النظام الدولي أحادي القطبية يدخل في حالة من الموت البطيء

16/03/2022

 

بقلم: فادي ابو بكر

كان واضحاً من التحولات والمعادلات السياسية  التي تبلورت في ضوء الحرب الدائرة في سورية منذ العام 2011،  أن جوهر الصراع العالمي القائم بين معسكر الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ومعسكر الاقتصاديات الصاعدة بقيادة الصين وروسيا، في طريقه إلى إعادة التشكّل والقولبة، وأن نظاماً عالمياً ثلاثياً أو متعدد الأقطاب في طريقه إلى البزوغ في المنظور القريب.

وبعد أن فرضت روسيا  كلمتها ووجودها  في سوريا، التي تتميّز بموقعها الذي تتقاطع  فيه خطوط التبادل والتجارة بين القارات الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا، تتقدّم روسيا اليوم للسيطرة على أوكرانيا، التي تمثّل عمقاً استراتيجياً بالنسبة لها.

وعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية المُغلّظة وغير المسبوقة التي باشرت في فرضها الولايات المتحدة والدول الأوروبية على روسيا، إلا أن الدعم والتأييد الصيني الحالي لروسيا، والذي لم يصل إلى هذا المستوى إبّان  حرب روسيا في جورجيا عام 2008، ولا حتّى في حربها على أوكرانيا عام 2014 التي ضمّت فيها شبه جزيرة القرم، قد عاكس كل الحسابات الأميركية والأوروبية التي راهنت على نجاعة هذه العقوبات، وكان هذا جليّاً في ارتباك الرئيس الأميركي جو بايدن على هامش مؤتمر صحفي أجراه بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، حينما وجّه أحد الصحفيين سؤالاً له حول الموقف الصيني من الأزمة، حيث إمتنع بايدن عن الإجابة!.

إن  الصين اليوم باتت أكبر شريك تجاري لروسيا منذ سنوات، حيث سجّل التبادل التجاري مستوى متقدم بلغ 147 مليار دولار في العام الماضي ، ويظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واثقاً بقوله أن بلاده سترد على الحرب الاقتصادية التي يشنها الغرب وتخرج أقوى، حيث بدأ يلوّح بإمكانية تأميم أصول الشركات الغربية التي خرجت من روسيا،  إضافة إلى أن روسيا تعمل منذ عام 2014 على التخلّي عن الاعتماد على الدولار، ومحاولة تحصين الاقتصاد الروسي ضد العقوبات، وقد بلغ الاحتياطي الدولي لدى الحكومة  الروسية بداية عام 2022، من الذهب والعملة  الصعبة مستوى قياسي، يتجاوز ما قيمته 630 مليار دولار . ما يعني وجوباً أن روسياً قادرة على تحمّل العقوبات لفترة أطول ممّا يفترض المعسكر الغربي.

ومع تقدّم الجيش الروسي في أوكرانيا، ستنقلب الأمور لصالح روسيا شيئاً فشيئاً، على الأصعدة السياسية والاقتصادية أيضاً، على قاعدة أن "العمل العسكري يحصد والعمل السياسي يزرع". ومن المستبعد أن تُحقّق المساعدات الغربية العسكرية لأوكرانيا تغييراً جذرياً  في نتائج الحرب الدائرة، خاصةً في ظل حصار أوكرانيا من مختلف الجهات، واستمرار الهجوم الروسي برياً وجوياً وبحرياً، إضافة إلى حقيقة أن الجيش الروسي سبق وسيطر خلال الأيام الماضية على عدد من الصواريخ المضادة للدبابات، والتي ارسلها الغرب الى اوكرانيا، ما يعني أنه من الوارد جداً أن تزيد هذه المساعدات العسكرية من حصيلة الغنائم الروسية.

من ناحية أخرى، فإن استمرار فرض روسيا لكلمتها في المفاوضات النووية الإيرانية، وتحديد مسارها حتى في خضم الحرب الدائرة، يُشكّل تحوّلاً جوهرياً في مفهوم القوة على العلاقات الدولية في النظام العالمي الجديد متعدّد القطبية.

