
• الحركة الصهيونية وضعت 6 استراتيجيات لإنهاء الوجود الفلسطيني فوق فلسطين التاريخية لكنها فشلت
• "التدجين الاقتصادي".. يهدف اسكات الفلسطيني عن جرائم الاحتلال واشغاله بلقمة العيش بعيدا عن النضال بكل اشكاله
• "نزع إنسانية الفلسطينيين" تهدف إلى تحويلهم من ضحية للاحتلال وتقديمهم كـ "معتدين وإرهابيين"، وإظهار الاحتلال كـ "ضحية"
• بنظر الحركة الصهيونية وإسرائيل "كل فلسطيني هو إرهابي.. ولو قاوم بلسانه أو رفع العلم أو أسعف جريحا"
• استهداف المناهج التعليمية و"التطبيع الثقافي" جزء من حملة "كي الوعي" لدى الجيل الجديد
• أمريكا وإسرائيل تروجان لفكرة "تقليص الصراع" وليس حله، بحجة أن الظروف غير مناسبة لطرح أي مبادرات جديدة
• المطلوب تبني استراتيجيات مضادة تقوم على توحيد الكل الفلسطيني ودعم المقاومة بكل أشكالها وبقاء الفلسطيني فوق أرضه
وطن: أكد د. مصطفى البرغوثي الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية على قدرة الفلسطينيين التصدي وإفشال كل محاولات الحركة الصهيونية و"الكيان الإسرائيلي" على اجتثاثهم من أراضيهم ودفعهم للهجرة، من خلال تبنيهم لاستراتيجيات مضادة، تقوم على دعم المقاومة بكل اشكالها وخاصة الشعبية، وعلى دعم حركة المقاطعة التي تكلف الاحتلال الاسرائيلي مليارات الدولارات سنويا، من خلال تعزيز التكامل بين مكونات الشعب الفلسطيني، وتعزيز صموده فوق ارضه.
وكذلك من خلال تعزيز ثقة الفلسطينيين بأنفسهم وعلى قدرتهم على النضال وتحقيق أهدافهم المشروعة، مع مواصلة الضغط على كل الأطراف لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية.
وفي لقاء خاص مع "وطن" أداره الإعلامي سامر خويرة، قال البرغوثي: إن الحركة الصهيونية حركة قديمة جذورها تمتد إلى القرن 16. وعملت على انشاء دولة إسرائيل ككيان صهيوني، ومدته بالمال والسلاح وبكل ما يلزم. لكنها أوسع بكثير من إسرائيل، التي هي مكونا من مكونات الحركة الصهيونية، التي لها امتدادات عبر الجاليات اليهودية ومؤيدين في مختلف دول العالم، وحاول مؤسسوها أن يفرضوا وجود إسرائيل في فلسطين التاريخية، بهدف إنشاء قاعدة استعمارية في قلب العالم العربي.
وأوضح أن هناك منظمات يهودية في كل العالم، وفي الولايات المتحدة وحدها هناك 42 منظمة صهيونية تعمل على جمع التبرعات لإسرائيل والضغط على أعضاء مجلسي الشيوخ والكونغرس لضمان تأييدهما لإسرائيل. وأشهر تلك المنظمات هي منظمة "ايباك".
هؤلاء لديهم اليوم خططا واضحة لمحاربة حركة المقاطعة الدولية "بي دي اس"، والضغط لسن تشريعات لتحريم المقاطعة، ليس فقط في أمريكا، بل في دول كثيرة. ولديهم انشطة مكثفة لتعميق وتوسيع التطبيع مع العالم العربي، وقبل كل ذلك جمع مساعدات مالية هائلة لإسرائيل في كل أنحاء العالم.
هذه المساعدات -وفق البرغوثي- تصل إلى 20 مليار دولار سنويا من الولايات المتحدة الامريكية وحدها. ويخصم 5% من دخل كل يهودي مقيم بالولايات ليذهب لإسرائيل.
وعن أهمية فهم تلك الاستراتيجيات التي تنفذها الحركة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، أكد البرغوثي أن فهمها يعني معرفة سبل التعامل معها. إن قوة اللوبي الصهيوني تكمن في التنظيم. ينظمون كل يهود العالم إلى جانبهم. هناك اقليات يهودية مناصرة للقضية الفلسطينية، فتعمل المنظومة الصهيونية ضد هؤلاء.
