مكب نفايات "رمون" ملف متعثر

14/10/2021

وطن للأنباء- فراس الطويل: لطالما عُرفت قرية عين سينيا - شمال شرق مدينة رام الله - بطبيعتها الخلابة، وينابيعها العذبة، وهوائها النقي.

تلك النِعم افتقدتها القرية منذ أن كدَّرت صفو أجوائها أدخنة حرائق النفايات المنبعثة من مكبات النفايات العشوائية في قريتيّ "دورا القرع" و"عين يبرود" وبلدة سلواد المجاورة.
ظلَّت المجالس المحلية عاجزة عن التعامل مع الظاهرة، وفي آخر أيلول جاءت البشرى من "مجلس الخدمات المشترك لإدارة النفايات الصلبة" في رام الله والبيرة، الذي أفاد بأن مشروع مكب رمون سيبدأ باستقبال أولى شاحنات النفايات بعد أقل من عامين، وبذلك تكون مدة انتظار عمله قد بلغت 13 عامًا.

"عين سينيا" المتضرر الأكبر
على سفوح عين سينيا بالقرب من قرية "عين يبرود" يقطن نائل قصقص مع 25 عائلة. ومع حلول الظلام، تقتحم القرية كل يوم تقريبًا أدخنة يرى الرجل الخمسيني أنها حوَّلت حياة السكان إلى جحيم.

يخبر قصقص مراسل "آفاق البيئة والتنمية" كيف تغيرَّت حياته التي كان يتغنى بها قبل بدء ظاهرة حرق النفايات منذ أربعة أعوام: "من يدخل منطقتنا ليلًا يظن أن هناك حظرًا للتجول. كلٌ يلزم بيته ويغلق النوافذ، ولا أحد يستطيع الجلوس في الخارج. الأدخنة تحاصرنا كل ليلة تقريبًا، حتى الناس الأصحاء بدأوا يعانون، فما بالكَ بمن لديهم أمراض تنفسية".
ومع كل أسف، لم تفلح كتب الاحتجاج التي أرسلها الأهالي لوزارة الحكم المحلي لوقف حرق النفايات في مكبٍ في عين يبرود

(لمشاهدة الدمار البيئي الناتج عن المكبات العشوائية وحرق نفاياتها يرجى النقر على الرابط التالي: (https://www.youtube.com/watch?v=70S_kfc6f-k

كانوا يتلّقون ردودًا مفادها أن معالجة المشكلة بحاجة لميزانيات، وإيجاد مكب صحي، خصوصًا مع تعثر إنشاء مكب رمون شرق المحافظة، والذي كان من المفترض أن يخدمهم منذ سنوات طِوال، إلا أنه لم ير النور بسبب رفض الأهالي إقامته على أراضيهم، مما عزَّز من ظاهرة المكبات العشوائية في بعض أجزاء المحافظة ومنها المنطقة الشمالية الشرقية.

في حين أنه في مناطق أخرى - مثل بلدية رام الله-  تُرحّل النفايات منذ سنوات إلى مكب زهرة الفنجان، شمال الضفة الغربية.
وتفاقمت معاناة المواطنين في عين سينيا جراء جائحة كورونا، تلك القرية التي سُميت بهذا الاسم نسبة لعين القمر، حيث يتأزم وضع المصابين أكثر، ومنهم زوجة قصقص وابنته، فقد أصيبتا بفيروس كورونا في الآونة الأخيرة، ولم تنعما باستنشاق هواء نظيف في الخارج، مما أطال من فترة تشافيهما.
وراح هذا المواطن يتحدث باستياء عن الضرر الذي لحقَ بالبيئة في قريته، وكان أبرز ما قاله: "لم يعد التنوع الحيوي كما كان عليه في السابق، تناقصت كثيراً الحيوانات البرية، الطيور والغزلان لم نعد نراها. هذا الأمر يهدد أيضًا قطاع الزراعة الذي تشتهر به قريتنا".

الناس محقون ولكن..
تبدو المجالس القروية في شرق رام الله، عاجزة عن التعامل مع أزمة النفايات، وما فَتئت تطالب الحكومة بتسريع إنشاء مكب صحي للمحافظة، فــــ "مكب رمون" المنتظر لم يبدأ بَعد في مباشرة عمله.
من جانبه يرى مصطفى حسن، نائب رئيس مجلس قروي دورا القرع، أنه ما من حلولٍ للمكبات العشوائية سوى بتوفير مكب نموذجي يخدم تجمعات المحافظة.

