سيلٌ من الاتهامات: ملف اللقاحات عَمَّ فيه الفساد

07/04/2021

وطن للأنباء- فراس الطويل: ينتظر رفعت أبو ليلى ( 38 عامًا) من رام الله، تلّقي الجرعة الأولى من اللقاح المضاد لفيروس كورونا ليتغلب على حالة الرعب التي يعيشها.

يعاني أبو ليلى من فشل كلوي، ويضطر لإجراء غسيل للكلى ثلاث مرات أسبوعيًا في مجمع فلسطين الطبي: "أنا مُعرض للوفاة في أي لحظة وفي الوقت نفسه مُعرض أكثر من غيري للإصابة، ألم تقل الوزارة إن الأولوية للمرضى؟ لماذا لم نحصل على اللقاح رغم إطلاق حملة التطعيم؟".

لقد أصبحت حياته مقتصرة على الذهاب إلى المشفى يومًا بعد يوم، والعودة إلى المنزل دون ممارسة أي عمل خوفًا من الإصابة بالفيروس، فهو يعمل ميكانيكي مركبات، وتوقف عن العمل منذ ما يزيد عن سبعة أشهر.

تجربته الأولى مع الإصابة بالفيروس كانت مريرة "لولا لطف الله لفقدت حياتي. لا أريد أن أصاب مرة أخرى، الحل هو اللقاح لتخفيف معاناتي ومعاناة كل المرضى أمثالي".

"واسطة ومحسوبية"

أطلقت وزارة الصحة الفلسطينية حملة التطعيم الرسمية في الأسبوع الأخير من شهر آذار/ مارس الماضي بعد تلقيها 61 ألف جرعة من لقاحي "فايزر" و"أسترازنيكا" قدمتها منظمة الصحة العالمية ضمن آلية "كوفاكس"، وهي مبادرة تهدف لتسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19، وضمان حصول كل بلد من بلدان العالم عليها بعدل وإنصاف.

وسبق أن حصلت وزارة الصحة منذ بداية العام الجاري، على 10 آلاف جرعة من لقاح سبوتنيك تبرعت بها موسكو، و2000 جرعة من لقاح فايزر مصدرها "إسرائيل".

وقالت وزارة الصحة إنها استهدفت الطواقم الطبية لتوزيع هذه اللقاحات. لكن انتقادات حادة وجهها ناشطون ومنظمات في المجتمع المدني للوزارة بسبب طريقة توزيع الكمية المحدودة التي غلب عليها "الفساد والمحسوبية" حسب بيان المنظمات، وسط مطالبات بتشكيل لجنة تحقيق للنظر في الأمر ونشر أسماء وأماكن عمل من تلقوا التطعيمات.

واضطرت الوزارة للتوضيح تحت وطأة تزايد الضغوط عليها، وأصدرت بيانا صحفيا أوضحت فيه أنه تم إرسال 2000 جرعة إلى قطاع غزة، و200 إلى الديوان الملكي في الأردن، وقالت إنه من بين 9800 جرعة متبقية، تم منح 90 بالمائة للعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية.

فيما أعطي الباقي حسب الوزارة لمسؤولين في الرئاسة ورئاسة الوزراء، ولجنة الانتخابات المركزية وبعض السفارات الدولية، وأعضاء المنتخب الوطني لكرة القدم بالإضافة إلى ما يقرب من 100 طالب كانوا بحاجة إلى اللقاح للسفر. وحذفت الوزارة بعد ساعات من نشر البيان الفقرة المتعلقة بإرسال جرعات إلى الديوان الملكي الأردني.

عشوائية وانتظار

أعلنت الوزارة أن حملة التطعيم ضد فيروس كورونا ستكون على أربع مراحل، وستشمل جميع الفئات المستهدفة وفق توصيات منظمة الصحة العالمية.

وقالت إن "فلسطين عملت كل ما يلزم لتوفير المطاعيم سواء كان ذلك من خلال الشراء المباشر مع الشركات، فقد خصّصت 12 مليون دولار لشراء هذه المطاعيم منذ اليوم الأول من اعتمادها عالمياً، إضافة إلى التبرعات من مؤسسة كوفاكس العالمية، والدول المانحة، والشركاء الدوليين لتوفير هذه المطاعيم".

