الجغرافي كمال عبد الفتاح: جبل من جنين يوازي كرمل حيفا

27/01/2023

كتب بسام الكعبي: خسارة كبيرة وحزن شديد. غيّب الموت صباح اليوم الجمعة 27 كانون ثاني 2023 شيخ الجغرافيين في فلسطين العلامة الدكتور كمال عبد الفتاح؛ أحد الأعمدة العربية العملاقة في علوم الجغرافيا والتاريخ. نص (بروفايل) نشر أواسط آذار 2021 عقب مقابلة طويلة أجريتها معه بمنزله في مدينة جنين الشموخ أواسط 2020.


دعا الدكتور كمال عبد الفتاح مطلع تموز 1987 نجله البكر الشاب قيس لمرافقته في رحلة من جنين إلى بلدة حطين غربي بحيرة طبرية؛ للمشاركة في الاحتفاء بمرور 800 سنة على معركة تاريخية شهدها سهل حطين بين قوات صلاح الدين الأيوبي وقوات الفرنسي دي لوزينيان ملك القدس.

سجل يوم السبت 4 تموز 1187 تفاصيل ووقائع معركة فاصلة بين الدولة الأيوبية ومملكة القدس في نطاق مواجهة الحملة الثانية من الحروب الصليبية (1096-1291) التي تواصلتْ نحو 200 سنة واستهدفتْ المسلمين، المغول، السلاف، الأرثوذكسية اليونانية، الوثنيين والمعارضة السياسية لبابا روما.

اجتازتْ قوات الناصر صلاح الدين الأيوبي مطلع تموز 1187 نهر الأردن، وتمركزتْ في الجانب الجنوبي الغربي لبحيرة طبرية بين قرى حطين، نمرين، لوبيا، الشجرة وكفرسبت، ودارتْ معركة شرسة بالرماح والسيوف والسهام، انتهتْ بانتصار قوات صلاح الدين، والسيطرة على موقع قائد الفرنجة ريموند على تل مرتفع يعرف باسم (قرن حطين). واصلت قوات الناصر صلاح الدين تحرير معظم مدن الساحل بيروت، صيدا، عكا، قيسارية، يافا وعسقلان باستثناء طرابلس وصور، ومهد الانتصار في المعركة التاريخية حصار بيت المقدس، وتمكن الأيوبي من فتحها مطلع تشرين أول 1187 بعد 88 سنة على احتلالها العام (1099). وقع ملك القدس لوزينيان في الأسّر، ووضع صلاح الدين شرطاً لإطلاق سراحه بالعودة إلى فرنسا، لكنه استقر في قبرص وأسس فيها حكماً لعائلته، فيما نادى بابا روما لتجهيز الجيوش من أجل حملة صليبية ثالثة انطلقت نحو سواحل بلاد الشام سنة 1189.

في سهل حطين، وقف الدكتور كمال عبد الفتاح على صخرة مشرفة مرتدياً كوفيته الفلسطينية البيضاء، وعرض على نجله قيس (1970) تفاصيل المعركة التاريخية التي دارت قبل 800 سنة بالضبط في سهل واسع يقع تحت تلة مشرفة أقيمت عليها بلدة حطين، قبل أن يدمرها الاحتلال الإسرائيلي أواسط تموز 1948 ويحول سكانها إلى لاجئين في الوطن والشتات.

من فوق الصخرة المشرفة، تجادل المعلم كمال مع سائح إيطالي وصل من بلاد هجرته في استراليا لمعاينة مقتل أحد أسلافه في المعركة، فيما انتهز مراسل صحيفة (كول هعير) العبرية فرصة المواجهة والتقط صورة لأبي قيس، وسجل جانباً من نقاشه حول وقائع المعركة وتناحر الروايات التاريخية، ونشر قصته الصحفية على غلاف الجريدة العبرية (صوت المدينة)، في حين انتظر الأستاذ كمال طويلا وصول حافلة من طلاب جامعة بيرزيت لإسناده، كما اتفق ورتب الأمر مع محاضر متخصص في التاريخ السياسي؛ لكن الظروف عاندتْ طلبة التاريخ وأستاذهم، وغاب عن المشهد التاريخي كل أبناء فلسطين باستثناء كمال ونجله، بينما حضر المئات من الشباب الغربيين؛ لاستعادة تاريخ هزائم أسلافهم ودحر الغزاة عن وطن لا ينكسر، لا يرفع راية بيضاء، وسيظل عصياً على الاستيطان والعنصرية والانكسار.

أين نشأ الدكتور كمال عبد الفتاح؟ مدى أثر والده المعلم في مسيرته الشخصية؟ أين تَعلّمَ وعَلّمَ وسافر وتَنقّل وحاضَر وكَتب؟ كيف ربط الأستاذ البارع تاريخ فلسطين بالجغرافية؟ هل تمكن من الوصول إلى كل موقع في فلسطين من البحر غرباً إلى النهر شرقاً ومن الناقورة شمالا إلى أم الرشراش جنوباً؟

رأى كمال النور في مسقط رأسه (أم الفحم) فجر 9 شباط 1943، وحمل اسم حامولة (جبارين) التي استقرتْ في أم الفحم منذ حقبة طويلة، وتقاسمتْ النفوذ مع حمائل (محاميد) (محاجنة) (اغبارية) باعتبارها المكوّن الأساسي للبلدة التي كانت أكبر قرى جنين خلال الاحتلال البريطاني. استقر جده عبد الفتاح، مختار حامولة الجبارين، في طيبة أم الفحم على السفوح الشرقية لجبل إسكندر، ولم تزل ذاكرة كمال تحتفظ بتضاريس البلدة القديمة، المغاور البيزنطية، عيون الماء، مجرى المياه بين الحجارة والصخور وبرك مياه يغطس بها مع الصغار للسباحة.

تزوج والده جبر مطلع الأربعينات عقب تخرجه من الكلية العربية في القدس، وتم تعيينه معلماً للجغرافية في مدارس فلسطين، وعندما وقعتْ النكبة الكبرى أواسط أيار 1948 كان والده أستاذاً في مدرسة سيلة الحارثية قرب جنين. لجأ كمال مع والدته وشقيقتيه الصغيرتين سناء وسوسن للإقامة مع والدهم في سيلة الحارثية؛ قبل بدء تنفيذ اتفاق (رودس) مطلع شباط 1949 بين الأردن والكيان المغتصب، سيطر بموجبه الكيان المحتل على (أم الفحم) وبلدات منطقة المثلث الفلسطيني الشمالي والجنوبي، فيما وقعتْ ثلاثة أرباع فلسطين بقبضة العصابات الصهيونية. ضم الملك عبد الله الأول الضفة الغربية وأخضعها للسيادة الهاشمية عقب مؤتمر أريحا أواخر 1950 فيما أخضع الملك فاروق قطاع غزة للسيادة المصرية!

انتظم كمال سنة 1950 مع طلاب الأول ابتدائي في مدرسة سيلة الحارثية، وشاهد لأول مرة "القطن الأبيض" يسقط بغزارة على منطقة جنين سنة 1951 فيما عرف لاحقاً في الأوساط الشعبية الفلسطينية بالثلجة الكبرى، وقد عانى من تراكمها الطويل اللاجئون في مناطق نابلس ورام الله والقدس وبيت لحم والخليل. أغلقتْ الثلجة الكبرى الطريق أمامه لزيارة والدته المريضة في مستشفى (اوغستا فيكتوريا) أو (المطلع) في القدس، واضطر للانتظار عشرة أيام حتى تمكن من زيارتها برفقة والده، وعلم أن والدته خسرتْ شقيقته الرضيعة التي لم تتجاوز الشهرين، وتم دفنها في القدس بمساعدة أهالي المدينة العريقة، وساندتها في محنتها امرأة من بلدة عرابة جنوب جنين كانت تتلقى العلاج في مستشفى (المطلع).

شارك سنة 1954 في رحلة طلابية بإشراف والده، شاهد فيها عمان، والمدرج الروماني، وفندق فيلادلفيا، وجرش وقلعتها الشهيرة والكرك ومعظم مناطق جنوب الأردن وصولا إلى العقبة، واستمع في الرحلة إلى شرح عن الأغوار، نهر الأردن، جبال الضفة الشرقية، البادية وتاريخ الأنباط، واحتجز طالب في الحادية عشرة من عمره كل المعلومات في ذهن متقد، وقد نقل والده المعلم جبر عبد الفتاح تجربة الرحلات الجغرافية الميدانية من أستاذه درويش المقدادي؛ الذي نظم رحلات جغرافية لطلابه في أرجاء فلسطين سنة 1925.
حصل كمال سنة 1958 على شهادة (المترك) وكانت وزارة التربية الأردنية تشترط على المتقدمين للامتحان انهاء متطلبات احدى عشرة سنة دراسية. تفوق في الامتحان بامتياز، وحجز مقعداً في لائحة العشرة الأوائل على مستوى المملكة، ونال المرتبة الأولى في مادة الكيمياء، وضمن منحة لدراسة الكيمياء في الجامعة الأميركية في بيروت، لكنه تأخر عن موعد مقابلة اللجنة الوزارية في مدرسة (الملكة زين الشرف) في عمان، وعرضتْ عليه اللجنة منحة لدراسة الكيمياء في جامعة أنقرة التركية.

غادر أواسط شتاء 1959 من عمان إلى دمشق وحلب في طريقه إلى أنقرة برفقة الطالبين متري يوسف كبوشي ونصوح سالم المجالي ابن شقيقة رئيس الوزراء الأردني هزاع المجالي، انتظر في محطة قطار (الشرق السريع) وتأخر القطار كثيراً عند مغادرته بغداد بسبب محاولة انقلاب على الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم.
غادر الطلاب الثلاثة القطار في محطة أنقرة، وحجزوا فندقاً، وعلموا أنهم مقابل البرلمان التركي عندما شاهدوا الأعضاء يرشقون بعضهم بالكراسي، وشاهدوا في شارع (كيزي لاي) الرئيسي لافتات حزب الحرية تحمل شعار (عدالة حرية مساواة).

لم يتمكن كمال من التفاهم مع مسؤول قسم الكيمياء باللغة التركية القديمة وبخاصة أن المحاضر لا يجيد اللغة الإنجليزية، واتجه الطلاب الثلاثة بعد أيام إلى السفارة الأردنية في أنقرة، وقابلوا الملحق الثقافي (سالم العطار) ثم قابلوا السفير الذي نصحهم بتعلم اللغة التركية.

قرر الطلاب الثلاثة العودة إلى عمان بعد شهرين من الإقامة في أنقرة، لصعوبة تعلمهم اللغة التركية خلال فترة قصيرة لضمان الالتحاق بكلياتهم. راجعوا الأستاذ محمد نوري شفيق أحد مسؤولي الوزارة في عمان، وقرر نصوح المجالي متابعة دراسته الجامعية في ايران، ومتري كبوشي قرر دراسة الصيدلة في جامعة دمشق وأعتذر عن قبول المنحة لأنه لا يحتاجها، وعاد كمال إلى جنين ليدرس المنهاج المصري في  (النجاح) بمدينة نابلس، تحت اشراف مدير الكلية قدري طوقان، استعداداً لتقديم التوجيهي المصري مطلع صيف 1960.