"ندرك مخاطر المكبات العشوائية على الصحة والبيئة، والناس محقون في تذمرهم وشكواهم، لكن الحل يفوق إمكاناتنا، والحكومة هي المسؤول الأول والأخير" يقول حسن.

كما أن المجالس الصغيرة لا تستطيع ترحيل نفاياتها إلى مكب زهرة الفنجان بسبب التكاليف الباهظة، فضلًا عن أن المكب لم يعد يتحمّل كميات إضافية من النفايات، حسب إفادته.

مضيفًا: "ما يستطيع المجلس فعله هو محاولة السيطرة على إضرام النار في مكب دورا القرع، كما أننا عيَّنا حارسًا لمراقبة من يدخلون المكب لحرق النفايات بهدف جمع مخلفات الحديد والخردة المعدنية لبيعها".
حاول المجلس الاتفاق مع بلديات قريبة لترحيل النفايات إلى مكبَّاتها، وقوبلت الاقتراحات بالرفض كما يقول حسن: "لم يقبل بنا أحد، وهم على حق".

توجهنا إلى سمير عايد، رئيس مجلس قرية "عين يبرود"، وكان مؤيدًا لموقف "الأخير" في ضرورة توفير مكب صحي لعموم محافظة رام الله والبيرة.

وأعرب عايد عن أمله في أن تحيي الحكومة قريبًا مشروع مكب قرية رمون.
واستطرد قائلًا:"لا أتفق مع فكرة الترحيل إلى مكب زهرة الفنجان، لأننا عندئذ سنضطر لرفع رسوم جمع النفايات المفروضة على المواطنين من 250 شيكلًا سنويا إلى 7 آلاف شيكل، وهذا أمر مستحيل ويفوق قدراتنا، وربما قدرات كل المجالس القروية مجتمعة في رام الله والبيرة".

وعن الجهد المبذول لتوعية الناس، أوضح عايد: "نحث المواطنين على التوقف عن حرق النفايات حفاظًا على الصحة العامة، وكذلك لحماية البيئة من التلوث، كما نصدر نشرات توعوية باستمرار، لكن من دون جدوى".
ويذكر عايد أن المجلس ذات مرة أمسك بشخص ما متلّبسًا بحرق المكب، بحثًا عن مخلفات الخردة المعدنية، واضطر المجلس حينها إلى أخذ تعهد عليه مُوّقع باسمه بعدم الحرق مجددًا، فيما لم تُتخذ إجراءات قانونية ضد الرجل نظرًا لوضعه الاقتصادي الصعب.
ومن جهة أخرى، تجد المجالس القروية نفسها مُكَّبلة. فمصادر دخلها محدودة جدًا، كما أن الحكومة تتلكأ في تسديد المتأخرات المترتبة عليها للهيئات المحلية، ومنها مستحقات ضريبة النقل والمواصلات وضريبة المعارف، تبعًا لحديث عايد.
وفي السياق نفسه، كشف عن أن مجلس قريته الصغيرة (2800 نسمة)، يطالب الحكومة بمبلغ نصف مليون شيكل متأخراتٍ مترتبة عليها، عن الضرائب المذكورة في السنوات الأربع الماضية. معقبًا: "يبدو المبلغ زهيدًا، إلا أنه يمكن أن يُحدث فرقًا في أداء مجلسنا".

"إنجاز للفلسطينيين"!
بدأت فكرة إنشاء مكب نفايات يخدم محافظة رام الله والبيرة في عام 2008. ووقع الاختيار على 208 دونمات من أراضي بلدتي رمون وسلواد شرق المحافظة.

قُوبل المشروع بالرفض الشديد من الأهالي، بينما اشترط المستوطنون لإقامة المكب أن يكون متاحًا لترحيل نفاياتهم إليه، بل ورفعوا قضية لدى المحكمة العليا الإسرائيلية ضد مجلس الخدمات المشترك في رام الله والبيرة، وصدر قرار المحكمة في مطلع فبراير/ شباط الماضي لصالح المجلس الفلسطيني.