ويمكن الجزم بأن سياسات إدارة الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب قد سرّعت في وصول النظام الدولي الحالي إلى ما هو عليه، حتى وإن كانت الولايات المتحدة ما زالت قوة عظمى، لأن إدارة ترامب قد أفقدت الولايات المتحدة في سنوات حكمها، أهم العوامل التي تُشكّل قوة الدولة العظمى. حيث أن قوة الدول العظمى لا تُقاس بالقوة العسكرية والاقتصادية فقط، وإنما بالقدرة على توفير السلع العامة والمنافع على المستوى الدولي، إلى جانب حشد وتنسيق الاستجابة العالمية للأزمات، ولعلّ أزمة كورونا كانت مثالاً واضحاً على ذلك.

ومع إدانة الأمم المتحدة بأغلبية الثلثين  للعدوان الروسي على اوكرانيا‎، ما زال المحارب الروسي يقاتل وحده بمدفعه ليستنطق التاريخ ويصحّحه؛ هذا التاريخ الذي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضه من جانب واحد، من خلال منظومة انتقائية ومزدوجة المعايير. وقد عبّر الدبلوماسي الأميركي جون برادي كليسنغ عن ذلك بقوله "إننا نحمّل النظام الدولي الذي بنيناه بكل هذا الجهد والمال فوق طاقته، وهو عبارة عن نسيج من القوانين والمعاهدات والمنظمات والقيم المشتركة، يقيّد خصومنا، بشكل أكثر فعالية مما يقيّد قدرة أمريكا على الدفاع عن مصالحها  ".

وكانت السفارة الأميركية لدى أوكرانيا قد وصفت سيطرة القوات الروسية على محطة نووية في أوكرانيا بـأنها " جريمة حرب"، كما مارست سلطات الدول الأوروبية التي تستقبل اللاجئين من أوكرانيا تمييزاً واضحاً في المعاملة ما بين الأوكرانيين وغير الأوكرانيين من العرب والأفارقة والآسيويين.

وهنا نتساءل: إن كان هجوم روسيا على منشأة نووية - تُشكّل بطبيعة الحال خطراً ليس على روسيا وحدها وإنما على العالم بأسره -  يعتبر "جريمة حرب"،  ففي أي خانة يمكن تصنيف العدوان الإسرائيلي على غزة، و قتل الأسرى بشكل بطيء داخل المعتقلات الإسرائيلية، والإعدامات الميدانية التي تقوم بها  سلطات الاحتلال بحق الشباب الفلسطيني وتركهم ينزفون لساعات حتى يفارقوا الحياة..وكل ذلك على مرأى ومسمع العالم أجمع؟!، وما هو الوصف الأمثل لوعد بلفور المشؤوم؟!، وفي أي خانة يمكن تصنيف المعاملة الأوروبية للاجئين غير الأوكرانيين؟!.
نقول هنا أن انفصام الشخصية السياسية الأميركية والأوروبية هو السبب الرئيسي للموت التدريجي للنظام الدولي أحادي القطب، ليُعاد تشكيل نظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب، لن يكون بالضرورة أفضل من سابقه،  خاصةً وأن  قوى مثل "إسرائيل" على إدراك تام بهذه المعادلة.

حيث تمارس "إسرائيل" سلوكاً دبلوماسياً مغايراً من خلال تصوير نفسها كوسيط لوقف الحرب في أوكرانيا، وفي الوقت نفسه تستثمر الأزمة لصالحها برفع وتيرة النشاط الاستيطاني الاستعماري في الأراضي الفلسطينية، وتعزيز الوجود اليهودي في فلسطين من  المهاجرين اليهود القادمين من روسيا وأوكرانيا وأوروبا، وتدعيم اقتصادها من خلال زيادة صادراتها العسكرية إلى أوروبا، فيما يبدو أنها سياسة إسرائيلية متكاملة الأضلاع،هدفها تأمين مكان لـ "إسرائيل" في النظام الدولي القادم.

وفي ضوء ذلك، فإن المطلوب فلسطينياً ، التعاطي مع موجبات اللحظــة من منظور وطني خالص، والتركيز على هذه القضايا الوطنية، وعدم تغليب الشــأن الإقليمي والدولي على الشــأن الوطني في مساحتنا الإعلامية ، وفي أدائنا السياسي والدبلوماسي، ووضع فلسفة المواجهة، مع أسطول الإعلام الإسرائيلي، الذي يؤثر في بناء الرأي الدولي، وتكثيف التحركات المشتركة مع أشقاءنا من العرب والآسيويين والأفارقة واللاتينيين وجميع الأصدقاء في هذا العالم، نصرةً للقضايا الوطنية المختلفة بما يضمن المردود الإيجابي على عموم القضية الفلسطينية.