غيتو اسرائيل الاسود..بقلم: جدعون ليفي/ هارتس

06/09/2011

(المضمون:  دراما عنصرية واضطهاد تحدث في حيي فاجا وتكوما. فهما حيان في بيتح تكفا يسكنهما اليهود الاثيوبيون حيث يرفض البيض ان يخلطوا ابناءهم هناك بالسود).

          ان زوهر داسا وتومر فاسا وهما شابان من مواليد اثيوبيا، عادا أمس في ساعة متأخرة بعد الظهر من العمل – يعمل الاول في القياسات والثاني في تكييف الهواء – والتقيا كالعادة في باحة قرب بقالة آفي البخاري. ليس هذا بدء ملحة. بالعكس. في ركن التسلية المجاور وقفت في ذلك الحين عدة أمهات شابات مهندمات ترجح ابناؤهن في الاراجيح وتزلجوا هناك. وهم جميعا ايضا من الاثيوبيين . "ماذا يا أميري؟ أتريد النوم يا أميري؟" – هذا رتابة ما بعد الظهر لكل أمرأة اسرائيلية. وعند أعلى الشارع تقوم مدرسة وهي ساكنة مغلقة. كانت هذه المدرسة حديث اليوم قرب البقالة وفي ركن التسلية في حي "تكوما" في بيتح تكفا. تكوما وتكفا (النهضة والامل)، اهلا وسهلا في غيتو المدينة الاسود، غيتو اسرائيل الاسود.

          تعلموا جميعا في هذه المدرسة، "نير عتسيون" التي هي مغلقة الان بعد أن خضع وزير التربية جدعون ساعر لمطلب الاباء الذين لم يوافقوا على ان يتعلم  ابناؤهم في مدرسة الجميع فيها من الاثيوبيين. يسل أرشيف صحيفة "هآرتس" تقرير اور كاشتي قبل سنة: "سيدرس  290 طالبا في السنة القريبة في مدرسة "نير عتسيون" في بيتح تكفا. منهم 289 من عائلات مهاجرة من اثيوبيا".

          تطل من رسوم الجدار الملونة التي تزين جدران المدرسة الرسمية – الدينية المنمقة هذه صور مطربين من الحسيديين وهم جميعا بيض. ربض قط اسود أمس في ساحة المدرسة التي ليس فيها اشارة واحدة الى اصل جميع طلابها. وقامت الاشجار في الساحة في سكون، والغرف الدراسية مغلقة والملعب يتيم كما في كل مدرسة اخرى. وبازائها روضة اطفال كلا لافتاتها باللغة الروسية وهي ضاجة بالاولاد.

          ليس من اللذيذ أن نرى مدرسة مغلقة، لكن لا شيء شهد أمس على الدراما التي تحدث بين جدرانها أو خارجها خاصة، وهي دراما اسرائيلية للعنصرية والشعور بالظلم، وحشر الاثيوبيين وتجميعهم في احياء سوداء مع مدارس سوداء كأفضل تراث المشروع الصهيوني الذي انشأ لنا مدن التطوير. فبدل مدن التطوير اصبح عندنا الان احياء "تطوير": فالاثيوبيون يسكنون اطراف المدينة، في الطرف الابعد الى الشرق من ام البلدات، بين فاجا الى تكوما وهما حيا الضيق اللذين فرغا من نازليهما السابقين ويسكنهما الان المعذبون الجدد من الجيل الثالث. والحي هنا في غليان وثوران: فالبيض ازاء السود وازاء الاسرائيليين، والاثيوبيون القدماء ازاء المهاجرين الجدد، واليهود الحِل ازاء متنصري البلاشمورا – وجميعهم مشتاقون جدا لان يكونوا اسرائيليين.

          العنصر والدين والقومية والعرقية، كل هذا في حي واحد كأنما في قشرة جوز، حول مصير مدرسة واحدة هي مغلقة الان ويمكث مئات من طلابها منذ ايام في البيت. مع 98 في المائة من الطلاب من أصل اثيوبي فلا يوجد معلم اثيوبي واحد سوى المساعدات من الخدمة الوطنية، هنا يريدون أن يدرس الاولاد مع البيض. وفي طرف آخر من هذه المدينة يناضل آباء الاولاد الروس لابقاء أولادهم في مدرسة غوردون، وعن نقاء الروس، لكنهم ههنا يريدون العكس تماما، أي الاندماج.

          هاجر زوهر داسا في سن الثانية الى البلاد مع والديه. وهو الان اسرائيلي في الثامنة والعشرين يتحدث الاسرائيلية. حينما درس في "نير عتسيون" لم يكاد يكونون عشرة اثيوبيين. وحينما سيصبح عنده اولاد فلن يرسلهم الى هذه المدرسة التي يحمل منها خاصة ذكريات طيبة. "في روضة الاطفال كانت ثمّر مسألة "الزنوج"، فقد كانت الروضة كلها ضدي وضد ولد هندي واحد، لكنهم في "نير عتسيون" استقبلونا باذرع مفتوحة". ويأسف داسا لانه لم يلحظ انه صاحب مشكلات اصغاء وتركيز ما يشخصون حالته اليوم. فلو شخصت حالته، كما يفكر الان بصوت مسموع، لاصبح ذا لقب جامعي.

          "في السنين الاخيرة خلطوا متحدثي الامهارية بمتحدثي العبرية، والاولاد القدماء بالجدد، وكلهم اثيوبيون ولم يعد الجيدون يستطيعون التقدم في هذه المدرسة. لا يوجد من يقدمهم. فهم يجارون الضعفاء والمهاجرين الجدد كما يقولون".