رافق كمال عبد الفتاح ستة من زملائه أثناء التنقل بين جنين ونابلس طوال أشهر بغرض الدراسة المسائية في كلية النجاح، وتقدم مع 16 طالباً لامتحان الثانوية العامة المصري، وحصل على تقدير جيد في الفرع العلمي. قابل برفقة زملائه المتفوقين وزير التربية الأردني الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وعَرَض عليهم منحة دراسية في جامعة دمشق أو جامعة القاهرة لدراسة تخصصات تحتاجها مدارس المملكة، وحصرها في الشريعة الإسلامية، التاريخ والجغرافية، وأعلن عدم حاجة المدارس الأردنية لتخصص الكيمياء في السنوات المقبلة. اختار كمال دراسة الجغرافية في جامعة دمشق، أحمد شبول دراسة التاريخ، وزميل ثالث من سلفيت اختار الشريعة الإسلامية.

التحق كمال أواخر شتاء 1960 بقسم الجغرافية في كلية آداب جامعة دمشق، وكان رئيس القسم الدكتور عادل عبد السلام خريج جامعة برلين. دَخَلَ القاعة الخاصة في قسم قديم للجغرافية في جامعة دمشق، وتأمل بصمت الخرائط الكثيرة والصور وأجهزة المساحة الصغيرة المتعددة، وانتظم بالتردد على قاعة قسم جغرافية.

سَجَل مادة الجيولوجيا (علم طبقات الأرض) مع الأستاذ يوسف خوري، وكان حريصاً على تدريسهم الجيولوجيا في الميدان؛ إذ كان المعلم يرافق طلابه أسبوعياً إلى مناطق متعددة في سوريا. حاضر الدكتور عمر الحكيم في مادة الجيومورفولوجيا (علم شكل الأرض) وكان يكتب دوماً في نهاية كل فصل دراسي: لم ينجح أحد! لكن كمال تمكن مع خمسة من زملائه الموفدين من كلية النجاح، كسر قاعدة الدكتور عمر الحكيم الذي تخرج من جامعة برلين، وبات محاضراً مرموقاً في جامعة دمشق بمادة (الجيومورفولوجيا) وتعني المفردة اللاتينية في اللغة اليونانية (علم شكل الأرض). حاضر الأستاذ أديب، من الجولان، في جغرافية المواصلات، الأستاذ سليم الموصللي في الايكولوجيا والجغرافية الإقليمية، الأستاذ عبد الكريم رافق، من مدينة صافيتا شمال سوريا، في مادة التاريخ العثماني، وحاضر الأستاذ أحمد طرابينو في المواد العلمية. وقع على شهادات تخرج قسم الجغرافية الأستاذ سعيد الأفغاني عميد كلية الآداب باعتباره ""أفضل أستاذ جغرافية في سوريا، كان علامة رغم أنه خريج خامس ابتدائي".

وصل أواخر كانون ثاني 1963 جامعة دمشق البروفيسور الألماني (هيتوروت) وقد نال شهادة الدكتوراه سنة 1958 عن منطقة شرق الأناضول. التقى الشاب الألماني الدكتور صلاح الدين عمر باشا، وطلب منه ترشيح طالب متفوق يتقن اللغة الإنجليزية لمشاركته في رحلة جغرافية إلى البادية السورية. اتجه مسؤول المرسم محمد ياغي، فلسطيني الجنسية، إلى القاعة وسأل عن كمال عبد الفتاح الذي لم يكن موجوداً في المرسم. علم في اليوم التالي من زملائه أن الدكتور صلاح الدين باشا يسأل عنه، وعند مراجعته تعرف في مكتبه على الدكتور الألماني (هيتوروت) ورغبته بمرافقته في رحلة علمية. أخبر كمال أستاذه الدكتور صلاح الدين أن شهر كانون ثاني في نهاياته، ولم يتسلم بعد مبلغ منحته من السفارة الأردنية، ولا يمتلك ما يغطي مصاريفه الشخصية. أوضح له أستاذه أن الباحث الألماني يتحمل كل المصاريف، ولديه استعداد لدفع مبلغ مالي نظير مرافقته، فاعترض كمال على أخذ أي مال مقابل مرافقته، لكنه وافق على قيام الباحث الألماني بتسديد تكاليف السفر والإقامة.

غاب الباحث الألماني عدة أيام في رحلة إلى بادية الشام قبل أن يلتقي كمال في مدخل قسم الجغرافية، ويرافقه إلى سكنه الطلابي في شقة جيدة في حي البرلمان، من ضواحي دمشق الراقية. تعرف الباحث (هيتوروت) في الشقة على زملاء كمال طلبة جامعة دمشق: فيصل العفيفي، عبد الله مصطفى، عبد الله عارف، وليد مصطفى وعبد العزيز سليمان، وتناول وجبة برفقتهم، وقضى ليلته في شقتهم السكنية الواسعة: قيمة الأجرة الشهرية 300 ليرة سورية كانت توزع بالتساوي على ستة طلاب موفدين بمنحة على ميزانية وزارة التربية الأردنية.

انطلق (هيتوروت) في سيارة مستأجرة برفقة كمال صباح 8 شباط 1963 إلى خان أبو الشامات، 60 كيلو متر شرقي دمشق، على أمل اجتياز الحدود السورية نحو أطراف العراق، ولاحظ الباحث والطالب مئات السيارات في طريقها إلى الشام، وعلما أن انقلاباً عسكرياً بقيادة عبد السلام عارف أطاح بالرئيس العراقي عبد الكريم قاسم. غيّر (هيتوروت) خطته، واتجه إلى مدينة تدمر وتابع نحو الشمال إلى بلدة السخنة، برفقة السوري وقاع إبراهيم وقاع الذي التقياه صدفة ورافقهما من تدمر باتجاه بلدته السخنة، وأصر وقاع على تناولهما وجبة العشاء في بيته، وقضاء الليل بضيافته. أكمل (هيتوروت) برفقة كمال رحلته باتجاه الرقة، دير الزور، الحسكة والقامشلي، وسجل مشاهداته عن جغرافية المنطقة.

أنجز بعض طلبة السنة الرابعة في الجغرافية مشاريع التخرج عن مدنهم: حسين العودات كتب عن درعا، سهام زيتونة وثقت حلب، نديم البيطار تناول اللاذقية، وقرر كمال أن تكون مدينة جنين موضوع تخرجه، وأجرى أبحاثاً ميدانية، وقابل سنة 1964 كامل قعوار مسؤول مصلحة المياه الأردنية، وأرشده إلى المهندس الجيولوجي منيب المصري، أحد موظفي الدائرة قبل أن يغادر إلى السعودية وينجح في عالم التجارة والأعمال، وقد حصل كمال على المعلومات الجيولوجية المتعلقة بمدينة جنين. تفوق كمال في مشروع التخرج الذي قدمه أواسط أيار 1964 باشراف الدكتور أنور النعمان، مستنداً في بحثه على العمل الميداني، وسجلات الدوائر الحكومية وبلدية جنين وتسعة مراجع في جغرافية وتاريخ المنطقة. طبع من مشروع تخرجه (السيمينار) في دمشق 400 نسخة، وابتاعت وزارة التربية 200

نسخة من الكتاب مقابل 40 ديناراً، ووفرتْ نسخة لكل مدرسة اعدادية في المملكة الأردنية.
أصدر كمال (مدينة جنين) ولم يكن يتجاوز الثانية والعشرين، وافتتح الكتاب (109 صفحة من القطع المتوسط) بمقدمة جاء في بعض فقراتها: "لهذه البلدة التي نشأت فيها دين في عنقي كنتُ تواقاً دائماً للوفاء به، وسنحت الفرصة لأفي بعض هذا الدين بأن أقدم هذه الدراسة المتواضعة عن المدينة؛ علها تكون دليلا صادقاً لمن يريد أن يتعرف على وطنه، وبصيص ضوء لمن يريد أن يتعمق في دراساته آملا أن تفي بالغرض المطلوب".
تناول كتاب (مدينة جنين) أربعة فصول: الموقع والحدود ولمحة تاريخية. التضاريس والجيولوجيا والمناخ والمياه والتربة. الزراعة والحرف والمهن والتجارة وأموال المغتربين والمواصلات والنقل. الحياة البشرية والاجتماعية والمساكن والعادات والتقاليد.

تقع جنين في فم الوادي الشمالي المنحدر من قلب جبال نابلس وأيضاً في نقطة تماس الجبل بالسهل: نهاية الطرف الجنوبي الشرقي لخط منحدرات جبال الكرمل تلامس رأس مثلث سهل مرج بن عامر ومساحته نحو 400 كيلومتر مربع، وشكلت تضاريس جنين مخرجاً لتدفق الوديان نحو السهل، ولذلك اشتهرت باسم (عين جانيم) أي عين الجنات لكثرة مياهها وبساتينها.

خضعتْ جنين للرومان ثم البيزنطيين ومرّ بجوارها السيد المسيح عليه السلام في طريقه إلى الناصرة، وحكمها الأمويون والعباسيون، واحتلها الصليبيون وحررها صلاح الدين الأيوبي، وعاشتْ صراعات نفوذ العائلات الاقطاعية أثناء الهيمنة العثمانية، وواجهتْ الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بنوبارت، وتعرضتْ للاحتلال البريطاني، وأطلقتْ شرارة أول ثورة مسلحة بقيادة الشيخ عز الدين القسام، وقاومتْ العدوان الإسرائيلي خلال النكبة، وضُمتْ للمملكة الأردنية عقب مؤتمر أريحا.

تم تعيين كمال سنة 1964 معلماً في وزارة التربية والتعليم الأردنية، وعمل في مدارس نابلس تحت مسؤولية مدير التربية عبد اللطيف عابدين، ثم انتقل إلى مدرسة جنين الثانوية بعد مغادرة أستاذ التاريخ عبد الرحمن غنام إلى جامعة مكة، وتم تعيين والده، جبر حسن عبد الفتاح، رئيساً لقسم الامتحانات في التربية، وقد تسلم (أبو كمال) قبل ذلك إدارة عدة مدارس في يعبد وبلدات جنين، وعيّن توفيق عمرو مديراً للتربية في جنين.

نظم الأستاذ كمال سنة 1965 رحلة جغرافية ميدانية لمجموعة من طلابه (55 طالباً) تجولتْ في أريحا والأغوار ومدن الضفة الشرقية من الشمال حتى العقبة في الجنوب مروراً بالبتراء والمواقع الجغرافية والقلاع التاريخية. ظل كمال معلماً في مدرسة جنين الثانوية حتى قيام "إسرائيل" باحتلال الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وصحراء سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية في عدوان حزيران 1967.

أعلن المعلمون في الضفة الغربية تعليق الدراسة احتجاجاً على الغزو الإسرائيلي، لكن الاتجاه الوطني العام دفع نحو عودة المعلمين والمعلمات إلى التعليم، وإعادة فتح المدارس حفاظاً على مصلحة الطلبة. تم تعيين الأستاذ أكرم العلمي مديراً للتربية في جنين، والمعلم كمال مفتشاً في التربية، وظل في وظيفته من سنة 1968 حتى 1973 عندما أخذ إجازة دراسية لمدة عامين وفق قانون وزارة التربية والتعليم.

غادر سنة 1973 إلى ألمانيا بتشجيع من الدكتور (هيتوروت) وعمل باحثاً في جامعة ايرلنغن (في الوسط الشرقي للجمهورية) حيث يحاضر الأستاذ الألماني، وسَجلَ للدكتوراه، تحت اشراف أستاذه، وفق أنظمة الجامعات الألمانية التي تعفي الطلبة من الماجستير. تعلم اللغة الألمانية في قسم تعليم اللغة للأجانب في مدينة ايرلنغن التي أقامت فيها شركة (سيمنز) مقرها ويعمل فيها 12 ألف مهندس، وكانت تعلم الألمانية مجاناً للمهندسين الأجانب لضمان تسويق انتاجها من الأجهزة الطبية.

أقام كمال مع مهندس كوري في بيت لمواطن ألماني يدعى  (ايبل) متزوج من سيدة مصرية، وحصل على شهادة اللغة الألمانية، وتمكن من التحدث بالألمانية بعد سبعة أشهر من اقامته في ايرلنغن. قضى وقتاً طويلا في مكتبة الجامعة، وقرأ كثيراً من الكتب والمراجع، وحضر العديد من المحاضرات في كليات الجامعة.

أبدى كمال رغبة في كتابة أطروحة الدكتوراه عن المدينة المنورة، لكن أستاذه (هيتوروت) شجعه على كتابة أطروحة الدكتوراه عن جبال عسير في جنوب غرب المملكة العربية السعودية؛ لأنها زاوية مهملة في الجزيرة العربية رغم مساحتها الهائلة التي تضاهي ثمانية أضعاف مساحة فلسطين.

عبر جبال عسير الجغرافي الاغريقي الشهير (سترابو) سنة 24 قبل الميلاد مع حملة القائد العسكري الاغريقي جاليوس التي استهدفت تدمير مملكة سبأ واحتلال مأرب في اليمن. كتب (سترابو) 43 مجلداً جمع فيها كل المعارف الجغرافية في ذلك الوقت وسميت ب (الأطروحة الجغرافية)، واعتمد في بعض مصادره على ثلاثة مجلدات للجغرافي الاغريقي الأول (اراتوستينس) وشرح في مجلده السادس عشر عن جغرافية سوريا، فلسطين والجزيرة العربية، فيما ركز معظم المجلد السابع عشر على جغرافية مصر. اعتبر (سترابو) الأب الروحي للجغرافية الطبيعية؛ لأنه شدد على

ضرورة تقسيم الدول في العالم بناء على الحدود الطبيعية وليس الحدود السياسية.
تجول طالب الدكتوراة كمال ميدانياً أربع مرات في جبال عسير برفقة أستاذه الألماني بين 1974- 1976 وكان يقضي في كل جولة ثلاثة شهور على الأقل. كتب أطروحة من أربعة فصول عن توسع وتراجع عسير، الموقع والتاريخ والجغرافية، أشكال الإسكان وحضاراتها المتعددة، ونال سنة 1978 درجة الدكتوراه على أطروحته القيمة.
خلال اقامته في ألمانيا كتب عشرات الرسائل لزوجته في جنين، وثق فيها كل مراحل دراسته وحياته وسفره وتنقلاته وعمله في مصانع ألمانية؛ وقد وفر من أجرته في المصانع نحو 2500 مارك ألماني، صرفها في أداء طقوس الحج برفقة زوجته؛ وبخاصة أن المال جمعه بجهده العضلي بمعزل عن منحته الأكاديمية.

بدأ الدكتور كمال أواسط أيلول 1978 الدوام كأستاذ للجغرافية في دائرة دراسات الشرق الأوسط في كلية آداب جامعة بيرزيت (الحرم القديم)، ثم أصبح ثاني عميد لكلية الآداب سنة 1980 عقب الدكتور محمد الحلاج تلاه جورج جقمان، ناجي عبد الجبار، أحمد بكر، حنان عشراوي، سعيد زيداني وماهر حشوة وآخرين.
أنشأ دائرة للتاريخ وأخرى للجغرافية بديلا لدائرة دراسات الشرق الأوسط، ووضع مساقاً لجغرافية فلسطين: سلسلة جبال تمتد وسط البلاد وتحجز بين الأغوار وسهولها في الشرق والشريط الساحلي في الغرب، وعندما تنقطع السلسلة الجبلية جنوب الخليل تبدأ صحراء النقب الواسعة التي تبتلع نصف مساحة فلسطين وتنتهي على رأس البحر الأحمر في الجنوب.

انطلق مع طلاب دائرة الشرق الأوسط سنة 1979 في أول رحلة طافت أرجاء فلسطين، بدأتْ من بيرزيت واتجهت شرقاً نحو أريحا مروراً بقرى رام الله الشرقية، وتابعتْ شمالا على امتداد نهر الأردن حتى طبريا وبيسان وحطين، ثم صفد والحدود الشمالية والجليل الأسفل والأعلى وسهل مرج بن عامر والساحل الفلسطيني، وواصلتْ جنوباً باتجاه النقب الفلسطيني وبئر السبع ومدينة عبده الأنباطية حتى ميناء أم الرشراش أعلى نقطة في البحر الأحمر.
رافقتَه ربيع 1985 في احدى الرحلات الجغرافية التاريخية: اتجهتْ الحافلة في ساعات الصباح الأولى من بيرزيت شمال مدينة رام الله باتجاه الشرق نحو قرى بيتين، دير جرير، المزرعة الشرقية، سلواد، رمون، كفرمالك والطيبة وتقع معظم هذه البلدات حول (تل العاصور) الذي يرتفع 1016 متراً عن سطح البحر ويطل على منطقة الأغوار، وتكثر عند أقدامه ينابيع المياه وبخاصة عين سامية المشهورة التي تزود أهالي رام الله بمياه الشرب وقد باتتْ هدفاً للاستيطان! عرض الدكتور كمال شرحاً مكثفاً عن الزراعة الجبلية، البساتين، الصخور، الوديان، واتجاه حركة المجرى نحو الأغوار المنخفضة، الينابيع، الاستيطان وسيطرة قوات الاحتلال على قمة تل العاصور رابع أعلى جبل في فلسطين. تهبط الحافلة في غضون عشر دقائق من بلدة الطيبة التي ترتفع 860 متراً عن سطح البحر إلى مدينة أريحا التي تنخفض نحو 260 متراً عن سطح البحر، وتقع أقدم مدينة تاريخية شمال البحر الميت وقد سكنتها البشرية منذ عشرة آلاف سنة، وتعرضتْ لموجات من الاعتداءات عبر تاريخها الطويل.

تابعتْ الرحلة مسارها نحو الشمال على الطرف الغربي لنهر الأردن حتى بحيرة طبريا ومدينة بيسان المدمرة وسهل بيسان مروراً إلى منطقة الجليل وجبل طابور وحتى الحدود الشمالية مع لبنان، ثم نزولا إلى السهل الساحلي وصحراء النقب وبئر السبع وحتى ميناء أم الرشراش.

وقف جنوب بحيرة طبرية وشرح سبب تكونها على صبة بركانية عميقة، تسهم الفوهات البركانية القريبة من السطح بتسخين المياه في حمامات طبرية، ويبلغ متوسط عمق البحيرة 28 متراً بطول 20 كيلو متر وعرض 12 كيلو متراً وبمساحة قدرها 168 كيلو متر مربع تحتوي 2 مليار متر مربع من المياه. اتجه نحو بحيرة الحولة وشرح أسباب تجفيفها، ثم سار غرباً متتبعاً مقطع طريق الحرير التاريخي في فلسطين وعبوره طرقاً ملتوية حول جبال الكرمل وصولا إلى البحر، وطريق الحرير التجاري نشأ منذ ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، ويمتد من غرب الصين ويخترق الجزيرة العربية نحو البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر لمتابعة مساره البحري نحو أوروبا.

شرح تاريخ الصراعات على قمة جبل طابور، شرقي الناصرة، المرتفعة وتشييد أول قلعة وكنيسة على جبل محدب الشكل مثل ظهر حوت، ويطلق عليه أيضاً الطور، وتقع بلدة دبورية على السفح الغربي للجبل وكذلك قريتي عرب شبلي والسعايدة، فيما يقع جبل الدحي الأقل ارتفاعاً في الجنوب الغربي للطور، ويصعد الجبلان وحدهما من قلب سهل مرج بن عامر، وأبرز تاريخ أكبر سهل في قلب فلسطين وامتداده ومساحته، ودور الخلافة العثمانية في بيع أجزاء واسعة منه لأثرياء عائلة سرسق اللبنانية، ثم تمرير مساحات منه في صفقات بيع سرية، وفرتْ للحركة الصهيونية فرصة لإقامة المستوطنات الزراعية الأولى، وتعرضتْ قرى فلسطينية عديدة في المرج، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، للاخلاء بموجب صفقات البيع، وأبرز الدكتور كمال خصوصية سهل عكا، والسهل الساحلي والأغوار الفلسطينية، وأسباب تشكل البحر الميت ومجرى نهر الأردن والحفرة الانهدامية التي امتدت على طول النهر حتى العقبة في جنوب الأردن.

تواصلتْ رحلات الدكتور كمال طوال ثماني سنوات حتى اندلاع الانتفاضة الأولى أواسط كانون أول 1987 وقيام الاحتلال بنصب الحواجز العسكرية، وتقييد مرور المواطنين وحركة تنقل الحافلات. كانت الرحلة تستغرق أربعة أيام لا يتوقف فيها الدكتور كمال عن ربط تاريخ فلسطين بتضاريسها الجغرافية وسهولها وجبالها ومدنها وقراها المدمرة.
حضر الدكتور كمال سنة 1981 مؤتمراً في العاصمة عمان حول تعليم طلبة الأردن في الجامعات الألمانية بحضور الأمير حسن ولي العهد ووزير التربية الألماني. وقف البروفيسور صالح قعدان، من طولكرم وخريج الجامعات الألمانية، وقدم مداخلة جريئة حول حصر منح الدراسة الألمانية بالجامعات الأردنية، وتغييبها عن الجامعات الفلسطينية، واهمال حق طلبة فلسطين في الحصول على المنح الضرورية للنهوض بالجامعات الفلسطينية الفتية. دافع البروفيسور قعدان بشجاعة عن حق الجامعات الفلسطينية، ولم يقلق من وجود ولي العهد وأجهزة الأمن. اقترب مستشار الوزير الألماني من الدكتور كمال، ونقل له رغبة الوزير بلقائه بمعزل عن البروفيسور "المشاغب".
التقى الدكتور كمال بالوزير الألماني، وتم تقسيم نحو عشرين منحة دراسية بالتساوي بين الجامعات الأردنية والفلسطينية، وبات الدكتور كمال مرجعية للمنح الألمانية، وقدمها بموضوعية لمن يستحق من الطلبة المتفوقين لإكمال دراساتهم العليا في الجامعات الألمانية.

زار الدكتور كمال عبد الفتاح مطلع الثمانينات جامعة جورج تاون الأميركية، وتعرف فيها على الدكتور (توماس ريكس) أستاذ التاريخ الشفوي في الجامعة، وعرض عليه وظيفة في بيرزيت. أسس الدكتور ريكس لمنهج التاريخ الشفوي في الجامعة، وساهم بوضع استبيان لطرح الأسئلة على اللاجئين الذين تم طردهم من قراهم تحت تهديد سلاح المليشيات الصهيونية، ودرّب مجموعة من مساعدي البحث بغرض توثيق تجارب المهجرين قسراً من قراهم ومدنهم الفلسطينية.

التقيتُ الدكتور كمال لأول مرة أواخر سنة 1981 على بوابة سجن نابلس القديم، وعرفته عن بُعد عندما دخلتُ مبنى دائرة دراسات الشرق الأوسط في حرم جامعة بيرزيت القديم، وكنتُ قد تسلمتُ وظيفتي في مركز أبحاث الجامعة أواسط أيار 1981. عندما التقيته صدفة على بوابة سجن نابلس القديم، كنتُ في زيارة شقيقي الأسير الفتى أحمد، وكان في زيارة شقيقه الأسير: اعتقل الشاب كامل جبر أواخر آذار 1971 عندما كان في العشرين من عمره، وأمضى 15 سنة في معتقلات الاحتلال وتنقل بين سجون جنين، بيت ليد، عسقلان، بئر السبع وجنيد وتحرر أواخر أيلول 1985. واظب الدكتور كمال على زيارة شقيقه الأسير بانتظام، وتلمس معاناة ذوي الأسرى، وظل حريصاً على السؤال عن شقيقي كلما التقيته. عُين كامل سنة 1994 في دائرة التوجيه السياسي عقب قيام السلطة الوطنية، ونال الأسير المحرر تقاعداً مبكراً من وظيفته، وظل وفياً لرفاقه مخلصاً لمبادئه الكفاحية في الحرية والعدالة.
تسلم الدكتور كمال سنة 1985 إدارة مركز أبحاث جامعة بيرزيت، وقدم خطة لتغيير نوع نشاطه من توثيق الصحف الفلسطينية وإعادة تصنيف وطباعة الوقائع بمجلدات فصلية تحت إدارة الأستاذ خليل محشي، إلى جمع الرقم الاحصائي من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة بإدارة بكر أبو كشك. وافق مجلس أمناء الجامعة برئاسة حنا ناصر على خطة الدكتور كمال، وأقر الأمر في اجتماع عقد في قبرص، وبات المركز متخصصاً بتوثيق القرى الفلسطينية المدمرة، وطبع أول خارطة لفلسطين تضمنت مواقع وأسماء القرى المهجرة، فيما تابع طاقم المركز اصدار سلسلة كتب وثقتْ تاريخ مجموعة قرى مدمرة، وأخرى رصدتْ سيرة شخصيات فلسطينية تربوية وكفاحية، قبل أن يتم تفكيك المركز وتجميد نشاطه سنة 1994.

حصل الدكتور كمال سنة 1982 على جائزة شومان للشباب قبل أن يتجاوز الأربعين، وتقاسم الجائزة مع اللبناني مسعود ظاهر.

قاد الدكتور كمال عبد الفتاح منذ ربيع 1987 فريقاً للتنقيب في بقايا القرى المدمرة الواقعة وسط وشمال فلسطين، فيما قاد الدكتور شريف كناعنة فريقاً لتوثيق القرى المدمرة في وسط وجنوب فلسطين، وقاد الدكتور غازي فلاح فريقاً مسانداً لتحديد مواقع القرى الفلسطينية التي يصعب الوصول اليها، وتم نشر بيانات الفريق الميداني إضافة إلى سلسلة من الوقائع والأحداث والاحصائيات في كتاب (كي لا ننسى) بتوقيع الدكتور وليد الخالدي وطاقم البحث، وصدر الكتاب في تشرين ثاني 1997 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت  باللغتين العربية والانجليزية.

يعتبر كتاب (كي لا ننسى) مرجعاً في حقل تخصصه، وقد وقع في 846 صفحة من الحجم الكبير بغلاف مميّز، وتضمن مجموعة كبيرة من الصور والخرائط، وأنجز الكتاب كما ورد في التقديم عقب قيام "تعاون نموذجي بين كل من جامعة بيرزيت ومركز الجليل للأبحاث ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، وساهم فيه أكثر من ثلاثين باحثاً، واستغرق ستة أعوام، واستند هذا العمل الضخم إلى وفرة من المصادر العربية والأجنبية وإلى البحث الميداني من أجل تحديد مواقع القرى تحديداً دقيقاً" وأوضح التقديم "يحتوي المدخل المخصص لكل قرية على مقطع يستند إلى روايات إسرائيلية وعربية، ووصف لحال لموقع الحاضرة وما بقي من بقايا معالمها". يعتبر (كي لا ننسى) الصادر في بيروت بعد خمسين سنة على النكبة الكبرى عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية "أشمل عمل صدر حتى الآن عن تدمير المجتمع القروي الفلسطيني".

شارك الدكتور كمال سنة 1991 في يوم دراسي في مدينة عكا بدعوة من الدكتور والمؤرخ شكري عرّاف، بمناسبة مرور 700 سنة على قيام الأشرف خليل بن قلوون بطرد الصليبيين من عكا، وشارك في اليوم الدراسي نحو 150 معلماً ومعلمة ومجموعة من الباحثين والأكاديميين المهتمين في التاريخ، وعرض الدكتور عرّاف وقائع انتصار الأشرف بن قلوون.

خرج السلطان ابن قلاوون من القاهرة على رأس جيش كبير، وحاصر عكا مساء 5 نيسان 1291 بستين ألف فارس ومائة وستين ألف من المشاة؛ بمساندة جيش دمشق، جيش حلب، جيش طرابلس وجيش الكرك. دك السلطان أسوار عكا بقذائف المنجنيق، واستسلمتْ المدينة أواسط أيار 1291، وهرب الفرنجة في المراكب نحو قبرص، ثم استسلمتْ تباعاً حيفا، عتليت، صور، صيدا، بيروت وطرطوس وبات ساحل المتوسط تحت سيطرته، واتجه لمحاربة المغول في العراق واستولى على قلعة الروم في شاطئ الفرات قبل عودته منتصراً إلى القاهرة، ويتربع على عرش المماليك الترك الذين حكموا مصر والسودان وبلاد الشام نحو 130 سنة (1250- 1382). تسلم الأشرف السلطة عقب وفاة والده سنة 1290، وحكم ثلاث سنوات حرر فيها بلاد الشام من بقايا الصليبيين، وقاتل المغول قبل أن يقتل غدراً خلال رحلة صيد قرب الإسكندرية؛ عقب صراع مرير انفجر بين أمراء المماليك بغرض الاستئثار بالسلطة والانفراد بالحكم.

تقاعد الدكتور كمال من جامعة بيرزيت سنة 2008 لكنه ظل يحاضر في جغرافية فلسطين كأستاذ غير متفرغ في الجامعة حتى بدايات 2020، ووضع الطلبة والخريجين في الوقائع التاريخية والجغرافية التي تعيشها فلسطين المحتلة بعد سبعين سنة ونيف من هجمة الاستيطان وعمر النكبة الكبرى: يعيش ثمانية ملايين نسمة في 2250 تجمعاً بشرياً، منها 970 مدينة وقرية ومخيم في الضفة الغربية والقدس والنقب والجليل والمثلث يعيش فيها ثلاثة ملايين فلسطيني، وقد أباد الكيان المغتصب عقب النكبة الكبرى 418 قرية وخربة فلسطينية وشرد 800 ألف فلسطيني من بيوتهم ودفع جزءاً كبيراً إلى الشتات.

نشر الدكتور كمال (النظم الجغرافية التاريخية) و(الجغرافية التاريخية لفلسطين وشرق الأردن وجنوب سوريا ولبنان في القرن السادس عشر ميلادي) و(مزارعو الجبال والفلاحون في عسير) و(التطور الاقتصادي الفلسطيني في الفترة العثمانية المتأخرة) ونشر ورقة بحث في مجلة الدراسات الشرق أوسطية للجامعات الأميركية تحت عنوان (قرى الكراسي في جبال فلسطين الوسطى) وشارك في ستة مؤتمرات في سوريا بين 1974- 1984، ونظم مؤتمرات وندوات وأيام عمل دراسية في جامعة بيرزيت.

أواسط تموز 2000 كنتُ محظوظاً ومجموعة من طلبة وأساتذة جامعة بيرزيت بمشاركة الدكتور كمال عبد الفتاح في رحلة علمية إلى ألمانيا، وربط جغرافية البلاد الواسعة بتاريخها بشكل مثير، وتدفقتْ معلوماته الغزيرة عن ألمانيا بمستوى لا يقل غزارة عن المعلومات التي سردها عن فلسطين أثناء التجوال برفقته أواسط الثمانينات. لمستُ انشغاله، في ألمانيا وفلسطين، بأقدم طريق في تاريخ البشرية (طريق الحرير) وقد أطلق التسمية الجغرافي الألماني فرديناند ريتشهوفن سنة 1877 على طريق بري يمتد من شمال الصين حتى سواحل بلاد الشام وشمال افريقيا بغرض نقل الحرير إلى سكان القارات القديمة، وقد اشتهرتْ صناعته في الصين منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد.

عبر الدكتور كمال مراراً عن رغبته في العثور على فريق فلسطيني من الباحثين والمؤرخين والجغرافيين؛ لتتبع طريق الحرير ورصد مساره الجنوبي الذي يتجه نحو تركستان والعراق وسوريا وساحل المتوسط ويتابع باتجاه مصر وسواحل شمال افريقيا مقترباً من سواحل اسبانيا، وتأمل أقدم حركة تجارة برية في تاريخ البشرية..لا نملك سوى الدعاء للدكتور كمال بعمر مديد، ودوام الصحة والعافية ليشهد انتصار فلسطين وزوال الاحتلال، وتحقيق رغبته في إعادة استكشاف طريق الحرير وتتبع مساره الجنوبي ميدانياً عبر اختراق  بلاد الشام ومصر وسواحل شمال افريقيا حتى مضيق جبل طارق شمال المغرب.

(ملاحظة: هذا "البروفيال" كتب بعد مقابلة أجريت معه قبل نحو عامين ونصف من وفاته)