ومن أخطاء الحركة الوطنية الفلسطينية في الاربعينات انها لم تفهم كيف تفكر الحركة الصهيونية وبالتالي عجزت عن مواجهتها.
الاستراتيجية الصهيونية تقوم على ستة عناصر، تمارسها ضد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، أولها هو حملة القمع الواسعة ضد المقاومة الفلسطينية بأشكالها كافة. صحيح أن من يقوم بذلك هو حكومات الاحتلال، لكنها مدعومة من الحركة الصهيونية في هذا المجال دعما مطلقا.
وهذه الحملة القمعية تشمل عمليات الاغتيال والقتل والتدمير، إلى جانب استخدام الرصاص الحي ضد مظاهرات المقاومة الشعبية، وتنفيذ حملات اعتقال واسعة ويومية في كافة مناطق الضفة الغربية بما فيها القدس، واستخدام سلاح الاعتقال الإداري غير القانوني، فترات غير محدودة.
والغرض من ذلك كله نشر حالة من الرعب والتخويف وقمع المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، ولو كانت بأبسط اشكالها "مقاومة سلمية مطلقة".. وطبعا من دون الاتعاظ من حقيقة أن كل وسائل القمع على مدار أكثر من سبعين عاماً لم تزد الفلسطينيين إلا إصراراً على المقاومة.
وتابع "العنصر الثاني هو محاولة تدجين الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال وتخديرهم بالأكاذيب عن مشاريع التحسين الاقتصادي، في تكرار لما ورد في /صفقة القرن/، بطرح الحلول الاقتصادية بديلا للحلول السياسية، وحق الفلسطينيين في الحرية".
وعن خطورة طرح "الحلول الاقتصادية" بديلا للحلول السياسية، على القضية، قال البرغوثي: "هذا خطير جدا. قد يعتقد البعض أنها تسهيلات حياتية يومية، لكنها عنصر رئيسي في الاستراتيجية الصهيونية. الهدف هو أن يسكت الفلسطيني وينشغل بلقمة العيش بعيدا عن النضال الوطني وحتى الاجتماعي، عبر تحسين اقتصادي مزعوم".
الحركة الصهيونية ومعها إسرائيل تنفذان حرفيا اليوم "صفقة القرن". لم تذهب الصفقة بذهاب ترامب الذي كان مجرد غطاء أو غلاف. ولكن الصفقة موجودة. وأول من ألفها هو "نتنياهو" عام 1994 في كتابه "مكان تحت الشمس"، ردا على امكانية قيام دولة فلسطينية إثر اتفاق "أوسلو".
يسمحون بإقامة مناطق صناعية في بعض المواقع. يسهلون دخول المزيد من العمال إلى الداخل المحتل اللعمل في مهن لا يقبل أن يعمل بها "الإسرائيلي". يمصون دم العامل وكل قوته وجهده، وهم غير مسؤولين عن تأمينه الصحي أو حقوقه.
كل ما يقوم به الاحتلال لا يحل مشكلة "بطالة المتعلمين"، فـ 80% من الشباب المتعلم بغزة عاطل عن العمل، و50% من الضفة. هذا شيء مقصود، لدفع هؤلاء إلى الهجرة.
لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟ يجيب: "عبر اتفاق باريس الاقتصادي فرضوا على السلطة وحدة السوق. اسعارنا كالأسعار عندهم رغم الفارق الهائل في الدخل. وحدة جمركية. وحدة قيمة الضريبة المضافة. بالمقابل يصادرون كل مصادر ثرواتنا الطبيعية حيث سيطروا على المياه وعلى المواقع الحساسة.
وهنا، يلفت البرغوثي النظر إلى ما تسببت به سياسة الإقراض التي ابتعتها البنوك الفلسطينية، حيث سهلت بشكل كبير الحصول على قروض استهلاكية لشراء سيارة او بيت "ولكنهم لا يعطوك لبناء مزرعة أو مصنع. عندما تغرق في الديون لن تفكر في الملفات الوطنية".
وتابع: "لا مخرج إلا بالتحرر على اتفاق باريس الاقتصادي، وتخفيض قيمة الضريبة المضافة. فاقتصادنا ضعيف، والضغط لرفض الاقتطاعات من المقاصة، وتغيير سياسة الإقراض، والسماح بقروض إنتاجية، سعيا لسياسة اقتصادية رشيدة. هذا غير الموازنات المخصصة للقطاعات الحيوية مثل الزراعة التي يخصص لها 1.5 فقط من الموازنة".
أما العنصر الثالث في الاستراتيجية الصهيونية، وهو الأخطر، فانه يتمثل في محاولة "كيَ الوعي" للفلسطيني، وخصوصا لدى جيل الشباب، بنشر التطبيع الثقافي مع الاحتلال ومكوناته، والعمل المنهجي لتزوير الرواية والتاريخ الفلسطيني، وترويج الأسرلة بين الفلسطينيين في الداخل والقدس وكافة الأراضي المحتلة.
وقال: "هناك جيل فلسطيني لا يعرف تاريخه ولا روايته. يسممون الوعي بفرض الرواية الإسرائيلية. نلاحظ ذلك من خلال الجيل الذي يتحدث بالعبرية ويستمع للأغاني العبرية، وما يدور في وسائل التواصل الاجتماعي من نقاشات".
جزء من كي الوعي يتمثل بالهجوم على المناهج الفلسطينية والضغط تجاه حذف كل ما يمت بصلة لفلسطين. إنهم يضغطون على وكالة الغوث التي باتت تمنع حتى رفع العلم الفلسطيني في مدارسها، وملاحقة رفع أي علم فلسطيني في القدس.
وتتطلب هذه الهجمة من كل قوى المجتمع الفلسطيني السياسية والمدنية تصديا منهجيا ومتواصلا، وخصوصا ما يتعلق بتعزيز الرواية الفلسطينية وتثقيف الأجيال الشابة بها.
وكذلك جزء من محاربة التطبيع يكمن في مقاطعة المنتجات والبضائع الإسرائيلية. وهناك برامج لتشجيع التطبيع الداخلي من خلال فعاليات فنية وثقافية يجب التصدي لها.
ومن هنا، تبرز الاستراتيجية المتعلقة بمحاولة عزل الفلسطينيين، بكل مكوناتهم واتجاهاتهم، من خلال التطبيع مع المحيط العربي والإسلامي، والأفريقي على حساب القضية الفلسطينية، والعمل على تهميشها في المحافل الدولية، وتجلى ذلك في خطاب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي "نفتالي بينيت" أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتجاهله التام للموضوع الفلسطيني، وتركيز خطابه على الصراع مع إيران.
هذا التطبيع مع العرب، غير فكرة "الأرض مقابل السلام" إلى فكرة "السلام مقابل السلام". ويتبجح بأن الموضوع الفلسطيني لم يكن موجودا، وانهوا كذلك مبادرة السلام العربية.
وأشار إلى أن "كل الاتفاقيات، "أوسلو" و"باريس الاقتصادي" والمبادرة العربية قائمة على فكرة بيع الوهم باستعداد الحركة الصهيونية ودولة الاحتلال لحل وسط مع الفلسطينيين. حصلوا على تنازلات كثيرة، وبالمقابل لم يعطونا شيئا، واليوم يصرح رئيس حكومة الاحتلال أنه لا مكان لدولة فلسطينية".
اليوم أمريكا وإسرائيل تروجان لفكرة "تقليص الصراع" وليس حله، (الأصل ان هذا احتلالا وليس صراعا)، بحجة أن الظروف غير مناسبة لطرح أي مبادرات لحل المشكلة.
وأكد على أن "إسرائيل تتعامل مع السلطة اليوم من خلال المنظور الأمني فقط. تريدها وكيلا أمنيا لهم (للاحتلال). وفرض رؤية أن العلاقة فقط أمنية، وهو ما صرح به وزير الحرب "بيني غانتس" بعد أن جاء إلى رام الله".
المنظومة الصهيونية نجحوا في السيطرة على الأرض، لكنهم فشلوا في تهجيرنا. فاتبعوا السياسات الاستراتيجية، ومن هنا تنبع أهمية المواجهة الديمغرافية. نحن عددنا في فلسطين التاريخية أكبر من عدد اليهود المحتلين، لكنهم يسعون من خلال تلك الاستراتيجيات إلى جعله تفوقا عدديا فقط، دون أي تأثير حقيقي على الأرض، ووضعنا في ظروف اقتصادية ومادية صعبة لدفع الناس إلى الهجرة.
إحدى تلك الاستراتيجيات، هي "نزع إنسانية الفلسطينيين"، وعن ذلك يقول البرغوثي: "إنها تهدف إلى تحويلنا من ضحية للاحتلال والتطهير العرقي، إلى معتدين وإرهابيين، وتصوير إسرائيل التي تحتل أراضينا وتقمعنا على أنها هي /الضحية/".
هذه الاستراتيجية قائمة على تصوير كل فلسطيني على أنه "إرهابي"، مع تركيز خاص على محاولة حرمانهم من حقهم في المقاومة بكل أشكالها، فمن يقاوم بالسلاح يوصف بالإرهاب، ومن يقاوم مقاومة شعبية يصفونه بالعنيف، ومن يقاوم باللسان يصفونه بالتحريض، أو بانه "لا سامي"، وإن كان هناك يهودي ضد سياسة إسرائيل فانهم يصفونه بانه متنكر لأصله.. يهودي كاره لنفسه.
ويشمل ذلك حملة مسعورة ضد المناهج الفلسطينية، وكذلك وصم الاسرى والشهداء بالإرهاب ومنع مساعدتهم، ومن يفعل ذلك يُتهم بأنه يدعم الإرهاب، وكذلك الهجوم على مؤسسات المجتمع المدني التي تقدم الإغاثة والمساعدة الصحية والتعليمية والزراعية، ما يثبت المواطن فوق ارضه، لأنها تعمل في مناطق (ج) وفي القدس وغزة.
هذا الهجوم على المؤسسات ليس جديدا، بل بدأ قبل 19 عاما، من خلال تأسيس "إن جي أو مونيتور" التي يشرف عليها ضابط مخابرات إسرائيلي سابق، وقد تم تأسيسها عقب مؤتمر "ديربان" الذي عقد في جنوب افريقيا ونجح في وصم إسرائيل بالعنصرية.
ويشدد البرغوثي على أن كل هذه المليارات التي صُرفت "فشلت" لأنه ما زال هناك فلسطينيين على أرضهم، وعددنا تضاعف أكثر منهم، وان هذا الوجود مقاوم ولا يتوقف عن النضال رغم كل ما يفعله الاحتلال.
وتابع: "الجيل الشاب مشبع بالوطنية والمطلوب منا تعزيزها، ويتعمق لديه الادراك بأن كل مصالحه في الحياة مهددة في ظل الاحتلال. هو لا يناضل فقط من منطلق قومي وطني فقط، بل من منطلق حقوقي".
وحول الاستراتيجيات الفلسطينية للرد، شدد البرغوثي على ضرورة المقاومة بكل أشكالها وخاصة الشعبية، ودعم حركة المقاطعة التي كلفت إسرائيل العام الماضي 15 مليار دولار، وكذلك تعزيز التكامل بين مكونات الشعب الفلسطيني التي تجلت في معركة سيف القدس، بين الضفة بما فيها القدس وغزة والداخل المحتل، وأيضا تعزيز صمود وبقاء الفلسطيني فوق أرضه، وتسهيل أمورهم الحياتية، والأهم الاتفاق على استراتيجية وطنية كفاحية فورا، بديلة لنهج أوسلو الذي فشل، والتخلي عن الأوهام أنك يمكن أن تحصل على ما تريده بالمفاوضات.
وقال البرغوثي: "المطلوب أيضا تعزيز ثقة الفلسطيني بالنفس، وقدرتنا على النضال وتحقيق اهدافنا، وأن نبتعد عن الإحباط واليأس، لكن الأهم هو الضغط على كل الأطراف لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية"، ويشمل ذلك إعادة بناء الديمقراطية الداخلية المفقودة، باستعادة الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، "حقه في انتخاب قياداته، واختيار الرؤية السياسية الأنسب لمصالحه، وذلك من شأنه سحب البساط من تحت أقدام الدعاية والادعاءات الإسرائيلية".