لكن شكاوى عدة برزت على السطح مع انطلاق حملة التطعيم تمثلت باكتظاظ المراكز واضطرار كبار السن للانتظار ساعات دون أن يحصلوا على الجرعة الأولى.

وعبر عن هذه الحالة الصحفي فارس صرفندي، حينما نشر قصة ذهاب والده إلى مقر مديرية الصحة في مدينة البيرة: "والدي تنطبق عليه كل الشروط للتطعيم، تجاوز الخامسة والسبعين من العمر، مريض بالسكري ولديه مشكلة بالقلب، ذهب الى مقر "الصحة" في البيرة للحصول على الطعم، انتظر ثلاث ساعات من التاسعة صباحًا وحتى الثانية عشر ظهرًا، وبعد ذلك طُلب منه الذهاب والعودة في اليوم التالي، لأنه لم يتبّق سوى عشرين لقاحًا، وصدرت الأوامر أن تُعطى للطواقم الطبية".
ووجه الصرفندي رسالة إلى رئيس الوزراء محمد اشتية قال فيها: "هذا الفساد ما عاد يُطاق، هل انتظرت أنت وعمرك دون السبعين بكثير كي تحصل على الطعم؟ أنا اطالبكم بحق هو لوالدي أنتم قمتم بسرقته دون وجه حق، إن تظنًون أن كبركم وتكبركم على العباد يمر، فتأكدوا انه لن يمر على رب العباد".

عنصرية "إسرائيل" تمتد إلى اللقاحات

حملة التطعيم الفلسطينية انطلقت في وقت انتهت فيه "إسرائيل" من تطعيم أكثر من نصف سكانها، بعد أن بدأت بذلك أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي. وانتقدت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية خلال مؤتمر صحافي في مدينة رام الله الشهر الماضي السلطة لعدم قيامها منذ اليوم الأول لتوزيع اللقاحات بتحميل الاحتلال مسؤولية توفيرها للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأضاف عصام عاروري المتحدث باسم الشبكة: "بما أن السلطة الفلسطينية حمّلت نفسها المسؤولية، فيجب عليها أن تكون على قدر المسؤولية".

وفي ذات السياق قدمت منظمات حقوقية التماسًا إلى محكمة الاحتلال العليا تطالب "إسرائيل" بالعمل على "ضمان تطعيم الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة" بما في ذلك تسليم الفائض من مخزون اللقاح الخاص بها.
والالتماس الذي قدمته منظمة "الميزان" الفلسطينية وخمس منظمات إسرائيلية، دعا إلى "ضمان عملية إمداد موحدة من اللقاحات للسكان الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة".

وقال الملتمسون في بيان، إن "سياسة الحكومة الحالية والفشل في ضمان تطعيم جميع السكان ينتهك الحقوق الأساسية للسكان الفلسطينيين في الحياة والسلامة الجسدية، ويمثل ظلمًا مستمرًا".

وأكدت المنظمات، أن "إسرائيل ملزمة بالتزامات قانونية وأخلاقية تجاه الفلسطينيين، وهي مسؤوليات نابعة من احتلالها وسيطرتها المستمرين على الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذه الالتزامات منصوص عليها في القانون الدولي وفي أحكام المحاكم الإسرائيلية".
لكن سلطات الاحتلال قامت مطلع آذار/ مارس، بخطوتها الأولى لتوفير اللقاحات لــ 105 آلاف عامل فلسطيني يعملون لديها. خطوةٌ وصفها حقوقيون بــ "الانتهازية" إذ تهدف من ورائها "إسرائيل" حماية سكانها من مخالطة العمال وتسويق وجه إنساني للعالم بأنها تعطي اللقاح للفلسطينيين.

ومع تكرار الوعود التي تطلقها الحكومة الفلسطينية منذ بداية العام الجاري بتوفير اللقاحات، تبقى الغالبية العظمى من الفلسطينيين بانتظار دورها للحصول على التطعيم، مع تفشي الوباء بشكل غير مسبوق. وإلى ذلك الحين، تبقى الحكومة تحت مجهر المراقبة في ظل تراجع مستوى الثقة بأدائها، خصوصًا بعد اتهامات الفساد في طريقة توزيع الكميات المحدودة من اللقاحات. انتظار يبدو أنه سيطول إذا ما ظلّت وتيرة التلقيح على حالها.

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية