها البشرية لمجابهة التحديات وحل المشكلات، وهو من أهم سياستها القومية باعتباره أداة للتغيير والتطوير يساعد على القضاء على الفقر والجوع و يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وعليه فقد أولت المجتمعات النامية اهتماما بالتعليم للالتحاق بركب التقدم والتطور، ولكن بات التساؤل أي نوع من التعليم نحتاج إليه، وما دور المعلم فيه باعتباره العامل المحدد لنوعية التعليم.

التعليم الجيد والمنصف والشامل حق من حقوق الانسان وفق المواثيق والمعاهدات الدولية، إلا أنه يعاني من مظاهر متعددة من الانتهاكات كالاحتلال والنزاعات والحروب وشح الموارد المادية ونقص بالموارد البشرية المؤهلة، والتداعيات والاجراءات السياسية والسلطوية في النظم التربوية، مما يدعو الى اذكاء الوعي بشأن القهر والظلم والمحنة التي يمر بها أفراد تلك البلدان، وحاجتهم لتعليم يستثير طاقاتهم، ويعترف بقدراتهم لإحداث التغيير، ويدحض الأساليب التعليمية التي تربي على القهر والخنوع وتعمل على وأد مهارات التفكير النقدي للواقع والمجتمع.

ولعل التعليم التحرري الذي نادى به البرازيلي باولو فريري "وسيلة للثورة على الظلم، وطريقاً للحرية، لتمكين المقهورين من مقدراتهم وطاقة للتحرر لا أداة للقهر ومنهجه «الحوار» الذي يتبادل فيه المعلم والمتعلم أدوارهما، فيتعلم كل منهما من الآخر، ويصبح موضوع الحوار الذي يدور في الغالب حول أوضاع المتعلمين المقهورين الحياتية هو المدخل إلى تعليمهم القراءة والكتابة". تعليما حقا نريده في مدارسنا لكونه يحترم انسانية المتعلم ويقدر تجربته الحياتية وخبرته المتنوعة، تعليما تشاركيا لا يجعل المتعلم متلق سلبي، ولا يخرِّج قوالب مكررة من المتعلمين منسوخة عن بعضها تسهم في تكريس الوضع القائم وتعزيزه مهما كان جائرا، تعليما لا يجمل

الواقع ولا يخفي عيوبه ، ولا ينظر للمتعلمين ككائنات تستحق المساعدة ، تعليما لا يقبل بالتكيف مع الواقع والتسليم به كقدر.

لانريد تعليما كما اسماه باولو تعليما بنكيا أساسه اعتبار المتعلمين المقهورين في المدارس كما لو أنهم حسابات بنكية عقولهم أوعية فارغة يتم إيداع المعرفة في أذهانهم كهبات يمنحها لهم معلميهم باعتبارهم ضلعين بالمعرفة والعلم المطلق وهم جهلة لا يعرفون شيئا وما عليهم الا الحفظ والاستذكار، نريد تعليما حواريا يتالف من عملية "اطلاع ومعرفة"، وليس من عملية نقل وتحويل للمعلومات باعتبار أن المعرفة عملية بحث وتقصٍ وتفكير وليست تلقيناً، نريد تعليما أساسه التجربة العملية يرفض الاسطورة ويكشف الواقع على حقيقته ويشجع على البحث والاستقصاء والحوار والوعي بالذات، تعليما يجتهد المتعلم فيه لمعرفة ذاته ومحيطه وعالمه، تعليماً لا يتوقف عند أحد ويحث على التفكير النقدي والحر والمبدع ويكتشف المواهب ويتيح العنان للخيال وينمي الابداع ويقنع بالقدرة على احداث التغيير، وينمي روح الاستقلالية ويحترم ما لدى المتعلمين من معرفة ويحترم فضولهم في تعبيراتهم الجمالية واللغوية. والتعليم التحرري ليس فرديّاً فحسب، بل يتطلّب قوة الجماعة في إشاعته ، تلك الرؤية الناقدة التي لا بدّ أن تتخلل مؤسسات المجتمع كافةً وفق ما أكده باولو.

هذا المفكر التربوي المعاصر الذي خرج بفكر نقدي أصيل تفاعل مع ظروف قاسية (سياسية واجتماعية وثقافية ) ساهم بالارتقاء ببلاده وتخليصها من براثين الاستغلال والفقر والتبعية والأمية وقام بتغيير الواقع الاجتماعي وتغيير أوضاع الفقراء والمستضعفين من خلال التعليم الذي جعله أداة للتحرّر من القهر ومواجهة السّلطة وصور الاستغلال ونيل الحريّة.

نريد تعليما يكون دور المعلم فيه مكملا لدور الأباء في الأسرة و ميسَّر للمادة التعليمية. معلم يمتلك زمام التغيير ويناضل للحد من قهر وصهر متعلميه في أنظمة تربوية سلطوية هدفها الرئيس الانصياع التام لها والخنوع لفكرها وسياستها والنهج بنهجها والسير وفق اقوالها وأفعالها والعمل بمقتضاها، من خلال تبني أسلوب طرح المشكلات والعصف الذهني، والتحول من الأسلوب البنكي المودع للمعرفة للأسلوب الحواري، وتطويع للمناهج والتنوع في مستويات طرح الاسئلة واساليب التقييم والتقويم ، وتقييم ذاته وتأمل ممارساته وفق النتاجات المرجوة .

والتواضع والا يكون هنا السؤال: كيف له الدخول بحوار مع الاخرين وهو يعتبر نفسه شيئا مختلفا عنهم؟؟؟

والثقة بمتعلميه والتعامل معهم بعدالة لتوليد التفكير المبدع لديهم واثارته ضمن سؤال لماذا؟؟ وشحذ هممهم واطلاق العنان لفكرهم لتحقيق انسنة الانسان من خلال الوعي والنظرة الناقدة اللذين هما مفتاح التعليم الصحيح وفهم الكون وتغييره. ومنحهم حرية ابداء الرأي واحترام اراء الاخرين.

والايمان بكلمات المتعلمين الصادقة ، تلك الكلمة الحقيقية ذات الرؤية والفعل، القابلة للتنفيذ في واقع الحياة، والقادرة على تغيير العالَم وفق ما أشار لها باولو.

وممارسة ما يقول بالعمل، واقتران ما يقوم به بالتأمل . وتجنب الاصرار على اسماع كلمته وحده والتي تجرد الطلبة فرصتهم من قول كلمتهم، فالكلمة اساس الحوار، والحوار وحده القادر على تقدير قيمة الافراد وهو نقيضا للسيطرة والنزعة السادية التي يمارسها القاهرون، وآن الأوان لإلغاء السياسات والتشريعات التي تكبل وتقيد أداء المعلم فلتتاح له الحرية في التعليم وفق الخطوط العريضة للمنهاج واحتياجات المتعلمين وقدراتهم في جو من الالفة والمودة ليعد قادة المستقبل قادة التغيير والتحرر.

...........................

سامية عمر الديك: دكتوراة القيادة والادارة التربوية- جامعة القدس