          "المشكلة هي أنه لا يوجد اندماج. لا يوجد بيض. وللبيض تميز في الدراسة وهم يعرفون ما معنى الليغو وما معنا البازل. اذا مضى اولادنا الى مدرسة بيض فسيتقدمون.

          "لم نأتِ لنعيش هنا في غيتوات. هذه مقدمة فقط تنذر بما يتبع من حياة الاولاد هؤلاء. لا يصدر هذا عن شعور بالدونية لكننا نشعر بانهم لا يقبلوننا. ان اللون فقط هو الذي يعرفنا في هذه البلاد لا ألمنا. توجد أماكن كثيرة لا اشعر بالانتماء اليها. ان لوننا لا يغيرنا لكنه توجد ههنا عنصرية. عنصرية على العرب وعنصرية على الاثيوبيين، وعنصرية على كل من لا ينتمي الى الهيمنة الاشكنازية. وهذا هو الالم. قطعنا الطريق كله من اثيوبيا، وحلم أباؤنا بالقدس وأصبحنا في النهاية جزءا غير منتمٍ. ويزيد هذا فقط مع الوقت. فما جرى علينا يجري على ابنائنا الان".

          ولد لصديقه، تومر فاسا وهو خريج "نير عتسيون" ايضا، قبل ثلاثة اشهر بنت بكر: "أصبح اليوم هنا في السنين الخمس الاخيرة يشبه بيت دعارة، مع كثرة الاثيوبيين في الحي. ان المعاناة التي جرت عليّ لا اريد أن تجري على ابنتي. في أي مدرسة ستدرس؟ لا في نير عتسيون. أنا أومل لها جامعة. ان ما أشعر به كل يوم لن أدعها تشعر به أبدا. الاولاد في المدرسة هم أولاد فقط. وما يجربونه الان صدمة تبقى طوال الحياة. وسيقودهم هذا سنين طويلة وسيترعرون على التمييز، ويمكن أن نعلم الى أين سيأخذهم هذا. لا يأتي هذا في صورة تهديد لكن يمكن ان نرى الى اين يقود. في نهاية المطاف سيتوجهون الى المخدرات. لانه ماذا تتوقع اذا جلس الولد في البيت؟ سيبدأون السرقة". واضاف زوهر: "انظر ماذا يحدث في اوروبا مع المهاجرين المسلمين والعرب الذين يحشرونهم في احياء منفردة".

          ارسلت عائلة زوهر ابنة أخيه الى مدرسة "بيضاء" وعلمانية. وهو برغم أنه يضع القبعة الدينية يعتقد ان مدرسة علمانية ستحسن اليها: "ان تديننا ليس تدينهم. ورجال الدين عندنا ليسوا رجال الدين عندهم. وفي المدارس الدينية يرغموننا على تدينهم. وهذا يحدث أزمة هوية عند الاولاد، وفراغا، فلا يعلم الولد ما هو ومن هو، فأفضل لذلك مدرسة علمانية".

يترجح في ارجوحة في الحديقة المجاورة  ولد اسود يضع على رأسه قبعة دينية بيضاء ويدعوني "برنجي" (كما يسمي السود البيض). ويتحدث عدد من الامهات في همس على المهاجرين الجدد من اثيوبيا وهم ليسوا يهودا مثلهن. ان شافيا وحيمنوت بنتان حلوتان وطالبتان من الصف الخامس في مدرسة "نير عتسيون". وهما في العاشرة والنصف من عمريهما تمصان الان سكاكر مدورة يتغير لونها في الفم ومدرستهما مغلقة. "المدرسة سيئة. وهي في مستوى منخفض لان الجميع اثيوبيون. دحرجوا جميع الاثيوبيين الى هذه المدرسة ولا يريد والدي أن أدرج في مدرسة لا يوجد فيها سوى اثيوبيين. نريد أن نُخلط بغيرنا. نريد أن ندرس مع "الابرنجيين" (البيض)، لاننا بذلك سنتعلم على نحو أفضل. والداي الان في ضغط. فقد خسرنا دروسا وسينقصنا هذا". ان والدة واحدة منهما تعمل في "نصف مجان"، ووالدة الاخرى في "كنيون اونو".

الشارع 40 في دوي وضجيج. ويجب على اكثر طلاب "نير عتسيون" ان يجتازوه في الطريق الى المدرسة ومنها. ووراءه يوجد حي باجا القديم الذي اصبح الان "كريات الون"، ويجمع فيه اكثر المهاجرين الاثيوبيين الجدد. جلست نساء وسمت اجبنتهن (جمع جبين) بالصليب امس في ملابسهن التقليدية لا يفعلن شيئا، بين شارع "كهيلات فراج" و "كهيلات يوستون". وفي ذلك الوقت وقفت خلف الشارع الام الشابة زهافا ابراهام ولعبت مع ابنائها الثلاثة في الحديقة. وهي خريجة جامعة ومستشارة للطلاب الجامعيين، وقد توفي زوجها الذي كان في الشرطة الخاصة قبل ثلاثة اشهر لاصابه بالسرطان في سن السابعة والثلاثين، ولم تفارق بسمتها المتفائلة الساحرة شفتيها. وهي ايضا لم ترسل اولادها الى "نير عتسيون". لكنها حينما ارادت ان تسجل ابنتها لمدرسة "نيئوت مردخاي"، لم يقبلوها حتى عندما قالت ان ابنتها تيتمت من والدها منذ قريب. وقد اختفت الان البسمة عن شفتيها لاول مرة واصبح وجهها حزينا فجأة. فهي على يقين ان ابنتها لم تقبل في المدرسة لانها اثيوبية فقط.