خلاصة القرار حسب إفادة حسين أبو عون المدير التنفيذي لمجلس الخدمات، أن "المستوطنين لن يستخدموا المشروع مطلقًا،

باعتباره مشروعًا خاصًا بالفلسطينيين وحصلوا على دعم لإنشائه".
ووصف أبو عون في حديث خاص مع "آفاق البيئة والتنمية" قرار المحكمة الإسرائيلية بمثابة إنجاز للفلسطينيين "هذه المرة الأولى التي تحكم فيها المحكمة لصالح الفلسطينيين بخصوص مشروع يُنفذ في مناطق مُصنفة (ج)، والأهم أنه سيُسجل باسم مجلس الخدمات المشترك".

في اليوم الأخير من شهر أيلول/ سبتمبر الفائت، اجتمع المجلس مع الجهة المانحة للمكب، وهي الحكومة الألمانية، للاتفاق على التصاميم التفصيلية للمشروع، وتجهيز وثائق طرح العطاء للتنفيذ. وستستغرق عملية إنجاز التصاميم ثمانية أشهر وفق أبو عون، على أن يبدأ المكب باستقبال النفايات بعد أقل من عامين.

تبلغ مساحة المكب 208 دونمات، 166 منها أراضي خاصة، والباقي أراضي حكومية.
اشترى مجلس الخدمات 26 دونمًا من أصحابها (10 آلاف دولار للدونم بناء على تسعيرة وزارة المالية). وأبدى أبو عون استعداد مجلسه تعويض أي مواطن يُثبت ملكيته للأرض.

تبلغ الطاقة الاستيعابية للمكب 2.75 مليون متر مكعب، ويغطي حاجة المحافظة لعشرين سنة قادمة، وسيؤدي إلى حل مشكلة النفايات في محافظة رام الله والبيرة التي انتشرت فيها المكبات العشوائية في السنوات الماضية، وتلك "رسالة طمأنة" من مجلس الخدمات.

وبتجاوز عقبة اشتراط المستوطنين استخدام مكب رمون، تبدو الطريق الآن مُعبدَّة أمام مشروع المكب المُتعثّر منذ 13 سنة، بالرغم من استمرار رفض بعض أهالي رمون ودير دبوان، والكلام لأبو عون.

يُذكر أن مكب رمون المخصص لمنطقة الوسط سيكون الثالث في الضفة الغربية إلى جانب "مكب المنيا" الذي يخدم جنوب الضفة، ومكب زهرة الفنجان المخصص لمحافظاتها الشمالية، والذي ظل لسنوات يستقبل النفايات من بعض بلديات الوسط.
وتجدر الإشارة أن مجلة "آفاق البيئة والتنمية" كانت قد فتحت ملف "مكب رَمّون" منذ بداية المشكلة، إذ نظمت عام 2012 ندوة حوارية جمعت أطراف النزاع.

وأكد المسؤولون آنذاك على أهمية مراعاة المعايير البيئية العالمية للمكب، فيما لجنة الأهالي تمسكت بالرفض.  
وفي عددها الصادر في أيار 2013 كشفت المجلة عن رفض مواطني الطيبة ودير دبوان (قضاء رام الله) إقامة مكب على أراضيهم، وفشل محاولة شراء الأراضي من قرية رمون، وبالتالي نفذت السلطة الفلسطينية عملية استملاك لأراضي المزارعين، كما عالجت "آفاق" أزمة مكب رمون في عددها الصادر في أيلول 2016.

اشتهرت قرية عين سينيا - شمال شرق مدينة رام الله - بطبيعتها الخلابة، وينابيعها العذبة، وهوائها النقي.
تلك النِعم افتقدتها القرية منذ أن كدَّرت صفو أجوائها أدخنة حرائق النفايات المنبعثة من مكبات النفايات العشوائية في قريتيّ "دورا القرع" و"عين يبرود" وبلدة سلواد المجاورة.
ظلَّت المجالس المحلية عاجزة عن التعامل مع الظاهرة، وفي آخر أيلول جاءت البشرى من "مجلس الخدمات المشترك لإدارة النفايات الصلبة" في رام الله والبيرة، الذي أفاد بأن مشروع مكب رمون سيبدأ باستقبال أولى شاحنات النفايات بعد أقل من عامين، وبذلك تكون مدة انتظار عمله قد بلغت 13 عامًا.

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية